مقالات رأي

أَهلُ الفكر عندما يُصبحُون دُعاة تكفير! (٣)  

ردٌّ على أَكاذيب الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم

وافتراءَاتها الباطلة على الدكتور داهش وأَدبه وفكره

الجزء الثالث

*ماجد مهدي

في مطلع مقالتها المُبتذَلة التي نشرَتها على موقع “الأَنطولوجيا” الأَدبيّ، بتاريخ السادس من مارس (آذار) ٢٠٢٣، تحت عنوان “العقيدةُ الداهشيَّة… دعوةٌ للكفر”، ذكرَت الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم اسم سليم العشِّي، المعروف بالدكتور داهش، أَوَّل ما ذكرَتْه، مُرفَقًا بالإشارة إلى الدِّين الذي وُلدَ فيه ونشأَ عليه، قائلةً إنَّ الدكتور سامح الجبَّاس، مؤلِّف رواية “رابطة كارهي سليم العشِّي” قد “زجَّ فيها أَسماءَ بعض النُّخب الفنِّيَّة والأَدبيَّة والفكريَّة والسياسيَّة والدينيَّة في مصر الذين اعتنقوا الداهشيَّة منذ أَن تواصلوا مع سليم العشِّي ذي الأُصول المسيحيَّة، والذي سُمِّيَ بعد ذلك بداهش”. والحقّ أَنَّه لم يكنْ ثَمَّة ما يستدعي الإشارة، في سياق هذا النصّ، إلى الدِّين الذي وُلد الدكتور داهش فيه ونشأَ عليه، الأَمر الذي يدلُّ على أَنَّ الكاتبة تنظرُ إلى الآخرين بمنظار التعصُّب الدينيّ، وتُطلقُ أَحكامها النقديَّة عليهم من خلال الأَديان والمذاهب التي ينتمون إليها. ومِثلُ هذا التصرُّف يَصدرُ عن كاتبةٍ وناقدةٍ أُوكلَت إليها مَهمَّةُ النظر في نتاج الأَدب والفكر هو تصرُّفٌ مَعيبٌ للغاية، إذْ إنَّ من واجبها أَن تحترمَ حرِّيَّة الدِّين والمُعتقد والرأْي والتعبير في كلِّ نقاشٍ فكريٍّ تُقدِمُ عليه.

 

بعد ذلك، راحت الكاتبة في المقالة نفسها توجِّهُ اتِّهاماتٍ باطلة للدكتور داهش بلغَت، في مُجملها، حدَّ الكبائر، من غير أَن تُقدِّم دليلاً واحدًا على صحَّتها، على أَنَّ أَبرزها ما ادَّعَتْه بأَنَّ “العقيدة الداهشيَّة … دعوةٌ للكفر”. وجوابي على هذا الاتِّهام الكاذب هو أَنَّ الداهشيَّة قد استمدَّت مبادئها الروحيَّة من مَعين الإيمان الصحيح باللَّه الذي كان يَعمُرُ قلب الدكتور داهش منذ فُتُوَّته الحالمة، لا من أَفكار الفلاسفة المُلحِدين والمُشكِّكين. فقد كان اللَّهُ غايتَه الوحيدة في الحياة، وكان يرفعُ صلواته إليه بخشُوعٍ كلِّيّ، مُستَلهمًا منه القوَّة على السير في طريق الحقِّ والنور واليقين! وله في اللَّه جلَّت جلالتُه كلمةٌ جميلة قالها وهو في السابعة والعشرين من عمره، مُختصرًا بها نظرته إليه: “اللَّه! أَعذبُ كلمةٍ تَمْتمَتْ بها الشِّفاهُ بقُدسيَّةٍ وتبتُّل، وردَّدَتْها النفوس بضراعةٍ وخُشوع!

وقد كتَب في عظيمِ كَيْنُونَة اللَّه وجليل أَسرارِه وقُدسيَّتِه وعدالتِه وعطفِه ورحمتِه أَرقى الكلماتِ والعبارات وأَجملها، وذلك في قطعةٍ أَدبيَّةٍ بعنوان “اللَّه“، من كتابه “إبتهالاتٌ خشوعيَّة“، هذا بعضٌ مِمَّا جاءَ فيها: “اللَّه كلمةٌ رقيقةٌ، عذبةٌ، شفَّافةٌ، أَثيريَّةٌ، مُقدَّسة! كلمةٌ تلفظُها الشِّفاهُ برِعشةٍ وخشُوع! كلمةٌ تُردِّدُها القُلوبُ برَهْبةٍ وخُضُوع! كلمةٌ لا يُجاريها (الكوْثرُ) في عُذوبَتِه! كلمةٌ تَحوي سرَّ الحياة بأَكملها! كلمةٌ اختارَتها (القوَّةُ المُوجِدة) لتكونَ رَمزًا لها! كلمةٌ قاسية، ولكنَّها عطُوفة! كلمةٌ سماويَّة، ليست أَرضيَّة! كلمةٌ قُدسيَّةٌ، أَزليَّةٌ، سرمديَّةٌ، أَبديَّة! كلمةٌ تضمُّ في ثناياها أَسرار الأَبد وخفاياه! كلمةٌ مُنتَقمة، لكنَّها عادلة تَبعثُ على الاطمئنان! كلمةٌ هي البداية، وهي النهاية! نعم، يا لها من كلمةٍ عذبةٍ خالدة: اللَّه!..

وكان اللَّهُ حاضرًا على الدوام في روح الدكتور داهش وفكره وقلبه ووجدانه وخياله وقلمه وكتاباته! وللَّه وحدَه، دون سواه، كان يحيا كلَّ ثانيةٍ من ثواني العُمر! وإليه كان يرفعُ الابتهال تلو الابتهال، تسبيحًا بأُلوهيَّته، وابتغاءَ رحمته ورضوانه! هكذا بدَتْ حالُه في ابتهالٍ له بعنوان “ضراعةٌ لخالق البرايا“، من الكتاب نفسه “إبتهالاتٌ خشوعيَّة“، إذْ قال: “تباركَ اسمُكَ يا اللَّه! السماواتُ تُحدِّثُ بعجائبك، والكواكبُ تُنْبئُ عن صُنع يدَيك، والسُّدُمُ تُذيعُ أَخبارَ مُعجزاتك، والمجرَّاتُ تَنشُرُ أَنباءَ خوارقك، والأَشجارُ السامقة ترتعدُ من عظَمتك، فتلتجئُ لرحمتكَ الشاملة، والبحرُ الجبَّارُ الثائرُ المُتلاطمُ الأَمواج يخشعُ أَمام جبرُوتكَ العاصف، والعاصفةُ تنكفئُ وتستكينُ أَمام مهابتكَ الإلهيَّة، والصواعقُ تَصمتُ وتَخرسُ فلا يُسمَعُ لها رِكْزٌ أَو إيقاع، والزلازلُ تَنكمشُ على نفسها، فلا يُسمَعُ لها هَمْسةٌ أَو نأْمَة، والبُروقُ المُومضة يَخبُو بريقُها ويأْفُلُ نُورُها أَمام أَنواركَ العجيبة، والرُّعودُ القاصفة تُذعَرُ من بهائكَ وجلالك فتَلزمُ الصَّمتَ الأَبديّ، وأُسودُ الآجام ونُمورُ الآكام يَحلُّ بها الوجَلُ لخَشيتكَ السَّرمديَّة! إنَّ عظَمتكَ أَيُّها المُوجدُ لأَعجزُ من أَن يصفَها قلمي المسكين! إنَّ فلاسفةَ الأَرضِ وأُدباءَها وحُكماءَها وكُتَّابَها وفُصحاءَها لأَعجَزُ من أَن يستَطيعوا وصفَ عظيم جلالك، ورَوعة جَمالك، ولأْلاءِ بَهائك! أَيْ مُوجِدي ومُوجِدَ البرايا، معروفها ومَجهُولها، إنَّني أَضرعُ إليكَ بخُشوعٍ كُلِّيٍّ لكي تُقيلَني من عثَراتي الكثيرة، وتَغفرَ لي حُوْبي، وتَمحُو ذُنُوبي. فأَنا مخلوقٌ ضعيف، ولا رجاءَ لي إلاَّ بك، فرحمتُكَ وحنانُكَ يشملانَني، ويشملانِ الخلائقَ طُرًّا… آهِ! ما أَعظمَكَ أَيُّها المُهيمنُ الجبَّار! وما أَرحمكَ وأَعدلكَ بنا نحنُ أَبناءَ هذه الغَبْراءِ المساكين!

أَوَليس من العجب إذنْ أَن تنطق تلك الناقدة بمثل تلك الكِذْبة الوضيعة بحقِّ عقيدةٍ ينحني صاحبُها، وتنحني عقيدتُه وأَفكارُه وكلماتُه وعباراتُه وقلمُه وقراطيسُه بخشوعٍ كلِّيٍّ بين يدَي اللَّه، حُبًّا به، وتقديرًا لعظمَته وجبروته؟! أَوَليس في ابتداعها تلك الكِذبة دليلٌ قاطع على أَنَّها قد فقدَت ماءَ الحياء من وجهها، وفقدَت معه المصداقيَّة والمرؤة والرزانة والوقار والأَدب إلى حدٍّ باتَت معه، هي نفسها لا الدكتور داهش، رمزًا للضلالة والكُفر؟!

* * *

وتستفيضُ الكاتبة في إلصاق التُّهم بالدكتور داهش والداهشيِّين، فتقول: “إنَّ داهش الساحر ينفي عن القرآن تحديدًا أَنَّه وحيٌ من اللَّه، بمعنى أَنَّه يُقرُّ بخَلْق القرآن. والداهشيُّون يرفضون الوحيَ الإلهيّ..” هذه التُّهمة الظلاميَّة، على الرغم من رهَبُوتها، لا يمكنُها أَن تصمدَ في وجه القطع الأَدبيَّة الرائعة التي ضمَّنها الدكتور داهش كتابهُ “محمَّد سيِّدُ الخَلق“، والتي تُثبتُ بالدليل القاطع فظاعة الكَذِب الذي مارسَته تلك الكاتبة في مقالتها، وانحدار مستواها الأَدبيِّ والفكريّ إلى عُمق الهُوَّة! بل إنَّ بضع عباراتٍ من ذلك الكتاب تكفي لأَن تَعصفَ بأَكاذيبها تلك، وتُسقطَها ذليلةً مُهانةً عند قدمَي الدكتور داهش ومُحبِّيه وقُرَّائه! ففي قطعةٍ له منه بعنوان “القُرآن آيةُ الأَزمان“، يقول: “والقُرآنُ، يا لَلْقُرآن!… هيهاتِ أَن يجُودَ بمِثله الزمان! القُرآنُ، وَحْيٌ يُوحى بهِ من لَدُنِ العزيزِ الرحْمن! القُرآن، كتابُ اللَّه الشريف، يتلُوهُ مَنْ عَمَرَ قلبُهُ بالإيمان! فمِثْلَ القُرآن ما أَنزلَ اللَّهُ الرحْمن، وما أَوحى به لإنسان!“.. ويقينًا أَنَّ هذه الباقة من الكلمات المُتجذِّرة في تُربة الإيمان الصحيح باللَّه، وبالأَديان السماويَّة المُنزَلة، والمُبلَّلة بأَنداءِ الفردوس، والعابقة بعطر الهداية، ومثيلاتُها من الباقات الكثيرة الزاهية، والمُزدهية بنُور اللَّه، والتي يَحفلُ بها أَدبُ الدكتور داهش، تَهزأُ بالكُفر والتكفيريِّين، وتتحدَّى دُعاة التكفير من أَمثال تلك الكاتبة المُفترية، وتُخرسُ أَفواههم الناطقة بالإفك المرذول، وتُزلزلُ أَركان ضلالهم حتَّى يومَ يُبعَثون!…

وقد تذكَّرتُ، وأَنا في معرض الاستشهاد بمقتطفاتٍ من كتاب”محمَّد سيِّدُ الخَلق“، أَنَّني، في عام ١٩٨٤، وخلال تواجدي في معرض القاهرة الدوليّ للكتاب لتمثيل “الدار الداهشيَّة للنشر” فيه، قمتُ بزيارةٍ للعلاَّمة الكبير الشيخ محمَّد متولِّي الشَّعراوي، رحمهُ اللَّه، في منزله المجاور لجامع الإمام الحسين في القاهرة، وقدَّمتُ له نُسخةً من ذلك الكتاب في طبعته الأُولى. فطَفقَ يقرأُ بعضَ أَناشيده بصوتٍ عالٍ وهو يهزُّ رأسه ويرفعُ يديه نحو العلاء، مُردِّدًا بفرحٍ عظيم، قائلاً: “اللَّه أَكبر! اللَّه أَكبر! كلامٌ رائع!” ثمَّ توجَّه إليَّ بالقول: “باللَّه عليك، بلِّغْ الدكتور داهش سلامي، وشُكري له على هديَّته، وتقديري الكبير لكتابه، وأَبلِغْه عن رغبتي في إعادة طبعه على نفقَتي الخاصَّة. وانقُلْ إليه رجائي، إنْ هو حضَر إلى القاهرة، أَن يَحلَّ في منزلي، على الرَّحْب والسَّعة، ضَيْفًا مُعزَّزًا مُكرَّمًا!..”

فهل يستوي مثلُ هذا العلاَّمة الكبير، الصادق الطويَّة، مع تلك الكاتبة التي تدَّعي الدفاع عن الإسلام، وهي التي ضربَتْ عرضَ الحائط بكلِّ القيَم والمبادئ الأَخلاقيَّة، باسم الإسلام نفسه؟! وهل يَخفى على أَحد، بعد كلِّ ما أَوردَتْه في مقالتها من تُهمٍ باطلة بحقِّ الدكتور داهش ومُريديه، وما وجَّهَتْهُ إليهم فيها من عباراتٍ نابية، وبعد كلِّ ما قدَّمتُهُ شخصيًّا من شواهد تَدحضُ أَضاليلها، أَنَّها قد أَساءَت بتلك التُّهم إلى الإسلام نفسه أَكثر مِمَّا أَساءَتْ بها إلى نفسها ومكانتها الأَدبيَّة؟!

وتذهبُ الكاتبة مَذْهبًا أَبعد في التضليل وصَوْغ الأَكاذيب، ضمن مقالتها تلك، فتصمُ عقيدة الدكتور داهش الفكريَّة بما يُمكنُ اعتباره إحدى كُبريات الكبائر، وذلك بالقول إنَّ “الداهشيَّة هي تجميعٌ للطعون التي قيلَتْ ضدَّ الإسلام.” وما هذه التُّهمة إلاَّ مقُولةٌ شيطانيَّةٌ مُجلَّلةٌ بالكذب، من رأسها حتَّى أَخمص قدمَيْها، ولا يأتي بمثلها إلاَّ سيِّدُ الأَبالسة القابع في أَعمق أَعماق جهنَّم! وهي لا تقوى على الصمود في وجه العبارة التي صدَّر بها الدكتور داهش كتابه “محمَّد سيِّدُ الخَلْق“، والتي جاءَ فيها: “الإسلامُ سفينةٌ حصينة أَمينة يستقلُّها المؤمنون يومَ الكريهة، فتَجري بهم في مُحيط المحبَّة والاطمئنان، حتَّى تبلُغ بهم إلى شاطئ السلام والأَمان.” ففي تلك العبارة من صدق إيمانه بدين الإسلام ما يُبطلُ كذِبَ مقُولة الكاتبة، ويُسقطُها صريعةً بالضربة القاضية! أَمَّا ما كتبَه الدكتور داهش حول اضطهاد النبيِّ محمَّد (ص)، في روايته الشهيرة “مذكِّرات دينار“، فهو جديرٌ، أَيضًا، بأَن يدكَّ تلك ا‌لأُكذوبة الجهنَّميَّة ومثيلاتها دكًّا، ويجعلَها قاعًا صَفْصفًا، ويُبعثرَها في أَروقة دركات جهنَّم المتأَجِّجة بالنيران الخالدة. فتحت عنوان “ليس لنبيٍّ كرامةٌ في وطنه” من تلك الرواية، كتبَ الدكتور داهش يقول: “أَوَلَم تَضطهدوا، أَيضًا، النبيَّ (ص) فأَرغَمْتُموه على الهجرة القاسية؟ وكيف لم تَفْتِنُكم آيتُه المُنزَلة التي لو لمَسَت الصُّخور الصَّلْدة لأَلانَتْها، ولَدعَتْها تخشعُ وتُؤمنُ بنبُوَّته. فمَن هو غيرُ النبيّ الذي يستطيعُ أَن يأتيَكم بهذه الآية الكريمة التي هي لغةُ الملائكة، يتخاطبُون بها فيَفْتنون النجومَ ببلاغتها، ودقَّتها، وشفافيَّة رقَّتها، ثمَّ روعة سَبْكها وعذوبة سِحرها: “اللَّهُ نُورُ السماواتِ والأَرض. مَثَلُ نُوره كمِشْكاةٍ فيها مصباح، المصباحُ في زجاجة، الزُّجاجةُ كأَنَّها كوكبٌ دُرِّيّ، يُوقَدُ من شجرةٍ مُباركة، زيتُونةٍ لا شرقيَّةٍ ولا غربيَّة، يكادُ زيتُها يُضيء ولو لم تَمسَسْهُ نار. نُورٌ على نُور. يَهدي اللَّهُ لنُورهِ مَنْ يشاء. ويَضربُ اللَّهُ الأَمثالَ للناس. واللَّهُ بكلِّ شيءٍ عليم.” (سورةُ النُّور: الآية ٣٥).

وتأخذُ الكاتبة على الدكتور داهش دعوته إلى الأُخوَّة الإنسانيَّة، فتعلِّقُ عليها في مقالتها بالقول: “إنَّ الأُخوَّة الإنسانيَّة وقبولَ الآخر شعاراتٌ خادعة يرفعُها كلُّ ذي مأرب لتمرير أَغراضه بعد أَن اتَّخذ إلههُ هواه. فهاديهم الحبيب داهش يدعو الكلَّ تحت هذا الشعار الزائف لتمرير عقيدة…”

عجبًا، كيف تُعارضُ كاتبةٌ الدعوة إلى الأُخوَّة الإنسانيَّة وقبول الآخر، وكيف لا تَخجلُ من التلفُّظ بمثل تلك العبارة التي تعودُ عليها بالذُّلِّ والمَهانة؟! أَوليسَت تَعي بأَنَّ معارضتَها تلك فيها انتقاصٌ من قَدْر السيِّد المسيح والنبيِّ محمَّد وغاندي وسواهم من حاملي راية الأُخوَّة الإنسانيَّة أَمام الشعوب والأُمم، إلى جانب انتقاصها من قَدْر الدكتور داهش؟! أَوَليس في كلامها ما يُفصحُ عن رغبةٍ لديها بأَن ينفضَّ الناسُ كافَّة عن السيِّد المسيح الذي احتضَن البشريَّة كلِّها بمحبَّته وعطفه، وأَطلق عبارته المأثورة “أَحبُّوا بعضُكم بعضًا كما أَنا أَحبَبتُكم“، ممَّا يُعدُّ أَسمى درجات الدعوة إلى الأُخوَّة الإنسانيَّة، وبأَن يُديروا ظُهورهم لكلمة النبيِّ محمَّد (ص) الخالدة: “الإنسان أَخو الإنسان أَحبَّ أَم كَرِه“، وأَن يتخلَّوا عن مبادئ المهاتما غاندي، رسولِ الحُبِّ والتآخي الإنسانيّ والسلام العالميّ، ويكفُّوا عن الاقتداء بكلمته التي صارت مَضْرِبَ المَثل في الأُخوَّة الإنسانيَّة، والقائلة: “كلُّ أَعمالي مُشتقَّةٌ من محبَّتي التي لا تتغيَّرُ للبشريَّة. فإنَّني لم أُفرِّقْ بين أَقرباءَ وغُرباء، بين مُواطنينَ وأَجانب، بين بِيض البشَرة والمُلوَّنين، بين الهنود الهندوس والهنود المُنتمين إلى مِلَلٍ أُخرى، سواءٌ أَكانوا مُسلمين أَم بارسيِّين أَم مسيحيِّين أَم يهودًا. يُمكنُني القول إنَّ قلبي لم يستطعْ أَن يقومَ بأَيَّة تفرقةٍ كهذه“؟!

إذا كانت تلك فعلاً غايةُ الكاتبة من كلامها العقيم ذاك، إذنْ فَلْتَدْعُ أَمثالها من المُتعصِّبين الموتورين في العالَم، وهم كُثُر، ولْيَرفَعوا الصوت عاليًا بالدعوة إلى التناحُر والخصام، ولْيُعلِنوا رفضَهم للتآخي بين البشر؛ فهذا شأنُهم، وليس شأننا. أَمَّا نحن، مُحبُّو الدكتور داهش وعقيدته وأَدبه، ومعنا كلُّ أَحرار العالم الذين يعتقدون بمثل ما نعتقدُ به من ضرورة التقارب بين الأُمم والشعوب، فلن نكُفَّ عن الدعوة إلى الأُخوَّة الإنسانيَّة وقبول الآخر، بل واحتضانه! ولسوف نقفُ بقوَّةٍ وثبات في وجه دعوات الحقد والكراهية والتعصُّب والتكفير إلى أَن يطلعَ فجرُ هذا العالَم من جديد، وينهزمَ الظلامُ والظلاميُّون، وتَذهبَ ريحُهم بَددًا!… (للمقالة تتمَّة)

  كاتب لبنانيّ مُقيم في كندا

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى