مقالات رأي

قراءة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان “هل فعلا انتهت الحرب؟!”

تأتي هذه الحلقة لتفكّك إعلان انتهاء الحرب وسيناريوهاته المحتملة في عقل “السمسار” وإدارته، لا بوصفه قراراً سيادياً خالصاً بل كإعلان بلا مستند في الواقع . في هذه القراءة، يتعامل عوض مع التصريح كغطاء تمهيدي للمرحلة الأخطر، حيث تُنقل المعركة من مستوى الاشتباك المباشر إلى فضاء الحصار والتجويع . ما يُعلن كنهاية، يُعاد تعريفه ميدانياً كمرحلة انتقالية: خفض كثافة النيران، تثبيت خطوط تماس مرنة، والإبقاء على الجاهزية القتالية في أعلى مستوياتها.

ضمن هذا الإطار، تدخل القيادة في نمط إدارة معركة مركّبة: إعادة انتشار تكتيكي للقوات دون تفكيك البنية الضاربة، تفعيل أدوات الضغط غير المباشر (اقتصادي/بحري/استخباري)، وفتح مسارات اشتباك بديلة أقل كلفة وأكثر قابلية للإنكار. الهدف ليس الانسحاب من مسرح العمليات، بل إعادة تشكيله بما يسمح بالتحكم بمفاتيح التصعيد وخفضه وفق مقتضيات اللحظة.

كما تفترض هذه المقاربة وجود نية مبيّتة لإعادة تدوير الاشتباك عبر خلق “حادث مُولِّد” يبرّر استئناف العمليات تحت عنوان جديد يبني ترمب على أن إيران ستتخذه ردا على الحصار. وعليه، تُدار المرحلة بمنطق الكمون العملياتي: قوات في وضع استعداد، نيران مؤجلة، واستطلاع مستمر بانتظار فرصة حاسمة. في الخلاصة، الإعلان ليس إقفالاً للمعركة، بل أمر عمليات غير مُعلن ينقلها من حرب صريحة إلى مستويات أشد خطرا وإيلاما على الشعب الإيراني.

أولاً: تفكيك إعلان “انتهاء الحرب” — بين الخطاب السياسي والواقع الميداني
ينطلق عوض من نقطة مفصلية: إعلان مسؤول كبير في البيت الأبيض “انتهاء الحرب”. لكنه لا يتعامل مع هذا الإعلان كحقيقة، بل كأداة سياسية ضمن إدارة الصراع. في التحليل الاستراتيجي، لا تُقاس نهاية الحروب بالتصريحات، بل بثلاثة مؤشرات حاسمة: انسحاب القوات، تثبيت اتفاق رسمي، وتوقف العمليات القتالية فعلياً. وهذه، بحسب طرحه، لم تتحقق.
يقدّم عوض قراءة لطبيعة القرار في إدارة يقودها دونالد ترامب، حيث يتم تسييل النصوص القانونية لصالح القرار السياسي. فإعلان وقف إطلاق النار يُعاد تعريفه كـ”نهاية حرب” لتفادي القيود الدستورية، خصوصاً مهلة الـ60 يوماً التي تُلزم الرئيس بالعودة إلى الكونغرس. بهذه المناورة، يتحول الإعلان إلى أداة التفاف دستوري تمنح الإدارة حرية إعادة إشعال الحرب لاحقاً تحت مسمى “حرب جديدة”.
هذه المناورة لا تُنهي الصراع، بل تعيد ترميزه قانونياً: إغلاق جولة وفتح قابلية لجولة لاحقة تُعرَّف كـ“حرب جديدة”، ما يمنح السلطة التنفيذية هامش حركة أوسع ويؤجل لحظة المساءلة. بذلك، يتحول الإعلان إلى أداة التفاف دستوري تُبقي زمام المبادرة بيد الرئيس، مع الحفاظ على خيار التصعيد عند الحاجة.
الأهم في هذا التحليل أن “التهدئة” ليست نقيض الحرب، بل طورٌ من أطوارها. فبقاء الحشود، واستمرار الجاهزية، وغياب الترتيبات الضامنة، كلها مؤشرات على أن البيئة العملياتية لم تُغلق بل أُعيد ضبطها على منسوب أقل ضجيجاً وأكثر قابلية للاستدامة. وعليه، ما نشهده ليس نهاية حرب بقدر ما هو تحويل في شكلها: انتقال من مواجهة معلنة إلى حالة “لا حرب/لا سلم”، تُدار عبر أدوات مركّبة—ضغط اقتصادي، رسائل ردع، اشتباكات محدودة—بما يسمح بإطالة أمد الصراع وتقليل كلفته المباشرة مع الحفاظ على إمكان الانفجار عند لحظة محسوبة.

ثانيًا: مناورة الستين يوماً — كيف يُعاد تدوير الحرب دستورياً

في هذا السياق، يقدّم ميخائيل عوض قراءة حادّة لإعلان “انتهاء الحرب” بوصفه هروباً استراتيجياً محسوباً من مأزق المهلة الدستورية التي تقيّد الرئيس الأمريكي خلال ستين يوماً من خوض العمليات دون تفويض الكونغرس. فبدلاً من الوصول إلى لحظة المساءلة، يجري—وفق هذا الطرح—إغلاق الجولة شكلياً عبر إعلان النهاية، بما يمنع تفعيل آليات الرقابة ويُسقط الحاجة إلى تبرير الاستمرار أو مثول الرئيس أمام الكونغرس لتقديم تقرير عن الحرب. هنا، لا يكون الإعلان تعبيراً عن نهاية فعلية، بل أداة لإعادة ضبط الساعة الدستورية.

لكن المناورة لا تتوقف عند هذا الحد بحسب عوض فهناك ما يشبه “فخ الثلاثين يوماً” المرتبط بمرحلة سحب القوات، حيث يُفترض أن تدخل العمليات في طور الانكفاء، بينما تبقى القدرات والحشود في حالة جهوزية تسمح بعمل عسكري خاطف. هذا الفراغ الزمني بين “إعلان النهاية” و”الانسحاب الفعلي” يتحول إلى نافذة تكتيكية يمكن استثمارها لتوجيه ضربات سريعة دون كلفة إعلان حرب جديدة.

الأهم في تحليل عوض هو ما يلي هذه المرحلة: إعادة إنتاج الحرب تحت مسمى مختلف. فبعد إقفال الجولة الأولى دستورياً، يصبح بالإمكان إطلاق جولة ثانية تُقدَّم كحرب “جديدة” لها مبرراتها وسياقها الخاص، وبالتالي تبدأ مهلة ستين يوماً جديدة. وهنا يظهر جوهر الخطة: ليس إنهاء الحرب، بل إعادة تدويرها قانونياً للحفاظ على حرية القرار التنفيذي.

ضمن هذا الإطار، يربط عوض هذه المناورة برهان مركزي يبدو أن ترمب يراهن عليه وهو استدراج رد فعل إيراني على الحصار البحري وتشديده. فإذا أقدمت طهران على عمل عسكري ردا” على الحصار البحري الأمريكي —حتى لو كان محدوداً—يمكن تقديمه كذريعة لإطلاق الجولة الجديدة، بما يمنح الإدارة مبرراً سياسياً وقانونياً لتوسيع العمليات. وعليه، يتحول الحصار من أداة ضغط إلى أداة استفزاز محسوب، هدفها إنتاج لحظة اشتباك تعيد شرعنة الحرب.

بهذا المعنى إذن، لا يُقرأ إعلان “انتهاء الحرب” كنقطة ختام، بل كجزء من تكتيك مرحلي لإدارة الزمن الدستوري وإعادة فتح الصراع بشروط أكثر ملاءمة.

ثالثًا: رهان الحصار — لماذا لن تسقط إيران بالعقوبات أو الحصار؟

في هذا المحور، يفكك عوض إحدى أكثر الفرضيات رسوخاً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي: أن الحصار الاقتصادي قادر، بمرور الوقت، على إسقاط الأنظمة السياسية. يعارض هذا الطرح عبر قراءة تاريخية مقارنة تُظهر أن العقوبات، مهما اشتدت، لم تكن في أي من الحالات الكبرى أداة حسم، بل وسيلة ضغط طويلة الأمد تُضعف المجتمعات أكثر مما تُسقط الدول. من العراق إلى سوريا وليبيا وكوبا والسودان ، يتكرر النمط ذاته: السلطة تبقى، بينما يُعاد تشكيل الاقتصاد ويُستنزف المجتمع، ولا يحدث التغيير الجذري إلا عند إدخال عامل خارجي حاسم كالتدخل العسكري المباشر أو الانفجار الداخلي العنيف.

في الحالة الإيرانية، يذهب عوض أبعد من مجرد التشكيك في فعالية الحصار، ليعتبر أن الرهان عليه يعاني من خلل بنيوي في تقدير طبيعة الدولة والمجتمع. فإيران، كما يطرح، ليست اقتصاداً هشّاً تابعاً، بل منظومة متكيفة تاريخياً مع الضغط. بنيتها المجتمعية تقوم على تماسك أيديولوجي يمنحها قدرة استثنائية على تحمّل الكلفة، حيث تتحول العقوبات من عامل تفكيك إلى عنصر تعبئة داخلية. إلى جانب ذلك، يمتلك الاقتصاد الإيراني مرونة عالية عبر الاكتفاء النسبي، وتطوير قنوات التفاف تجارية ومالية، وبناء اقتصاد موازٍ يحدّ من أثر العزلة. أما الجغرافيا، فهي عنصر حاسم: دولة بمساحة قارية وعمق استراتيجي كبير لا يمكن خنقها بسهولة عبر أدوات الحصار التقليدية.

ويضيف عوض عاملاً بالغ الأهمية يتمثل في الخبرة التراكمية مع العقوبات منذ انتصار الثورة الإيرانية، حيث تحولت الضغوط إلى محفّز لإعادة هيكلة الدولة وتعزيز قدراتها الذاتية في مجالات الإنتاج والتكنولوجيا والإدارة. هذه التجربة أنتجت مؤسسات وآليات امتصاص للصدمات تجعل من الحصار تحدياً يمكن التكيّف معه، لا تهديداً وجودياً.

بناءً على ذلك، يعيد عوض تعريف وظيفة الحصار في الاستراتيجية الأمريكية: ليس كأداة لإسقاط النظام، بل كـأداة استنزاف مركّبة تهدف إلى رفع كلفة السياسات الإيرانية، وإبطاء نموها، وخلق بيئة ضغط مستمر قد تدفعها إلى ارتكاب رد فعل محسوب أو غير محسوب. وهنا يكمن جوهر الرهان الحقيقي: ليس تحقيق الانهيار من الداخل، بل استدراج ردّ يُستخدم ذريعة لإعادة إنتاج الحرب بشروط جديدة. وهنا يكمن جوهر الرهان الأمريكي: استفزاز الرد لا تحقيق الانهيار.

رابعًا: تفرد النموذج الإيراني — هندسة دستورية مقابل براغماتية أمريكية
في محور لافت، يقارن عوض بين بنية النظام الإيراني كما صاغها روح الله الخميني وبين النموذج الأمريكي. يصف النظام الإيراني بأنه تركيبة هجينة ذكية تجمع بين:
تعدد التيارات السياسية (إصلاحي/محافظ) ضمن إطار النظام.
تجديد دوري للنخب عبر انتخابات منتظمة.
مرجعية عليا حاكمة (ولاية الفقيه) تحسم التناقضات وتمنع الانهيار.
هذه البنية، بحسب التحليل، تخلق ديناميكية داخلية مضبوطة: صراع سياسي دون تهديد وجودي للنظام. وهي ميزة نادرة في أنظمة المنطقة التي غالباً ما تتجه إلى الجمود أو الانفجار.
هذه الهندسة الذكية تمنح النظام الإيراني وفق عوض خاصية نادرة: المرونة من داخل الاستقرار. فبدلاً من أن تؤدي الضغوط الخارجية إلى تفجير التناقضات، يجري امتصاصها وإعادة تدويرها داخل المؤسسات، بما يحولها إلى طاقة إعادة تكيّف. بهذا المعنى، يصبح التعدد المنضبط مصدر قوة، لأنه يسمح بتبديل السياسات والوجوه دون المساس بجوهر النظام. هي ديناميكية داخلية مضبوطة: صراع مستمر، لكن دون انزلاق إلى تفكك بنيوي أو انهيار سياسي.
في المقابل، يقدّم عوض النموذج الأمريكي كحالة تقوم على براغماتية مؤسساتية عالية، حيث يُعاد تشكيل الجهاز التنفيذي بشكل واسع مع كل دورة انتخابية، ويتم استبدال آلاف المسؤولين، ما يوفّر قدرة كبيرة على التكيّف السريع مع المتغيرات. غير أن هذه المرونة محكومة بشبكة معقّدة من مراكز القوة—الكونغرس، القضاء، والمؤسسة العسكرية—التي تفرض توازناً دقيقاً بين القرار والتنفيذ. إلا أن الإشكالية، كما يشير عوض، تظهر عندما تميل القيادة السياسية، كما في تجربة دونالد ترامب، إلى تخصيص القرار وإعادة تفسير القواعد، ما يخلق توتراً بين النص الدستوري والممارسة الفعلية، ويحوّل المرونة إلى ساحة صراع داخلي بين المؤسسات.
من هنا، لا يسعى عوض إلى المفاضلة بين النموذجين، بل إلى استخلاص قاعدة استراتيجية أوسع: ليست قوة النظام في صلابته، بل في قدرته على إدارة تناقضاته دون أن تنفجر. فالأنظمة التي تنجح في استيعاب الاختلاف داخل بنيتها، وتوفّر آليات تجديد مستمر مع وجود مرجعية حاسمة، تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية. وهذا، في جوهره، ما يفسّر—وفق هذا الطرح—قدرة إيران على التماسك تحت ضغط الحصار، حيث يتحول التحدي الخارجي إلى عنصر يعزّز التماسك الداخلي بدل أن يقوّضه.

خاتمة
في المحصلة، يقودنا تحليل عوض إلى إعادة صياغة فهمنا لمفهوم “نهاية الحرب”. فالحروب الحديثة لا تنتهي بقرار، بل تتحوّل: من مواجهة عسكرية مفتوحة إلى صراع منخفض الحدة، ومن صدام مباشر إلى استنزاف اقتصادي، ومن معركة ميدانية إلى إدارة طويلة الأمد للضغوط والتوازنات. إعلان النهاية، في هذا السياق، قد يكون مجرد إعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى كسب الوقت، أو تجاوز قيود قانونية، أو إعادة ترتيب أدوات الصراع.
كما يكشف التحليل أن الرهان على الحصار كأداة إسقاط هو رهان محدود الفعالية، إذ أثبتت التجارب أن الأنظمة لا تسقط بالعقوبات بقدر ما تتكيّف معها، بينما تتحمل المجتمعات الكلفة الأكبر. وهنا يبرز العامل الأكثر حسماً: بنية النظام الداخلي. فالقدرة على إدارة التناقضات، وتجديد النخب، والحفاظ على مرجعية حاكمة، تشكل عناصر جوهرية في الصمود تحت الضغط الخارجي.
بناءً على ذلك، فإن المشهد الراهن لا يمكن قراءته بمنطق “حرب انتهت” أو “حرب مستمرة” فقط، بل ضمن معادلة أكثر تعقيداً:
صراع مفتوح يتبدّل شكله باستمرار، حيث لا يُحسم بالنصر السريع، بل بامتلاك النفس الأطول والقدرة الأعلى على التكيّف وإدارة الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى