انذار إيراني يحبط سيناريو أميركي لدفع دمشق للدخول عسكريا الى لبنان.

أحبطت إيران، بحسب معلومات سياسية وأمنية متقاطعة، سيناريو تدخل عسكري سوري في لبنان كان يجري الاستعداد له بناء على طلب أميركي، من خلال توجيه إنذار مباشر إلى دمشق مفاده أن أي دخول عسكري سوري إلى الأراضي اللبنانية سيقابله تحريك لجبهات متعددة داخل سوريا وعلى حدودها، بينها الحدود السورية ـ العراقية، وفتح خط اشتباك في حمص، ودعم تحركات علِوية في الساحل السوري، وتشجيع الأكراد على العودة ميدانيا إلى محيط حلب.
وتقول المعلومات إن الإنذار الإيراني لم يكن موجها إلى دمشق وحدها، بل وصل أيضا إلى أنقرة وبغداد والدوحة والرياض، وحمل رسالة واضحة بأن أي مغامرة سورية ضد حزب الله في لبنان لن تبقى محصورة في سهل البقاع، بل قد تتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة داخل الجغرافيا السورية نفسها.
ويقوم السيناريو الذي تروج له شخصيات مرتبطة بالسفارة الأميركية في لبنان، وفق مصادر متابعة، على إدخال وحدات سورية مسلحة من معبر المصنع باتجاه شتورا في البقاع اللبناني وصولا الى مدينة زحلة ذات الغالبية المسيحية، بالتوازي مع تحرك من المرتفعات الشرقية نحو مدينة بعلبك، بالتزامن مع اعلان مدينة طرابلس منطقة نفوذ سورية، على أن تستفيد القوات المتقدمة من بيئات محلية ولا سيما في بعض المناطق ذات الغالبية السنية. وتقول المصادر إن الهدف المفترض للعملية هو ضرب البنية الصاروخية لحزب الله في البقاع، وإحداث ضغط عسكري وسياسي يجبر الحزب على الانكفاء أو القبول بترتيبات أمنية جديدة.
وتمكن الإنذار الإيراني، بحسب مصادر مطلعة، من خلط الحسابات. فبدلا من أن تبدو العملية السورية المحتملة مضمونة النتائج ومحدودة الجغرافيا داخل لبنان، تحولت إلى احتمال تفجير جبهات متعددة داخل سوريا، من البادية إلى حمص، ومن الساحل إلى حلب، ومن الحدود العراقية إلى الحدود اللبنانية. وهذا ما دفع أطرافا إقليمية إلى مراجعة كلفة السيناريو، خصوصا أن سوريا الخارجة من تحولات عسكرية وسياسية عميقة لا تبدو قادرة على تحمل حرب داخلية جديدة.
وتضمن الانذار الايراني الذي وصل الى دمشق عن طريق الأتراك، تحذيرا بقصف صاروخي ايراني سيبدأ من دمشق وسيشمل في الضربة الأولى أكثر من ١٠٠ هدف استراتيجي، وسيكون أول هذه الأهداف القصر الرئاسي السوري.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال في حزيران/يونيو 2026 إنه تحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن حزب الله، مشيرا إلى أن دمشق قد تكون قادرة على التعامل مع الحزب بطريقة مختلفة عن إسرائيل. ونقلت تقارير اعلامية أن الشرع نفى وجود خطط لتدخل عسكري في لبنان، محذرا من أن خطوة كهذه قد تعمق التوترات الطائفية.
وعاد ترامب في تموز/يوليو 2026 إلى التلميح إلى دور سوري محتمل ضد حزب الله، قائلا إن الشرع يمكن أن يكون “أكثر دقة” من إسرائيل في التعامل مع الحزب، ومضيفا أن إسرائيل قد تعيد الانتشار من جنوب لبنان وجنوب سوريا.
وقالت مصادر سورية ولبنانية إن دمشق رفضت مقترحات أميركية للتدخل عسكريا أو لوجستيا ضد حزب الله في البقاع، رغم عروض تتصل بالدعم الاقتصادي والترتيبات السياسية. كما نقلت وسائل إعلام عن مستشار رئاسي سوري أن الولايات المتحدة طرحت دورا سوريا في لبنان، لكن دمشق رفضت أي دور عسكري أو أمني مباشر.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن إيران قرأت الضغط الأميركي على دمشق بوصفه محاولة لاستخدام سوريا الجديدة لإعادة تشكيل ميزان القوى في لبنان والمنطقة، بعد تعذر حسم ملف حزب الله عبر الضغط الإسرائيلي المباشر أو عبر الآليات السياسية الداخلية اللبنانية. وبناء على ذلك، رفعت طهران مستوى التحذير من أي عملية سورية، ليس فقط عبر حزب الله، بل عبر أوراق متعددة داخل سوريا والعراق.
وتفيد المعلومات بأن رئيس الاستخبارات العراقي حميد الشطري زار دمشق وأبلغ مسؤولين سوريين رفض بغداد أي تمدد عسكري سوري داخل الأراضي اللبنانية، محذرا من أن القوات العراقية، وفي مقدمها فصائل من الحشد الشعبي، قد تدخل الأراضي السورية إذا حصل تدخل ضد حزب الله.
وتضيف المصادر أن وزير الخارجية السوري طلب من تركيا التدخل لدى العراق لسحب قوات الحشد الشعبي عن الحدود السورية ـ العراقية، خشية تحول هذه الجبهة إلى ورقة ضغط مباشرة على دمشق.
وتحضر تركيا في هذا المشهد بوصفها الطرف الأكثر قدرة على التأثير في قرار دمشق العسكري والأمني. وتفيد معلومات متداولة بأن أنقرة تتحرك في سوريا مع تجنب الاصطدام بالاسرائيلي، لذلك تقوم غالبا بتنسيق أي تحرك لها مع تل ابيب وواشنطن، وهذا ما قامت به مؤخرا عند تأهيل أربعة رادارات سورية في دمشق وطرطوس وشرق سوريا، ضمن ترتيبات جرت بموافقة إسرائيلية وبما يضمن بقاء السيطرة الجوية الاسرائيلية على سماء البلاد.
وترى مصادر متابعة أن تركيا تريد ثمنا سياسيا وأمنيا مقابل ممارسة ضغط على دمشق في الملف اللبناني، سواء في ملف الأكراد أو الحدود أو إعادة بناء مؤسسات الجيش السوري. وفي المقابل، تبدو إسرائيل، وفق المعلومات المتداولة، معنية بأي مسار يؤدي إلى إضعاف حزب الله، لكنها تضع شروطا تتعلق بأمن جنوب لبنان وجنوب سوريا، وبترتيبات تمنع قيام جبهات مقاومة جديدة في الجنوب السوري.
وفي هذا الإطار، تشير معلومات إلى أن الرئيس السوري غير موافق على إنشاء خلايا مقاومة في جنوب سوريا أو تنفيذ عمليات عسكرية ضد القوات الإسرائيلية التي دخلت مناطق في الجنوب، ويفضل الذهاب إلى ترتيبات أمنية عبر التفاوض. ويؤكد الشرع بأن دمشق تسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، وأنها تفضل الدبلوماسية على المواجهة.
وتتحدث المعلومات عن تباين عربي إقليمي حيال السيناريو السوري. فالإمارات، بحسب المعطيات المتداولة، متحمسة لتمويل أي عملية عسكرية سورية في لبنان، ونُقل عن المسؤولين فيها استعدادهم لدفع رواتب القوات الى جانب تمويل العمليات القتالية، بينما ترفض قطر التدخل السوري، ولا تمانع السعودية في إطار ترتيبات تضعف حزب الله من دون تفجير المنطقة.
أما حزب الله، فتقول مصادر قريبة من أجوائه إنه يتعامل مع هذه المعلومات بجدية عالية، واتخذ إجراءات احترازية في البقاع تحسبا لأي تدخل سوري محتمل. وترى هذه المصادر أن الحزب لا ينظر إلى السيناريو بوصفه عملية سورية منفصلة، بل باعتباره جزءا من ضغط أميركي ـ إسرائيلي ـ إقليمي يهدف إلى تفكيك بنية المقاومة في لبنان من الشرق، بعد تعثر الحسم الاسرائيلي في الجنوب.
وتتحدث المعلومات عن أربعة سيناريوهات محتملة ولدها الانذار الايراني. الأول هو تجميد خيار التدخل السوري المباشر والاكتفاء بتنسيق أمني وسياسي بين دمشق وواشنطن وبيروت في ملف الحدود. والثاني هو تنفيذ عمليات محدودة غير معلنة تشمل إغلاق طرق تهريب أو ضبط معابر غير شرعية من دون مواجهة مباشرة مع حزب الله. والثالث هو استخدام التهديد بالتدخل كورقة تفاوضية في ملف نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.
أما السيناريو الرابع، وهو الأخطر، فيتمثل في انزلاق سوريا إلى مواجهة مفتوحة إذا قررت واشنطن أو إسرائيل أو أطراف إقليمية دفع دمشق نحو عمل عسكري في لبنان رغم التحذيرات الإيرانية والعراقية.
حتى الأن يبدو أن إيران نجحت، في تحويل أي تدخل سوري محتمل في لبنان من خيار عسكري قابل للتسويق أميركيا إلى مغامرة إقليمية عالية الكلفة. وفي المقابل، لا تزال واشنطن تضغط لتقليص قدرات حزب الله، وتبحث عن أدوات لبنانية وإقليمية ودولية لتحقيق ذلك، بينما تقف سوريا بين إغراء الدعم السياسي والاقتصادي الأميركي، وخطر انفجار ساحتها الداخلية إذا تجاوزت الخطوط التي رسمتها طهران وحلفاؤها.



