مقالات رأي

خريف السلطة «الإسرائيلية»: تداعيات السقوط المحتمل لنتنياهو ومعسكره

 

حسن حردان

يجد كيان الاحتلال الإسرائيلي نفسه عشية انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول 2026 أمام مفترق طرق تاريخي وفارق. فالمأزق العسكري المستمر على جبهات الاستنزاف الممتدة من غزة إلى لبنان وصولاً الى إيران، وغياب الأفق الاستراتيجي للحسم وتحقيق النصر المطلق، وتراجع الثقة الشعبية، كلها عوامل تضافرت لتضع رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ومعسكره اليميني أمام خطر حقيقي وفقدان الأغلبية البرلمانية.
يمثل هذا المخاض الانتخابي أكثر من مجرد تبدّل في وجوه الائتلاف الحاكم؛ بل يعكس أزمة بنيوية في نموذج إدارة الأمن والسياسة الإسرائيلية، وينذر بتداعيات زلزالية على مستقبل نتنياهو السياسي والقضائي والشخصي.

أولاً: مؤشرات السقوط وتآكل الأغلبية
تُظهر أحدث استطلاعات الرأي العام والخرائط الحزبية عشية الانتخابات تحوّلات عميقة في المزاج “الإسرائيلي”:
1 ـ انكماش كتلة اليمين والحريديم: تشير المؤشرات الرقمية إلى عجز المعسكر الائتلافي الحالي عن بلوغ عتبة الـ 61 مقعداً المطلوبة لتشكيل الحكومة، مستقراً في حدود 49 إلى 52 مقعداً، نتيجة السخط العام من أعباء التجنيد والمساواة في تحمّل الخدمة العسكرية (أزمة إعفاءات الحريديم).
2 ـ تراجع الحزب القائد: على الرغم من احتفاظ حزب “الليكود” بصدارته العددية نسبياً (نحو 22 إلى 24 مقعداً)، إلا أنّ هذا الرقم يمثل تراجعاً كارثياً مقارنة بتمثيله السابق، ويعكس تآكل القاعدة الصلبة للحزب وسط الإنهاك الاقتصادي والنفسي للمجتمع.
3 ـ صعود بدائل المؤسسة الأمنية والوسط: يقابل هذا التراجع صعود لافت لقوى الوسط والبدائل ذات الخلفية العسكرية (مثل حزب “يشار” بقيادة غادي آيزنكوت وتحالف “معاً” بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد)، مما يترجم رغبة الشارع الملحة في طيّ صفحة الاستنزاف والبحث عن مقاربة أمنية أكثر واقعية وتنسيقاً مع الحليف الأميركي.

ثانياً: نهاية حقبة
أم إعادة تموضع؟
إنّ خسارة الأغلبية البرلمانية تعني بالنسبة لنتنياهو نهاية أطول فترة حكم في تاريخ الكيان الصهيوني، وتوابع ذلك السياسية بالغة القسوة:
ـ فقدان مظلة الحصانة التنفيذية: طوال سنوات الأزمات والحروب، استند بقاء نتنياهو السياسي إلى قدرته على استخدام أدوات الحكم لتأجيل استحقاقاته الشخصية والقانونية. السقوط الانتخابي يحرمه من منصبه كرئيس للوزراء، ويحرمه من مفاتيح التأثير المباشر على الأجهزة الأمنية والسياسية.
ـ التصدّع داخل معسكر اليمين: في حال الهزيمة، ستندلع فوراً حرب خلافة داخل حزب “الليكود” وخارجه، حيث سيحاول الحرس القديم والوجوه الصاعدة القفز من السفينة الغارقة وإلقاء تبعات الفشل العسكري والسياسي على شخص نتنياهو، مما ينهي احتكاره لزعامة معسكر اليمين الإسرائيلي.

ثالثاً: المحاكمة القضائية
وكابوس “7 أكتوبر”
تتجسّد الخطورة الكبرى على مستقبل نتنياهو في ما ينتظره على جبهة القضاء والمساءلة التاريخية:
ـ استئناف تداعيات قضايا الفساد: تفقد محاكمته الجارية (بتهم الرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة) الحصانة السياسية المرتبطة بإدارة الحكم، وتتضاعف الضغوط القضائية والإعلامية لتسريع الأحكام، خصوصاً مع تلاشي قدرة الائتلاف المقبل على تمرير تشريعات التفافية أو إصلاحات قضائية تقوّض استقلال القضاء.
ـ لجنة التحقيق الرسمية لكارثة 7 أكتوبر: يُعدّ رفض نتنياهو الصارم تشكيل “لجنة تحقيق رسمية” ذات صلاحيات كاملة طوال فترة الحرب محاولة مستميتة لحماية نفسه من الإدانة المباشرة. إنّ خسارته للحكم ستعني حتمياً تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ونافذة، ستوجه إليه ـ وللقيادات العسكرية والأمنية التي عاصرته ـ اتهامات بالإهمال الجسيم والقصور الاستراتيجي الذي سمح بوقوع صدمة السابع من أكتوبر.
ـ مسؤولية الفشل في حروب الاستنزاف: لن يقتصر الأمر على إخفاقات اليوم الأول، بل سيطال التحقيق إدارة “الحروب المتعددة” التي أُديرت باعتبارات سياسية وبقاء شخصي أكثر من كونها تحقيق أهداف أمنية قابلة للتحقق، مما يرسّخ المسؤولية الجنائية والسياسية الشاملة لنتنياهو عن استنزاف الكيان وبنىيته التحتية.

الاستنتاجات والآفاق المستقبلية
ـ الانسداد السياسي المؤقت: حتى في حال خسارة معسكر نتنياهو للأغلبية، تشير الخرائط الحزبية إلى صعوبة بالغة أمام معسكر المعارضة لتشكيل حكومة متجانسة بسهولة، دون تفاهمات معقدة أو تقاطعات هشة، مما قد يبقي الكيان الصهيوني رهينة لحالة من عدم الاستقرار السياسي ودوامة الانتخابات المتكررة.
ـ التحوّل الاستراتيجي: على الصعيد الخارجي، بغضّ النظر عن هوية الحكومة المقبلة، فإنّ الصدمة النفسية لـ 7 أكتوبر وحروب الاستنزاف تركت إجماعاً مجتمعياً يرفض الحلول السياسية (مثل مسار الدولتين)، مما يعني أنّ أيّ حكومة بديلة ستستمرّ في الاعتماد على القوة العسكرية ولكن بنهج تنسيقي ودبلوماسي أكثر انضباطاً مع الولايات المتحدة الأميركية لتجنّب العزلة الدولية.
الخلاصة التاريخية: يقف كيان الاحتلال الإسرائيلي أمام لحظة محاسبة غير مسبوقة؛ فاحتمال خسارة نتنياهو للسلطة لا يمثل مجرد تداول ديمقراطي للسلطة، بل هو زلزال قانوني وسياسي قد ينهي مسيرة الزعيم الأكثر تأثيراً في تاريخ الكيان الحديث، ويفتح الباب أمام مرحلة من التطهير الداخلي وإعادة صياغة العقد الاجتماعي والأمني للكيان، تحت وطأة آثار الفشل والاستنزاف.. ولهذا يصارع نتنياهو لأجل تعويم شعبيته وتحقيق الفوز في الانتخابات بما يضمن بقاءه على عرش الحكم الذي يحميه من المحاسبة والمساءلة المحاكمة من قبل خصومه…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى