صحيفة يديعوت احرونوت:اتفاقيات بلا غطاء

العميد احتياط دورون هادار: القائد السابق لوحدة إدارة الأزمات والمفاوضات في الجيش الإسرائيلي
نشهد اليوم تفكك الاتفاقيات الإطارية التي صاغتها الولايات المتحدة في مختلف المجالات: اتفاقية النقاط العشرين بشأن غزة، بقيادة ستيف ويتكوف وغاريد كوشنر، واتفاقية النقاط الأربع عشرة بشأن إيران، بقيادة جيه. دي. فانس، واتفاقية النقاط الأربع عشرة بشأن لبنان، بقيادة ماركو روبيو.
يجمع بين الاتفاقيات الثلاث قاسم مشترك واضح: فهي اتفاقيات إطارية أو مذكرات تفاهم، مُغلّفة بغلاف ذهبي يحمل شعار البيت الأبيض، لكن ما يخفيه هذا الغلاف هو صياغة مبهمة، والتزامات جزئية، والأهم من ذلك، غياب آليات فعّالة في حال انتهاكها. يكاد ينعدم أي ذكر لما سيحدث عندما لا يفي أحد الأطراف بالتزاماته، وما هي العواقب المترتبة على ذلك.
في نهاية المطاف، حقق “محور الشر” – الحرس الثوري وحزب الله وحماس – هدفه المباشر: وقف الاستخدام المكثف للقوة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، كان الثمن الذي دفعته هذه المنظمات جزئيا فقط. فقد تضررت، لكنها صمدت، ولم تقدم التزامات تُذكر، ومُنحت وقتا. وربما تكون إيران المثال الأوضح. فقد وافق الإيرانيون على مذكرة التفاهم التي روّج لها جيه. دي. فانس لأنهم حصلوا على ما يحتاجونه في تلك اللحظة: وقف إطلاق النار واتفاق على فتح مضيق هرمز – وهو اتفاق لم يدم في الواقع سوى بضعة أيام. لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي، ورفض الايرانيون مناقشة الصواريخ الباليستية، فضلًا عن تمويل وتسليح المنظمات الوكيلة.
عمليا، اشترت طهران أثمن مواردها: الوقت. وقت للبقاء، وإعادة التنظيم، والتعافي من الضربات التي تلقتها. كان التزام ايران الرئيسي هو الدخول في مفاوضات لمدة 60 يوما، وهي فترة انقضت دون أي تقدم في القضايا الجوهرية.
أنجح الاتفاقيات:
يُعتبر اتفاق النقاط العشرين في غزة، ظاهريا، أنجح الاتفاقيات. فقد استعادت إسرائيل 20 رهينة على قيد الحياة و28 رهينة قُتلوا، وهو إنجاز كبير وهام في حد ذاته. ولكن هنا أيضا، يجب دراسة مجمل التغييرات: أفرجت إسرائيل عن حوالي 1900 سجين، من بينهم 250 من أخطر السجناء، من أصل حوالي 270 كانوا محتجزين في السجن عشية الاتفاق.
حققت حماس مكاسب كبيرة أيضاً. فقد توقف القتال العنيف، وأُطلق سراح معظم الأسرى الذين طالبت بالإفراج عنهم عشية السابع من أكتوبر، ولم توافق على الكشف عن قيادتها أو نزع سلاحها. وموافقتها على نقل السلطة المدنية إلى كيانات فلسطينية أخرى في المستقبل ليست جديدة، فقد أدلت بتصريحات مماثلة في الماضي.
وفي لبنان، الوضع مشابه. فقد تم التفاوض على الاتفاق أمام الدولة اللبنانية وحزب الله، بينما اكتفت إسرائيل بمراقبة عملية التنفيذ. حظي الاتفاق باهتمام واسع، كما لو أنه الخطوة الأولى نحو اتفاق سلام. وبدأ البعض يتخيل اليوم الذي سيتناول فيه الإسرائيليون الحمص في بيروت. لكن على أرض الواقع، الوضع أكثر تواضعاً. صحيح أن القتال العنيف، توقف، إلا أن تنفيذ بنود الاتفاق لا يزال بعيد المنال.
قد يكمن جزء من المشكلة في التسمية. فلو سُميت هذه الاتفاقات بمسمياتها الحقيقية – اتفاقيات وقف إطلاق النار – لكانت أقل بريقاً وأقل ملاءمة لاحتفالات البيت الأبيض، لكنها كانت ستكون أكثر دقة. والأهم من ذلك، أنه كان سيُتيح فهما أدقّ للوضع الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة.
إخفاقات عميقة:
يُعتقد عموما أن فشل أي اتفاق يعود أساسا إلى مضمونه، أي إلى الفجوة بين النص المكتوب وما اعتقد كل طرف أنه مُتفق عليه. وهذا صحيح في الغالب. إلا أنه في الحالات الثلاث الراهنة، تكمن إخفاقات أعمق في خلفية المفاوضات، تتعلق بكيفية هيكلتها وإدارتها.
أولا، من هو الطرف الآخر في المفاوضات..؟ هل هو الشخص المناسب حقا، الذي يملك السلطة والنفوذ والتفويض اللازم للوفاء بالالتزامات..؟
ثانيا، من هو الوسيط..؟ هل هو فعّال، وجدير بالثقة، وشفّاف..؟ هل هو قادر على الضغط على كلا الطرفين، والأهم من ذلك، هل لديه القدرة على إنفاذ الاتفاق بعد انتهاء المفاوضات..؟
ثالثا، ما هي استراتيجية التفاوض الأمثل..؟ هل من الصواب إجراء مفاوضات مُكثّفة حتى التوصل إلى اتفاق شامل بشأن القضايا الجوهرية، أم الاكتفاء بمذكرة تفاهم جزئية وعامة، تُؤجل البتّ في الخلافات الشائكة إلى المرحلة التالية..؟
وفوق كل ذلك، يبرز سؤال هام: ما هي أدوات الضغط المناسبة..؟ ما هو القدر الأمثل لاستخدامها..؟ هل ثمة بديل موثوق به في حال عدم التوصل إلى اتفاق..؟ هل يعتقد الطرف الآخر أن ثمن إفشال المفاوضات سيكون باهظا مقارنة بثمن خرق الاتفاق..؟ وهناك أيضا تساؤلات أعمق: هل يمكن للمال أن يحل محل المصالح الاستراتيجية..؟ هل يمكن شراء الهوية، أو بيع الأيديولوجيا..؟ وما هو الأهم: شكل الإنجاز أم جوهره..؟ وما مكانة التحالفات طويلة الأمد عندما يصبح السعي وراء “صفقة” سريعة غاية في حد ذاتها..؟
منذ سنوات طويلة، يُنظر إلى دونالد ترامب، مؤلف كتاب “فن التفاوض” الصادر عام ١٩٨٧، على أنه يؤمن بالمفاوضات القسرية: الضغط الأقصى، واستخدام الأدوات النفسية، ووضع أهدافٍ طموحة، وخلق شعور لدى الطرف الآخر بأنه أمام خيار لا مفر منه. لكن ترامب وقع في فخٍ استراتيجي. وللخروج من هذا المأزق، لا بد من تغيير النهج، ليس فقط في صياغة الاتفاقيات، بل في تعريف الأهداف أيضاً. قد تبدو التطلعات لتغيير النظام في إيران، أو الإزالة الكاملة لحزب الله من لبنان، أو طرد حماس من غزة، جذابةً في العناوين الرئيسية، لكنها لا تكفي وحدها كأساس لسياسة قابلة للتطبيق.
سيتعين على إسرائيل صياغة خطوط عريضة تعتمد في المقام الأول على مبادئ أمنية واضحة وقابلة للقياس والتنفيذ. وسيتعين على الولايات المتحدة دمج المطالب الإسرائيلية في الاتفاقيات نفسها، وعدم الاكتفاء بتصريحات عامة حول “اليوم التالي.”
إذا كان ترامب يرغب في نهاية المطاف بتقليص التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط وسحب قواته من المنطقة، فعليه أن يدرك أن الطريق إلى ذلك لا يكمن في حفل توقيع آخر برّاق، بل في اتفاقيات ذات أهداف واضحة.



