معهد دراسات الأمن القومي: الانتخابات الإسرائيلية من منظور مصر والأردن

رصد الاعلام العبري: 22 / 7
د.أوفير فينتر: باحث أول في معهد دراسات الأمن القومي ومحاضر في قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة تل أبيب
د.يهودا ديسكين: باحث مختص بشؤون مصر وبرنامج من الصراع إلى التسويات التابع لمعهد دراسات الأمن القومي
لا يُنظر إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في 27 أكتوبر/تشرين الأول، في مصر والأردن على أنها شأن داخلي إسرائيلي بحت. بل تُوصف في وسائل الإعلام الرئيسية في كلا البلدين بأنها مُفترق طرق استراتيجي قد يؤثر على مصالحهما المباشرة، ومستقبل القضية الفلسطينية، والوضع الإقليمي برمته. ويكشف تحليل الخطاب في مصر والأردن، عن وجود عُرفين يبدوان متناقضين، لكنهما في الواقع يكشفان الكثير عن نظرة البلدين إلى السياسة والمجتمع الإسرائيليين: العرف الأول هو أن الانتخابات بالغة الأهمية وتُمثل مفترق طرق، وقد تكون نقطة تحوّل ستُحدد المرحلة المقبلة في المنطقة بأسرها. وفقا لـ أسامة سرايا في صحيفة الأهرام المصرية.
ويظهر نهج مماثل، بل وأحيانا أكثر حدة، في الأردن أيضا. ومن الأمثلة على ذلك ما قاله الصحفي الأردني بسام البدارين، في مقالٍ نشره في يوليو/تموز في صحيفة القدس العربي، جادل فيه بأن “إسقاط المجلس العسكري الحاكم الفاسد في تل أبيب بات واجبا وطنيا وأخلاقيا على الأردن.
لكن، يمكن ملاحظة نمط آخر، يتوازى مع الرغبة في استبدال الحكومة الحالية، وهو التشكيك في البديل الذي تقدمه المعارضة الإسرائيلية. فالانتخابات لا تُصوَّر على أنها صراع بين كتلتين ذواتي أيديولوجيات مختلفة، بل على أنها صراع بين تيارات مختلفة داخل المعسكر اليميني. وبحسب هذا التحليل، اتجه المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكاد معسكر السلام الإسرائيلي أن يُمحى من الساحة السياسية. ولذلك، فإن الخلافات بين الجانبين تتمحور أساسا حول قضايا داخلية ثانوية في نظر جيران إسرائيل، الذين يقيسون موقفها بشكل رئيسي من خلال سلوكها في الساحتين الإقليمية والفلسطينية.
الاختيار بين السيئ والأقل سوءا:
على الرغم من الشكوك السائدة في مصر والأردن تجاه المعارضة الإسرائيلية، إلا أن هناك تفضيلا واضحا في كلا البلدين لتغيير الحكومة بعد الانتخابات. وهناك ثلاثة تفسيرات رئيسية لذلك: أولها شخصي. فعلى مر السنين، أصبح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصية تثير الاشمئزاز لدى الرأي العام في مصر والأردن. وقد كان هذا صحيحا حتى قبل الحرب الدامية التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومن المرجح أن الوضع قد ازداد سوءا منذ ذلك الحين.
أظهر استطلاع للرأي العام أجراه معهد واشنطن في أواخر عام 2022 أن 5% فقط من المصريين ينظرون إلى عودة نتنياهو إلى السلطة بإيجابية. كما أظهرت استطلاعات رأي نُشرت في يونيو/حزيران 2023 أن حوالي ثلثي المصريين و72% من الأردنيين يرون في الاحتجاجات ضد حكومة نتنياهو تطورا إيجابيا. وينعكس موقف الرأي العام أيضاً على قيادتي البلدين.
كانت العلاقات بين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، طبيعية، بل وقوية نسبياً. فبعد تولي السيسي الرئاسة عام ٢٠١٤، كان الزعيمان يتحدثان باستمرار ويلتقيان عدة مرات أمام الكاميرات على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وشجعت “القدس” واشنطن على دعم الحكومة الجديدة في القاهرة، وعزز البلدان تعاونهما في مجالي الأمن والطاقة. إلا أن العلاقات بين الزعيمين تدهورت تدريجياً، ويعود ذلك جزئياً إلى الوضع في الساحة الفلسطينية، حيث تجنب الرئيس المصري، منذ اندلاع الحرب في غزة، عقد اجتماعات مفتوحة وإجراء مكالمات هاتفية علنية مع نتنياهو، رغم المطالبات الإسرائيلية والأمريكية.
لا تقل حدة الخلاف بين الملك عبد الله ونتنياهو. بدأت التوترات بين القصر الأردني ومكتب رئيس الوزراء في عهد الملك حسين، عقب محاولة الاغتيال الفاشلة عام 1997 التي استهدفت القيادي في حماس، خالد مشعل، في العاصمة عمّان. وفي وقت لاحق، ألقت فضائح أخرى بظلالها على علاقة الزعيمين. وفي الآونة الأخيرة، أفادت التقارير أن نتنياهو طلب لقاء الملك عبد الله، للمرة الأولى منذ يناير/كانون الثاني 2023، لكن الملك اشترط سلسلة من التوضيحات حول قضايا مختلفة لعقد الاجتماع، من بينها عدم منحه أي مكاسب شخصية قبل الانتخابات.
ثمة تفسير آخر لترقب المصريين والأردنيين للانتخابات، وهو الذكرى الإيجابية نسبياً التي تركتها “حكومة التغيير”، والأمل في أن تستبدل المعارضة، في نهاية الحملة الانتخابية، شعاراتها الخطابية بسياسة أكثر واقعية. لم تكن حكومة بينيت-لابيد الحكومة المثالية للبلدين: فهي لم تُبدِ أي تنازلات سياسية، ولم تُحدث تغييراً جذرياً في السياسة الإسرائيلية تجاه الأراضي المحتلة، ولم تعمل على إحياء عملية السلام. ومع ذلك، لا تزال تُذكر كطرف أكثر موثوقية واهتماماً وتعاوناً من الحكومة الحالية.
يكمن التفسير الثالث – والأكثر أهمية – لأمل مصر والأردن في تغيير الائتلاف الحاكم في إسرائيل في أنهما لا ينظران إلى الانتخابات الإسرائيلية على أنها خيار بين الخير والشر، بل على أنها خيار بين بديلين إشكاليين، أحدهما أشد خطورة من الآخر. ففي رأيهما، تمثل الحكومة الحالية يمينا يُوصف غالبا في الخطاب الإعلامي في كلا البلدين بأنه “متطرف” و”ديني” و”مسيحاني” و”عدواني”، بينما تمثل المعارضة في الأساس يمينا “أمنيا” و”براغماتيا” و”علمانيا” يُنظر إليه على أنه أهون الشرين.
تُدرك مصر والأردن أن التحالفين المحتملين سيُعطيان الأولوية للاعتبارات الأمنية على حساب التسويات السياسية، ولا يُتوقع منهما التوصل إلى تسوية دائمة للقضية الفلسطينية بالطريقة التي يرغبانها في المستقبل القريب، إلا أن هناك اختلافات جوهرية بينهما: فالحكومة الحالية تُعرف بسعيها لحل النزاع دون مراعاة التطلعات الوطنية الفلسطينية، وبأفكارها التوسعية وضم الأراضي، وتشجيعها “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين إلى مصر والأردن، وهو ما يعتبرانه تهديدا مباشرا لهويتهما وأمنهما واقتصادهما، فضلا عن تقويضها للاستقرار الإقليمي وزعزعتها للوضع الراهن في المسجد الأقصى.
في المقابل، تأمل مصر والأردن أن يتمكن تحالف أمني يميني بديل من إدارة النزاع دون دفن أي فرصة مستقبلية لحل الدولتين، أو على الأقل، الامتناع عن اتخاذ خطوات أحادية الجانب تُشكل خطرا مباشرا عليهما. علاوة على ذلك، قد يُضفي تبادل الأشخاص في إسرائيل، شرعية شعبية أكبر على توسيع نطاق التطبيع. من جهة أخرى، سيواجه البلدان قرارات صعبة في حال استمرار حكم نتنياهو أو صعود قوى اليمين المتطرف.
مخاوف مصرية أردنية إضافية قبيل الانتخابات:
لا تقتصر مخاوف مصر والأردن قبيل الانتخابات الإسرائيلية على نتائجها فحسب، بل يساورهما القلق إزاء محاولات نتنياهو – بدعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – لتحقيق “صورة النصر” في الفترة المتبقية حتى يوم الانتخابات، ما قد يُعزز موقفه الانتخابي. ويرى البلدان أن هذه الصورة قد تتخذ شكل عمل عسكري في لبنان أو إيران، يُقدّم على أنه وفاء بوعده “بتغيير وجه الشرق الأوسط”، أو شكل خطوة دبلوماسية طموحة تهدف إلى توسيع “اتفاقيات أبراهام”، دون أي مقابل إسرائيلي مناسب في السياق الفلسطيني.
ومن بين المخاوف المصرية الأردنية الملموسة في هذا السياق، احتمال أن يؤدي فشل نتنياهو في تحقيق “نصر كامل” على حماس وإيران وحزب الله إلى دفع حكومته لاتخاذ خطوات عدوانية تُساعده في دفع حملته الانتخابية، لكنها تُهدد كلا البلدين. وتشمل السيناريوهات التهديدية في الخطابات بكلا البلدين، تجدد الحرب في قطاع غزة، وإجراءات الضم، وتشجيع الهجرة الطوعية في غزة والضفة الغربية، واتخاذ خطوات أحادية الجانب من شأنها أن تهدد الوضع الراهن في القدس الشرقية.
وثمة قلق آخر يُثار أحيانا في مصر والأردن يتعلق باستقرار الحكومة المُقبلة في إسرائيل. فقد علّمت تجربة الحكومة الانتقالية، التي لم تستمر سوى عام تقريبا، كلا البلدين أن حكومة أقل ملاءمة ولكنها أكثر استقرارا قد تكون أفضل من حكومة ملائمة ولكنها هشة. وذلك لأن التحركات الإقليمية طويلة الأمد تتطلب شريكا إسرائيليا قويا، قادرا على اتخاذ القرارات وتنفيذ الالتزامات على المدى البعيد.
من جهة أخرى، تُسمع أصواتٌ هامشية في مصر والأردن تُشير إلى أن حكومةً غير مستقرة، تخضع لحملات انتخابية متكررة، ستكون أكثر ضبطا للنفس وأقل ميلا لاتخاذ خطوات عدائية. وبناءً على هذا المنطق، تُعدّ حكومة نتنياهو الانتقالية أفضل من حكومة دائمة ومستقرة برئاسته، لأنها ستكون أقل مرونةً، وستواجه صعوبةً في تنفيذ خطط سياسية وعسكرية واسعة النطاق. ومن مزايا هذه الحكومة، كما يُلمّح إليه في الخطاب، سهولة عزلها دوليا بالنسبة للدول العربية مقارنةً بحكومة إسرائيلية جديدة، ستُحسّن مكانة إسرائيل في العالم دون إحداث تغيير جذري في سياستها.
التوصيات:
من خلال الحوار الدائر في مصر والأردن قبيل الانتخابات الإسرائيلية، تبرز عدة استنتاجات عملية ذات صلة بأي ائتلاف سيُشكّل بعد الانتخابات ويرغب في تعزيز علاقات “القدس” مع القاهرة وعمّان:
أولاً، ستُتاح للحكومة المقبلة فرصة لإعادة بناء علاقات سلمية مع مصر والأردن، وانتشالها من التدهور الذي شهدته خلال سنوات الحرب. إضافةً إلى ذلك، تنتظر العديد من المصالح المشتركة – بما في ذلك مشاريع مشتركة في مجالات الأمن والاقتصاد والتجارة والطاقة والمياه والسياحة والنقل والصناعة – قيادة إسرائيلية قادرة على تهيئة الإطار السياسي والمناخ العام اللازمين لتحقيقها. وفي الوقت نفسه، يتطلب تحسين العلاقات مع مصر والأردن بشكل جوهري وعميق من الائتلاف المقبل الانتقال من الغموض إلى سياسة واضحة، وهو ما يُمثّل تغييراً جوهرياً مقارنةً بسياسة الحكومة الحالية في الساحة الفلسطينية.
ثانياً، يجب على إسرائيل إيلاء اهتمام بالغ لمخاوف مصر والأردن. يُسهم استعراض القوة العسكرية في تحقيق استقرار إقليمي وردع، لكن يجب إدارته بحساسية وحكمة. فالتصريحات والتحركات الرامية إلى “تغيير وجه الشرق الأوسط” قد تُفسَّر على أنها عدوان إذا صدرت من جانب واحد، وتُعتبر تهديدا لمصالح الدول المجاورة. ولن يُحقق مبدأ “السلام من خلال القوة” أهدافه ما لم يُبدد مخاوف القاهرة وعمّان إزاء خطوات مثل تشجيع الهجرة، والضم الأحادي، والتوسع الإقليمي، وتفضيل الحلول العسكرية على الدبلوماسية.
وأخيرا، من الأهمية بمكان إعادة بناء العلاقات رفيعة المستوى بين القيادة الإسرائيلية وقيادتي مصر والأردن. فالعلاقات الشخصية، والثقة المتبادلة، والقدرة على الحفاظ على حوار صريح ومباشر، أمورٌ بالغة الأهمية لقدرة إسرائيل على تجاوز الخلافات مع جيرانها، وتخطي التوترات القائمة، وصياغة رؤية مشتركة ومتفق عليها لمستقبل المنطقة. لذا، فإن الحوار المثمر بين القادة – والذي نأمل أن يمتد إلى الأجهزة الأمنية والحكومات والمجتمعات – سيُرسي أساسا متينا لعلاقات سلام قوية وأكثر مقاومة للأزمات.




