عندما يهاجم ترامب صوت الاعتدال في الخليج

كتب: د. جواد عبد الوهاب:
في عالمٍ يزداد اضطرابًا واستقطابًا، بقيت سلطنة عُمان واحدة من آخر الأصوات العاقلة في الشرق الأوسط. دولة لم تبنِ نفوذها بالصراخ، ولا بالميليشيات، ولا بالاستعراض الإعلامي، بل بالحكمة والهدوء والدبلوماسية الهادئة التي جنّبت المنطقة أزماتٍ لا تُحصى. ولهذا تحديدًا، جاءت تصريحات دونالد ترامب الأخيرة تجاه عُمان صادمة ومستفزة، لا لأنها تهدد مسقط فحسب، بل لأنها تكشف خللًا عميقًا في فهم بعض الساسة الأمريكيين لطبيعة الحلفاء الحقيقيين في المنطقة.
عُمان ليست دولة مارقة، ولا خصمًا لواشنطن، بل كانت لعقود من أكثر الشركاء موثوقية واتزانًا. عندما أُغلقت قنوات الحوار بين أمريكا وإيران، كانت مسقط تفتح أبوابها للوساطة. وعندما ارتفعت نيران التوتر في الخليج، كانت عُمان تتحرك لإطفائها لا لتأجيجها. بل إن كثيرًا من النجاحات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة لم تكن لتتحقق لولا القنوات العمانية الهادئة التي عملت بعيدًا عن الضجيج والشعارات.
ومن المفارقات المؤلمة أن تُقابل هذه السياسة المتزنة بلغة تهديد واستعلاء. فبدل أن تُكافأ عُمان على دورها في حماية الاستقرار الإقليمي، يتم التعامل معها وكأنها عبء سياسي يجب الضغط عليه. وهذه ليست إساءة لعُمان بقدر ما هي إساءة لصورة الولايات المتحدة نفسها.
إن الدول لا تُقاس فقط بقوتها العسكرية، بل بقدرتها على التمييز بين الحليف الحقيقي والطرف المهدِّد للاستقرار. وعندما تهاجم واشنطن دولة عُرفت بالحياد والحكمة، فإن الرسالة التي تصل إلى المنطقة ليست رسالة قوة، بل رسالة ارتباك سياسي وفقدان للبوصلة الدبلوماسية.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من التصريحات يضر بالمصالح الأمريكية ذاتها. فالدول الخليجية الصغيرة والمتوسطة تراقب جيدًا كيف تتعامل واشنطن مع شركائها. وعندما ترى أن حتى الحلفاء المعتدلين قد يتعرضون للتهديد أو الإهانة العلنية، فإن ذلك يدفعها تلقائيًا للبحث عن توازنات جديدة وعلاقات أكثر استقلالًا عن المزاج السياسي الأمريكي المتقلب.
أما في ما يتعلق بعلاقة عُمان بإيران وقضية مضيق هرمز، فإن بعض الخطابات الشعبوية في واشنطن تتجاهل حقيقة جغرافية وسياسية بسيطة: عُمان لا تستطيع أن تتعامل مع إيران بمنطق العداء المطلق، لأنها تشاركها الجغرافيا والمضيق والتوازن الأمني الحساس. لكن في الوقت نفسه، لم تكن مسقط يومًا أداة بيد طهران، بل حافظت دائمًا على استقلال قرارها وعلى علاقات متوازنة مع الجميع.
الفرق أن عُمان تؤمن بأن أمن الخليج لا يتحقق بالتهديدات والانفعالات، بل بالحوار ومنع الانفجار الكبير. وهذه الرؤية، مهما اختلف معها البعض في الخليج، أثبتت عبر العقود أنها أكثر نضجًا وواقعية من سياسات التصعيد الدائم.
إن من حق العُمانيين أن يشعروا بالاستياء من هذه التصريحات، لأن بلدهم لم يكن يومًا مصدر تهديد لأحد، بل كان صمام أمان للمنطقة بأكملها. ومن حقهم أيضًا أن يتساءلوا: ماذا تريد واشنطن بالضبط؟ هل تريد حلفاء عقلانيين قادرين على الوساطة وخفض التوتر؟ أم تريد فقط تابعين يرددون ما يُطلب منهم دون اعتبار لمصالحهم الوطنية واستقرار منطقتهم؟
لقد أثبتت عُمان مرارًا أن احترامها يُكسب، لا يُفرض. وأن السياسة الحكيمة قد تكون أهدأ صوتًا، لكنها غالبًا الأكثر تأثيرًا والأطول عمرًا. فالدول التي تبني مكانتها على الاتزان والعقلانية لا تهتز أمام التصريحات العابرة، بينما الخطابات الانفعالية، مهما بدت صاخبة، تترك خلفها مزيدًا من التوتر وفقدان الثقة. وستبقى عُمان، كما كانت دائمًا، دولة تُفضّل إطفاء الحرائق على إشعالها، وبناء الجسور على هدمها، والعمل بصمت من أجل استقرار المنطقة، حتى حين يختار الآخرون لغة التهديد والاستعراض السياسي.


