رصد الاعلام العبري: صحيفة يديعوت احرونوت: في النهاية، لن يكون ترامب أول من يعض على شفتيه تساحي هنغبي

لا ينوي الرئيس ترامب التراجع. على عكس كل تنبؤات المتشائمين الدائمين، فهو ليس رئيسا “لا يمكن التنبؤ به” على الإطلاق، بل هو فنان ذو وجهين يُزعزع استقرار خصومه، ويسعى باستمرار لتحقيق أهدافه الأصلية. يُغرق ترامب أعداءه بالأوهام، ويسخر ويزدري بهم، لبث القلق في نفوسهم، ويستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير مسبوق لتحقيق مكاسب نفسية من خلال تهديدات صريحة ومُبهمة في كثير من الأحيان.
على الرغم من غرابة هذا السلوك، إلاّ أنه ليس غريبا، بل هو تكتيك محسوب بدقة متناهية. في الواقع، ومنذ الإنذار الذي وجهه ترامب إلى المرشد الأعلى لإيران في بداية ولايته الثانية، لم يطرأ أي تغيير على عزمه على تحقيق أهدافه المرجوة من خلال مزيج من استخدام القوة العسكرية والدبلوماسية الصارمة. فقد أوضح في الحملة الانتخابية، أنه لا ينوي التدخل في الشؤون الإيرانية الداخلية، وأنه منذ البداية كان مترددا في تتويج نجل الشاه رضا بهلوي ليكون الزعيم القادم لإيران. وكشف ترامب عن الجدول الزمني المخطط للحرب في اليوم الثاني (“ما بين أربعة وخمسة أسابيع إذا لزم الأمر”). والرسالة الأهم على الإطلاق: إذا لم تخضع إيران لإملاءاته، فليس لديه أي نية لإنهاء العملية العسكرية من جانب واحد. ولكن كما هي طبيعة الحرب، فإنها لا تدور من جانب واحد. وهنا يبرز السؤال: هل يمكن لإيران الموافقة على الحد الأدنى من شروط الرئيس الأمريكي..؟
فيما يتعلق بمسألة إزالة اليورانيوم المُخصّب، يُظهر الاتفاق الموقع عام ٢٠١٥ بمبادرة من الرئيس أوباما أن هذه المسألة ليست عائقا لا يُمكن تجاوزه. وكجزء من ذلك الاتفاق، وافقت إيران على التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب بمستوى متوسط، مع السماح لها بامتلاك كمية كبيرة من اليورانيوم منخفض التخصيب. وقد وافقت إيران على هذا التنازل المؤقت، نظرا لأن صلاحية الاتفاق كانت محدودة بفترة قصيرة. إلاّ أن مطالب الرئيس ترامب اليوم تتجاوز الماضي بكثير. فقد أوضح ستيف ويتكوف لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الاتفاق الجديد لن يكون محددا بمدة زمنية، وأن إيران لن تتمكن بعد الآن من الحفاظ على صناعة تخصيب اليورانيوم. وقدّم الأمريكيون بدائل مُغرية لإيران، لكنها رفضتها لسبب بسيط: لم تُلبِّ هذه البدائل حاجة إيران في الحفاظ على قدرتها لامتلاك أسلحة نووية.
في الوقت الراهن، لا تلوح في الأفق أي بوادر عقلانية لدى القيادة الإيرانية، ومن المرجح عدم إحراز أي تقدم يُذكر في المفاوضات المُجددة. هذا قبل الخوض في مناقشة قضايا أخرى مُعقّدة وهامة تبرز في الشروط المبدئية التي وضعها الرئيس ترامب علنا: وقف إنتاج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم المنظمات الإرهابية، وفتح مضيق هرمز دون قيد أو شرط.
للوصول إلى اتفاق يضع حدا للضربات القوية التي تُوجه إليها يوميا، ستُجبر إيران على الموافقة على إملاء رفضته باشمئزاز لعقود. المكسب الأكبر سيكون ضمان بقاء النظام ورفع العقوبات التي تمنعه من معالجة أزمته الاقتصادية المتفاقمة. هذا ثمن يسهل هضمه بالنسبة لنظام يدّعي عدم وجود نوايا خبيثة لديه لامتلاك أسلحة نووية، ولكنه ثمن باهظ بالنسبة لعصابة متطرفة لم تتخلَّ قط عن طموحها في تدمير إسرائيل. فهل ستتمكن هذه العصابة في الأيام القادمة من إخضاع أقوى قوة في العالم وإجبارها على إنهاء الحرب دون تحقيق أي من أهدافها المُعلنة..؟
بصفتي شخصا حظي بشرف معرفة التزام الرئيس ترامب العميق والصادق بضمان قيادة الولايات المتحدة للعالم الحر الذي لا يخضع للشر، أعود إلى الجملة الافتتاحية: ترامب لن يتراجع.
سبع رؤى حول الحرب ضد إيران
د. يؤيل غوزانسكي: خبير في شؤون دول الخليج في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)
وضعت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، دول الخليج في موقف بالغ التعقيد: فهي لم تكن طرفا رسميا في القتال، لكنها تحملت جزءا كبيرا من تبعاته. يكشف استعراض التطورات حتى الآن عن سبع رؤى رئيسية، ترسم صورة لمنطقة ستستمر في العمل تحت قيود شديدة وخوف عميق من “اليوم التالي”.
أولا، لا يزال خطر التصعيد قائما: يُجسّد إنذار الرئيس ترامب لإيران – الذي تم تمديده لاحقا – بفتح مضيق هرمز إمكانية تغيير قواعد اللعبة. قد يؤدي هجوم أمريكي إسرائيلي عنيف على البنية التحتية للطاقة في إيران إلى رد إيراني واسع النطاق ضد البنية التحتية للطاقة في الخليج، وهو ما لم تفعله إيران حتى الآن. لن يؤدي هذا السيناريو إلى ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية، وأضرار اقتصادية جسيمة لدول الخليج يصعب عليها تجاوزها.
ثانيا، الفرضية الأساسية لدول الخليج: بقاء النظام الإيراني. وقد شكّل هذا التصوّر سياستها منذ بداية الحرب. تصرفت هذه الدول بحذر، مُتجنبةً اتخاذ خطوات لا رجعة فيها، ومحتفظةً بقدرتها على إنكار أفعالها. سعت بالدرجة الأولى إلى تجنب قطع العلاقات مع طهران، مُدركةً أنها ستضطر إلى مواصلة التعايش مع إيران، وربما بشكل أكثر خطورة، بعد انتهاء القتال. ففي رأيها، لم يكن ردّها العسكري العلني على إيران ليوقف الهجمات، ولا ليحقق أي إنجاز عسكري حقيقي، والأهم من ذلك، أنه كان سيزيد من حدة الرد الإيراني ضدها، ويُعرّضها لخطر العودة مستقبلا إلى سياسة الانفراج معها.
ثالثا، حققت إيران مكاسب في الحرب: من المرجح أن يتعاظم تصوّر التهديد الإيراني لدى دول الخليج، نظرا لصمودها حتى بعد مواجهة كبيرة مع أقوى قوة عسكرية في العالم، الولايات المتحدة، وإسرائيل. فمن وجهة نظرهم، أثبتت إيران تفوقها العسكري غير المتكافئ في الخليج، وستبقى سلاحا موجها ضدهم حتى بعد انتهاء الحرب. لقد حددت إيران نقطة ضعفهم، ومن المُرجّح أن تستغلها في المستقبل: سيتعزز في الخليج الاعتقاد بأن الهجوم الإيراني على اقتصاد الطاقة هو ما أدى إلى تراجع الرئيس ترامب، الذي كان يخشى أن تطول الحرب وتتعقد.
رابعا، لا تكمن نقطة الضعف بالضرورة في مضيق هرمز: ثبت أن مضيق هرمز يُعدّ بالفعل نقطة اختناق حيوية، لكن تأثير إغلاقه قد يكون مؤقتا – فبمجرد رفع الحصار، سواءً كان ذلك بعمل عسكري أو غيره، ستتعافى الأسواق تدريجيا. من جهة أخرى، فإن الهجوم الإيراني على البنية التحتية للطاقة في دول الخليج، له تداعيات أعمق وأكثر ديمومة على سوق الطاقة العالمي.
خامسا، الخليج العربي ليس كيانا واحدا: أظهرت الحرب مدى وجود خلافات جوهرية بين دول الخليج الست بشأن المسار الأمثل للعمل ضد إيران، وبشأن الحملة وأهدافها ومدتها. فقد مثّلت عُمان والسعودية موقفا أكثر تصالحا وحذرا طوال فترة الحرب، بينما اتخذت الإمارات العربية المتحدة نهجا أكثر حزما نسبيا. وقد صعّبت هذه الخلافات صياغة سياسة خليجية موحدة، وقوّضت القدرة على عزل إيران واكتساب الشرعية للتحركات ضدها.
سادسا، تناقض الموقف تجاه إسرائيل: في نظر الكثيرين في الخليج، أظهرت إسرائيل قدرات عسكرية مُبهرة قد تُشكّل أرضية خصبة لتعميق التعاون – الهادئ – القائم معها. إلاّ أن دولا أخرى في الخليج ترى في إسرائيل قوة عسكرية جّبارة وغير مُنضبطة، ما قد يُشكّل تهديدا لها في بعض النواحي. هذا بالإضافة إلى الخلافات القائمة بين بعض هذه الدول وإسرائيل بشأن القضية الفلسطينية، الأمر الذي سيزيد من صعوبة بدء عملية التطبيع.
سابعا، النظرة إلى ما بعد الحرب: مع انتهاء الحرب، يُتوقع أن تُعيد دول الخليج النظر في مفهومها الأمني الشامل وتُجري عليه تغييرات جوهرية. يأتي هذا في ظل خيبة أملها من نتائج اعتمادها شبه الكامل على الولايات المتحدة في الردع والدفاع. فحتى التحالفات التي أبرمتها مع باكستان وتركيا لم تُوقف العدوان الإيراني. والنتيجة: قد يخلص بعضها إلى ضرورة تعزيز استقلاليتها، بل واكتساب قدرات ردع غير تقليدية.
الحرب تتجه نحو الكارثة..
آفي كالو
لا تزال حرب الخليج عام 1991، محفورة في الذاكرة بصورة طائر الغاق الأسود الكئيب المغطى بالنفط الخام الكثيف، وهو يكافح من أجل البقاء في مياه الخليج العربي العكرة. كانت هذه الكارثة البيئية نتاج سياسة “الأرض المحروقة” التي انتهجها الدكتاتور صدام حسين، الذي أحرق مئات آبار النفط في محاولة بدت ناجحة لوقف تقدم التحالف الدولي في الصحاري العراقية.
بعد 35 عاما، تعود أهوال نهاية العالم الآن. ردا على الهزائم في ساحة المعركة، تُفعّل إيران إحدى آخر أدواتها غير المتكافئة في ترسانتها: محاولة إغلاق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم من خلال تعطيل طرق التجارة وإلحاق دمار بيئي بجيرانها في الخليج. يُصعّد الحرس الثوري مرة أخرى من حدة التهديد: أي صراع مسلح مع إيران ليس صراعا إقليميا فحسب، بل له عواقب عالمية، بما في ذلك تدمير الموارد الطبيعية المشتركة للبشرية جمعاء.
على أرض الواقع، وبينما تبدو الأهداف العسكرية للحملة (مثل إضعاف القدرات العسكرية والصواريخ وتدمير المنشآت النووية) في متناول اليد، يبقى الهدف الاستراتيجي الأسمى بعيد المنال: انهيار النظام واستخراج مخزون اليورانيوم في البلاد. لقد أثبت التاريخ مرارا وتكرارا أن القوة، مهما بلغت دقتها، لا تضمن التحول السياسي. قد يكون النظام الجريح، وإن كان لا يزال قائما، والذي يسيطر على مضيق هرمز ويحتفظ بمخزون نووي في موقع محصن، أكثر خطورة من أي وقت مضى. وهذا ينطبق بشكل خاص على مكان تلاشى فيه حق النقض الذي كان يتمتع به المرشد الراحل خامنئي على إنتاج الأسلحة النووية باغتياله، وبات الدعم الأيديولوجي لهذه المسألة مسجلا بالفعل بين “علماء الدين”. وفي هذا السيناريو، فغن إنجازا لا يؤدي إلى تغيير بالنظام، قد يعطي طهران، وبشكل ينطوي على مفارقة، الخيار الأفضل: عقيدة بقاء نووية تُبقي الاقتصاد العالمي رهينة.
في ظل غياب الاستيلاء على مخزون اليورانيوم، يواجه الرئيس ترامب ثلاثة مسارات رئيسية لإنهاء الحملة. المسار الأول والأكثر طموحا، يتمثل في انهيار النظام واستبدال القيادة في طهران بكيان أكثر اعتدالا وبراغماتية، وهو أمر يبدو مستبعدا في الوقت الراهن.
والمسار الثاني، يقترح حلا دبلوماسيا قسريا يسعى إلى تحقيق استقرار طويل الأمد في صورة اتفاق نووي، والذي من شأنه، في سيناريو متفائل، أن يضمن تفكيك القدرات النووية ووقف برنامج الأسلحة النووية، وفي سيناريو متشائم، أن يقتصر على تقييد تخصيب اليورانيوم فقط.
ويتمثل المسار الثالث، في إنهاء الحملة دون اتفاق، مع فرض الولايات المتحدة “قواعد صارمة” للعبة، بحيث يؤدي أي انحراف عن الخطوط الحمراء – فيما يتعلق بالتخصيب أو التسلح أو تطوير الصواريخ – إلى رد عسكري. لكن توجد هنا ثمة مشكلة: فالحفاظ على تهديد عسكري ذي مصداقية على المدى الطويل، وهو ما يتطلب موارد ضخمة، من شأنه أن يثير معارضة في واشنطن، ومن الواضح أن الرئيس يحاول بالفعل تقليل الخسائر في تصريحاته الأخيرة حول مفاوضات ظاهرية مع ايران.
عمليا، يشوب تخطيط الحملة خللٌ يتمثل في “الإدارة التفصيلية” للحرب. صحيح أن تصفية كبار المسؤولين وتدمير البنية التحتية إنجازات تكتيكية مُبهرة، لكنها قد لا تكون كافية. فبدون خطة لما بعد الحرب، يُملأ أي فراغ ينشأ في قمة النظام بعناصر أكثر تشددا، لدرجة أن الواقع الصعب على الأرض، قد يدفع آيات الله، إلى زاوية يصبح فيها التطرف مفتاح البقاء، وهو ما يجعل فرصة الدبلوماسية الواقعية مستحيلة.
يتجلى غياب التفكير المنهجي في رسائل الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو، الذي بات يُشبه صديقه من البيت الأبيض، إذ يتصرفان بدافع نزوة عابرة ويتخليان عن التخطيط طويل الأمد والمدروس والمتوازن. وهكذا، فإن الجمع بين قوة عسكرية غير مسبوقة وفراغ بنيوي، يُنذر بعجز استراتيجي حاد في نهاية الحملة. ولتغيير وجه المنطقة، يتعين على إسرائيل والولايات المتحدة التوقف عن التساؤل “كيف نهاجم..؟” والتساؤل “إلى أين نقود..؟”. فبدون إجابة على السؤال الثاني، قد تتحول إنجازات اليوم إلى كارثة في الغد.