بين خرق النار في النبطية وطاولة جنيف: معركة البقاء السياسي لنتنياهو…

حسن حردان
تحت وطأة تحوّلات دراماتيكية متسارعة، استيقظت الحلبة السياسية والإعلامية في تل أبيب على مشهد استراتيجي شديد التعقيد، أحدثه الإعلان عن تفاهمات جنيف ومذكرة التفاهم بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وطهران. هذا التطور الذي حرّك المياه الراكدة فرض على “إسرائيل” واقعاً يتسم بالتوجّس من آليات مراقبة وقف إطلاق النار المقترحة في لبنان، ويضع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو في أصعب اختبار سياسي داخلي وخارجي، ليتأرجح مستقبله الانتخابي بين حسابات الحفاظ على التحالف مع البيت الأبيض ومخاوف تفكك ائتلافه اليميني.
أولاً: معضلة جنيف
وانكسار “الردع الاستباقي”
تجمع القراءات العسكرية والسياسية في الصحف العبرية (مثل يديعوت أحرونوت وهآرتس) على أنّ صيغة التفاهمات المطروحة للآلية الجديدة لمراقبة وقف النار في لبنان تمثل “تراجعاً استراتيجياً” مقلقاً لتل أبيب.
تكمن خطورة هذه الآلية من وجهة النظر “الإسرائيلية” في تقييد حرية الحركة؛ فالنص يربط أيّ تحرك عسكري “إسرائيلي” بوجود “خطر وشيك” فقط، وهو ما ينسف عملياً مفهوم “العمليات الاستباقية” لمواجهة إعادة تسليح حزب الله، او تهديد محتمل، مما يفقد جيش الاحتلال المبادرة الميدانية التي يُصرّ عليها.
وثمة إجماع داخل أروقة القرار في تل أبيب على رفض “التلازم بين المسارات”، حيث يبدي المسؤولون الصهاينة امتعاضاً شديداً من ربط الترتيبات الأمنية في لبنان بملفات إقليمية أوسع، كملف الملاحة في مضيق هرمز أو الاتفاق النووي الإيراني، معتبرين أنّ أمن الشمال لا يمكن أن يكون ورقة مقايضة في “الصفقة الكبرى” لترامب.
ثانياً: رسائل النبطية… حرية الحركة
وعشية مفاوضات واشنطن
في توقيت لافت، جاء الانتهاك “الإسرائيلي” الأخير لوقف إطلاق النار عبر تنفيذ هجومين عسكريين في منطقة النبطية بجنوب لبنان لينقل الصراع من الغرف المغلقة إلى الميدان المشتعل. ويندرج هذا التصعيد في سياق رسائل إسرائيلية متعددة الاتجاهات:
تسعى حكومة نتنياهو ميدانياً إلى فرض “أمر واقع” يؤكد أنّ جيش الاحتلال يحتفظ بالحق الكامل في مواصلة هجماته وضرباته الاستباقية كلما شعر بوجود تهديد ناشئ، ودون انتظار موافقة أيّ لجان دولية.
كما تهدف خروفات وقف النار إلى رفع السقف التفاوضي لـ “إسرائيل” في مفاوضات واشنطن؛ حيث ترغب تل أبيب في إفهام الإدارة الأميركية بأنها لن تقبل بآلية رقابة تحدّ من أمنها، وأنّ البديل عن الشروط “الإسرائيلية” هو العودة إلى خيار التفجير الشامل.
ثالثاً: معادلة حزب الله…
في المقابل، جاء بيان حزب الله ليعيد رسم الخطوط الحمر ميدانياً؛ حيث اعتبر الحزب الهجومين الإسرائيليين على النبطية خرقاً فاضحاً ومباشراً لاتفاق وقف إطلاق النار. وأكد الحزب في مواقفه السياسية والميدانية أنه “لن يسمح بحرية الحركة لجيش الاحتلال” داخل الأراضي اللبنانية، مشدّداً على جاهزيته للردّ على أيّ خرق إسرائيلي وفق معادلة الردع بالمثل.
هذا الموقف الصارم من الحزب يُسقط الحسابات “الإسرائيلية” التي راهنت على إمكانية استغلال فترة المفاوضات لفرض قواعد اشتباك جديدة، ويؤكد للاحتلال وللوسيط الأميركي معاً أن أي محاولة لقضم الاتفاق ستُقابل بتصعيد عسكري متبادل.
رابعاً: الانعكاسات على مسار جنيف
والمأزق الانتخابي لنتنياهو
أمام هذا التلازم بين تصعيد النبطية وضغوط واشنطن، يواجه مسار جنيف التفاوضي منعطفاً حرجاً؛ إذ قد تؤدي هذه الخروقات الإسرائيلية المستمرة وردود المقاومة المحتملة إلى انهيار كلي لمساعي تثبيت وقف اطلاق النار، أو على العكس، قد تدفع إدارة ترامب إلى زيادة منسوب ضغطها على حكومة نتنياهو لإجبار على الانصياع.
أما على صعيد الداخل “الإسرائيلي”، فجرت هذه التطورات قنبلة سياسية وضعت نتنياهو في مأزق “فكي الكماشة” الذي يهدد مستقبله الانتخابي:
التهديد اليميني من الداخل: سارع أقطاب اليمين المتطرف، وفي مقدمتهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى الهجوم على فكرة التراجع، معتبرين أنّ “لبنان يجب أن يظل ساحة ألعاب مفتوحة لإسرائيل”. هذا التشدّد يضع نتنياهو أمام خطر حقيقي بتفكك حكومته وسقوطها إذا ما انصاع لترامب وانسحب من الجنوب.
الهدية الانتخابية للمعارضة: استغلت المعارضة الإسرائيلية المشهد بقوة؛ حيث قاد أفيغدور ليبرمان هجوماً لاذعاً وصف فيه اتفاق جنيف بأنه “أكبر كارثة سياسية منذ التأسيس”، متهماً رئيس الوزراء برهن الأمن القومي لمصالح واشنطن النفطية والسياسية وحسابات أسعار الوقود العالمية. وتبني المعارضة إستراتيجيتها الانتخابية القادمة على اتهام نتنياهو بـ “العجز” والفشل في تقديم “رواية نصر” حقيقية لسكان الشمال.
انطلاقاَ مما تقدّم يمكن قراءة المشهد على أن فترة “الائتمان المفتوح” والضوء الأخضر المطلق الذي منحه البيت الأبيض للعدوان الإسرائيلي قد شارف على الانتهاء تحت وطأة حسابات ترامب المنطلقة من مصالح أميركا تعلو على مصلحة نتنياهو الشخصية.
لذلك يجد نتنياهو نفسه اليوم أمام لحظة الحقيقة؛ فإما قبول الانسحاب والآلية الجديدة وخسارة حاضنته اليمينية وانهيار رهاناته الانتخابية، وإما التمرد على الرغبة الأميركية ومواجهة عواقب الاصطدام بالبيت الأبيض. وما بين ألسنة اللهب في النبطية وطاولات التفاوض في جنيف وواشنطن، تُدار واحدة من أعقد معارك البقاء السياسي في تاريخ كيان الاحتلال.

