مقالات رأي

شراكة الصين وروسيا الاستراتيجية في وجه القطب الأوحد أمريكا….

 

د. عدنان منصور

خلال أسبوع واحد استقبل الزعيم الصيني شي جين بينغ، الرئيسين الأميركي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين، بفاصل أربعة أيام عن زيارة ترامب بين 13 و15 أيار/ مايو، وزيارة بوتين بين 19 و20 أيار/ مايو 2026. زيارة ترامب للصين هي ثاني زيارة دولة يقوم بها بعد ثماني سنوات ونصف من ولايته الأولى في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.
ثلاثة رؤساء كبار يمسكون بزمام العالم ومفاصله، يرسمون سياسته ويديرونه وفق مصالحهم السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية. إلا أنّ زيارة بوتين للصين، تتميّز عن زيارة ترامب، من حيث مضمونها، وطعمها، ونكهتها، وحرارتها، ونتائجها.
زيارة ترامب، هي زيارة منافس لدود يحمل وراءه سلسلة من الرسوم الجمركية سبق أن فرضها على الصين، والتي وترت العلاقات مع بكين، وألحقت الضرر بالبلدين معاً، فيما بوتين أتى إلى الصين كحليف استراتيجي، وشريك صادق موثوق منها. هنا نجد في العمق أنّ علاقات بكين مع واشنطن، ليست كعلاقاتها مع موسكو. لذلك تختلف نتائج الزيارتين من حيث أهدافهما ومضامينهما، ونتائجهما، التي توصلت إليها بكين مع كلّ من واشنطن وموسكو.
تعرف الصين جيداً، أنّ الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، أشعلها ترامب في 22 آذار/ مارس 2018، بعد أن قرّر فرض رسوم جمركية على سلع صينية تبلغ قيمتها 50 مليار دولار، بهدف إجبارها على إجراء تغييرات تتعلق بـ “الممارسات التجارية غير العادلة للصين”، وسرق الملكية الفكرية، حسب زعمه.
زيارة ترامب أتت بعد سنوات من التوتر في العلاقات بين بكين وواشنطن، نتيجة الحرب التجارية، والخلاف حول تايوان، ورفع الرسوم الجمركية، وفرض القيود التكنولوجية على تصدير الرقائق المتقدّمة للصين، لعرقلة تطورها وتقدّمها الصناعي والتكنولوجي. كما توسّع الخلاف ليشمل جنوب بحر الصين، والتحالفات العسكرية في شرق آسيا، (حلف الأوكوس AUKUS)، الذي يضمّ أستراليا، والولايات المتحدة وبريطانيا، وأيضاً الوجود العسكري الأميركي قرب الصين، وقيام أميركا بدعم تايوان، وتأييد مطالبها في الانفصال عن الصين، مع ما رافق هذا السلوك من تصعيد اللهجة الكلامية لترامب من آن إلى آخر باتجاه الصين!
كان من الطبيعي أن لا تحلّ زيارة ترامب هذه المسائل الحساسة دفعة واحدة، نظراً للخلافات الجوهرية بين الولايات المتحدة والصين حولها، لذلك كانت نتائج الزيارة بمثابة “إدارة التنافس” بين البلدين، وتخفيف حدة التوتر، وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
الزيارة لم تحقق اختراقات كبيرة في الملفات الأكثر حساسية وسخونة، وإنْ مهّدت لحالة من التهدئة السياسية، وإعادة فتح قنوات حوار بين القوتين العظميين. ما أسفرت عنه مباحثات ترامب مع شي جين بينغ، إنشاء مجلس تجارة، ومجلس استثمار بين البلدين، الهدف منهما، مناقشة الرسوم الجمركية، والقيود التجارية، وتسهيل الاستثمارات والتبادل التجاري بين البلدين. إلا أنّ هذه المجالس لا تزال في بدايتها، وتحتاج إلى المزيد من الدرس والتفاصيل. إذ في الوقت الذي أعلن فيه ترامب، أنّ الصين ستزيد من مشترياتها للمنتجات الزراعية الأميركية، وستقوم بشراء طائرات البوينغ وستخفف بعض القيود التجارية، فإنّ الصين لم تؤكد ذلك، بل وصفت الاتفاقات على أنها مبدئية، وأنّ الجانبين اتفقا على إنشاء قنوات اتصال تتعلق بأمن الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح جزءاً من التنافس الاستراتيجي العالمي.
الحرب التجارية التي أشعلها ترامب لم تحقق مبتغاها بالكامل للولايات المتحدة، على اعتبار أنّ حرب الرسوم الجمركيّة لم تلحق أضراراً اقتصادية بالغة بالصين وحدها، وإنما أيضاً بالولايات المتحدة وبدول العالم على السواء.
الخلاف الجوهريّ بين الولايات المتحدة والصين، يبقى على حاله في ما يتعلق بتايوان، والحرب على إيران، ومضيق هرمز. الصين ترفض الحرب الأميركية على إيران، وترفض بكلّ قوة استفزاز واشنطن، ودعمها السياسي والأمني والعسكري لتايوان، واستقلالها، التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها. بل إنّ الرئيس جين بينغ حذّر الرئيس ترامب بشكل مبطن وصريح، وبلغة دبلوماسية صارمة، إذا حاولت الولايات المتحدة تجاوز “الخطوط الحمراء”.
ترامب الذي أراد ترويج وجود تفاهم مع الصين، يرمي إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، إلا أنّ الصين لم تؤيّد ولم تعطِ التزاماً بمساعدة واشنطن ضدّ طهران، ولم تؤكد المزاعم الأميركية في هذا الشأن، ولم تشِر إليها.
في الصين لا يستطيع الطاووس الأميركي، وهو في حضرة دولة عظمى، أن ينفش ريشه، كما تعوّد أن يفعل في دول يزورها، ينتف ريشها، ومالها وكرامتها وهي راضية! ها هو ترامب أمام دولة عظمى، خطّط لها زعيمها شي جين بينغ، كي تحتفل الصين في مئوية تأسيس جمهوريتها عام 2049، وهي في صدارة العالم. على خلاف زيارة ترامب، أتت زيارة الرئيس فلاديمير بوتين للصين، تحمل دفئاً متميّزاً في علاقات البلدين، وتتزامن مع مرور 30 عاماً من معاهدة “تطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين”، ولتؤكد أنّ الصين وروسيا لا تزالان شريكين استراتيجيين رغم محاولات الغرب للفصل بينهما. زيارة بوتين للصين، توجّه رسالة للدول الأوروبية، من أنّ روسيا تمتلك خطوطاً جديدة، وبدائل اقتصادية وتقنية، وتجارية، وطاقوية، ومالية، تمتصّ وتتجاوز العقوبات الاقتصادية الأوروبية والغربية المفروضة عليها، وأنّ بكين وموسكو مصمّمتان على إقامة نظام دولي متعدّد الأقطاب، يوطد من جديد الأسس السليمة للعلاقات الدولية، إذ أنّ الوضع العالمي كما يراه الرئيسان، يزداد تعقيداً في ظلّ تزايد النزعات الاستعمارية الجديدة السلبية وسياسة التكتلات المتصارعة مما يستدعي تشكيل جبهة عالمية واسعة لتحقيق التوازن الدولي ودعمه. جين بينغ وبوتين أعربا عن رفضهما للضغوط، وللعقوبات الغربية، وأدانا حظر ومصادرة أصول وممتلكات الدول الأجنبية. كما اتفقا على تعزيز آليات التعاون في المجال الأمني والعسكري، وعلى التصدّي المشترك للتحدّيات والتهديدات، وعلى معارضتهما استخدام مبادئ حقوق الإنسان كذريعة للتدخل في شؤون الدول، واعتبرا أنّ مشروع القبة الذهبية الأميركيّ له تأثيره السلبي الخطير على الأمن الدولي.
البيان المشترك دعا أيضاً واشنطن للعمل بحسن نيّة لخلق ظروف مؤاتية للاستقرار الاستراتيجي، ورأى أنّ الضربات العسكرية الأميركيّة الإسرائيليّة ضدّ إيران، هي انتهاك للقانون الدولي وتقويض للاستقرار، وطالب أطراف النزاع للتفاوض، وبوقف دائم لإطلاق النار في غزة. اعتبر الرئيسان أنّ السياسة الأميركية غير المسؤولة، لم تسمح بالحفاظ على إرث معاهدة “ستارت الجديدة”، وأنّ إعادة تسليح اليابان يهدّد السلام في المنطقة. لقد توّجت زيارة بوتين للصين، بتوقيع 40 اتفاقية تناولت العديد من المشاريع في قطاعات الطاقة، والفضاء، والتجارة، والعمل والبنى التحتية وغيرها.
خلال السنوات الأخيرة، وبعد بدء العمليات العسكرية في أوكرانيا عام 2022، وتوقف أوروبا عن شراء الغاز والنفط من روسيا، زادت الصين من مشترياتها من النفط والغاز والسلع والمواد الأخرى من روسيا، مما رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين، ليصل عام 2025 إلى 244 مليار دولار، وليتجاوز اليوم حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي وروسيا الذي بلغ عام 2021 قبل بداية الحرب الأوكرانية 257 مليار يورو، ثم هبط نتيجة العقوبات ليصل عام 2025 إلى 33.7 مليار يورو. بذلك كانت الصين الرافعة، والشريك الحيوي والمؤثر الذي ملأ الفجوة نتيجة تراجع التبادل التجاري بين روسيا والاتحاد الأوروبي. إنّ تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين ستؤسّس ولا شك، لعالم جديد تشهد فيه شعوبه بداية تراجع الأحادية القطبية، وستضع حداً لهيمنة واشنطن وتسلّطها، وتجاوزها، وخرقها من حين إلى آخر مبادئ الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وحقوق شعوبه.
مع وجود قوى عالمية عظمى صاعدة، وقوة أحادية عظمى حاكمة، لا تستطيع القوة الحاكمة أن تستمر بنهجها المتسلط إلى أمد طويل، وهي أمام قوى عظمى يتعزّز حضورها وقوّتها وتأثيرها عاماً بعد عام، مما يجعل تنحي الدولة العظمى الأحادية أمراً حتمياً، وليس بالاختيار كما تصوّر يوماً الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون. هذا ما تعمل عليه اليوم الصين وروسيا من خلال تحالفهما وسياساتهما الاستراتيجية، وبالشراكة مع القوى الإقليمية الكبرى في العالم، الرافضة بدورها للقطب الأوحد، الذي يعبث ويتدخل في شؤون الدول ويتحكّم بقراراتها، ويقرّر مصير شعوبها، عن طريق التهديد، والضغوط، وفرض العقوبات الجائرة، واللجوء إلى استخدام القوة متى أراد

وزير الخارجيّة والمغتربين الأسبق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى