مأزق «رهان ترامب الخاسر»: كيف أمسكت إيران بمفتاح «هرمز» الذهبي؟

حسن حردان
يبدو من الواضح انّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أدخل نفسه مجدّداً في مأزق الرهان الخاسر على إخضاع إيران لشروطه التفاوضية وانتزاع سيادتها على مضيق هرمز، وهي السيادة التي تعتبرها إيران مفتاحها الذهبي لإجبار واشنطن على التسليم بالتعامل الندّي مع الجمهورية الإسلامية.
لم يكن اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي في نهاية شباط الماضي مجرد حدث عابر في سجلات التاريخ، بل كان الشرارة التي قلبت الطاولة على حسابات الإدارة الأميركية. اليوم، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه حبيس “مأزق استراتيجي” جديد، حيث أثبتت الأسابيع الأخيرة أنّ الرهان على إخضاع طهران عبر سياسة “الضغوط القصوى” والضربات العسكرية المحدودة كان رهاناً خاسراً بامتياز، قاد واشنطن إلى طريق مسدود بدلاً من فتح أبواب المفاوضات بشروط البيت الأبيض.
رهان ترامب على “السيادة المنتزعة”
لقد بنى ترامب استراتيجيته الحالية على فرضية أنّ تكثيف الضغط العسكري، ومحاولة انتزاع السيادة الإيرانية على مضيق هرمز، سيدفع طهران إلى خيارات يائسة أو استسلام تكتيكي. لكن ترامب لم يدرك على ما يظهر، انّ المضيق بالنسبة لإيران يمثل “المفتاح الذهبي” ليس فقط لأمنها القومي، بل كأداة استراتيجية لكسر غطرسة الإملاءات الأميركية. فإيران التي خاضت عقوداً من الحصار، لا ترى في المضيق مجرد ممرّ مائي، بل خط دفاع متقدّم لإجبار واشنطن على النزول عن “شجرة التجبّر” والقبول بمبدأ التعامل الندّي القائم على الاحترام المتبادل والاعتراف بسيادتها واستقلالها والاقرار بحقوقها.
صدمة “التصلب”
وخطأ التقدير الأميركي
كان الرهان الأميركي أنّ الصدمة الناتجة عن الاغتيال ستُضعف نظام الثورة الإيرانية، وتجعله أكثر قابلية للتفاوض. غير أنّ الواقع الميداني أفرز نتائج معاكسة تماماً:
الاستجابة الوجدانية والمؤسساتية: أدى تشييع السيد الشهيد خامنئي وما تلاه من مطالبات شعبية واسعة بالثأر إلى تعزيز شرعية النظام وتصلب موقفه. لقد تحوّل الموقف الإيراني من “الدفاع عن مصالح” إلى “معركة كرامة وطنية”.
استراتيجية “الندّية”: أدركت طهران أنّ التراجع أمام محاولات ترامب لفرض قواعد اشتباك جديدة يعني ضياع سيادتها للأبد. لذا، أصبح الثبات على بنود “مذكرة التفاهم” ـ التي تمنحها حق الإدارة والإشراف على الملاحة ـ هو الحدّ الأدنى الذي لا يمكن التنازل عنه.
المأزق الانتخابي:
هل يقترب وقت التراجع؟
يجد ترامب نفسه اليوم أمام معادلة انتخابية بالغة التعقيد. فمن جهة، يخشى أن يؤدي التراجع عن سياسته إلى ظهور إدارته بمظهر الضعيف أمام ناخبيه، ومن جهة أخرى، يدرك أنّ أيّ انزلاق نحو “حرب شاملة” يعني تدمير استقرار الاقتصاد العالمي، وهو ما سيترجم فوراً إلى خسائر اقتصادية في الداخل الأميركي تهدّد مستقبله السياسي.
لقد وضع ترامب نفسه في زاوية ضيقة؛ فإيران اليوم ترفض الدخول في أيّ تفاوض تحت نيران التهديد، وتتمسك بحقها في إدارة المضيق كقاعدة ثابتة لأيّ حوار مستقبلي. إنّ استمرار التصلّب الأميركي يعني استمرار حالة “الاستنزاف” التي تستهدف المصالح الأميركية في المنطقة، وهو ما قد يدفع ترامب في نهاية المطاف إلى خيارين لا ثالث لهما:
الخيار الأول (المخاطرة الوجودية): الانزلاق إلى مواجهة شاملة يرفضها العقل الاستراتيجي الأميركي والحلفاء.
الخيار الثاني (الواقعية الاضطرارية): التراجع عن “وهم الإملاءات” والعودة إلى “مذكرة التفاهم” كإطار للالتزام بالسيادة الإيرانية، وهو المخرج الوحيد الذي قد يحفظ ماء الوجه لترامب ويضمن استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
إنّ الدرس الذي أفرزته التطورات الأخيرة واضح: لا السيادة الإيرانية على مضيق هرمز قابلة للاختزال في صفقات سياسية، ولا طهران اليوم هي الطرف الذي يقبل بالتعامل كـ “تابع” في معادلات المنطقة. ترامب، برهانه الخاسر على إخضاع طهران، لم يعد يواجه نظاماً سياسياً فحسب، بل يواجه إرادة صلبة باتت تمتلك “المفاتيح الذهبية” لتعطيل الطموحات الأميركية، مما يجعل من عودة واشنطن إلى طاولة المفاوضات بشروط الندية والاحترام المتبادل ضرورة واقعية، وليست مجرد خيار سياسي، قبل أن تتجاوز الأمور نقطة العودة…



