* “أبواب الجحيم….مصيدة البر”

الكاتب والباحث ميخائيل عوض
أولاً: إعادة تعريف الحرب
دخلت الحرب التي اصطلح عوض على تسميتها حين استشرف اقتراب حدوثها بحرب يوم القيامة، دخلت مرحلة إنتاج المفاهيم وتطوير فهم الحرب . في هذا السياق، يقدّم ميخائيل عوض طرحًا يتجاوز التحليل الحدثي إلى محاولة تطوير تعريف طبيعة الحرب نفسها: من “حرب يوم القيامة” إلى ” نحن في حرب يوم القيامة، والقيامة تستعجل جديدها لتدفن ماض توحش وتوغل بالدماء”
في هذا الإطار، لا تعود الحرب مجرد مواجهة بين جيوش، بل تتحول إلى مسرح فرز وجودي ينكشف فيه الاصطفاف الحاد بين محورين:
محور يُقدَّم بوصفه تحالف التوحش وإبادة البشر
ومحور يُعرَّف كقوة دفاع عن الإنسان والحق في الحياة.
هذا التحول المفاهيمي ليس مجرد تعديل لغوي، بل يعكس إدراكًا بأن ما يجري بلغ نقطة الانفجار البنيوي، حيث تتداخل
العقيدة مع الاستراتيجية، والردع مع الانهيار، و
الحسابات العقلانية مع احتمالات الجنون السياسي.
ثانيًا: ثنائية المسارين – بين الانفجار الشامل والإطفاء القسري
ينطلق عوض من فرضية حادة ترى أن المشهد أمام مسارين لا ثالث لهما:
1. مسار الانفجار (الذهاب إلى الجحيم): والذ يتضمن: تصعيد غير قابل للضبط، انتقال إلى “النووي القذر” عبر ضرب منشآت حساسة مثل ديمونا أو بوشهر أو احتمال الخطأ البشري أو القرار الانتحاري الذي سيكون صادرا عن الأمريكي والإسرائيلي.
هذا المسار لا يُفهم كخيار عقلاني، بل كـ سلوك قوة مهزومة تخشى الاعتراف بالهزيمة.
2. مسار الإطفاء (الاحتواء القسري)
يتطلب هذا المسار تدخل قوى دولية (روسيا، الصين) و
تحرك إقليمي (الخليج، الكتلة السنية) وصحوة تغليب منطق المصالح على الاندفاع
لكن عوض يشكك ضمنيًا بقدرة هذا المسار على التحقق بسهولة، لأن أدوات الردع التقليدية تآكلت، بينما أدوات الجنون تتضخم.
ويؤكد عوض أن المنطقة تعيش حالة ترقب ثقيل، مرتبطة بمهل زمنية وضغوط سياسية وعسكرية، ما يجعل المرحلة لحظة إنذار مفتوح. ويشير إلى أن الزمن في هذه المرحلة لم يعد زمن تخطيط طويل، بل زمن قرارات حاسمة تُقاس بالساعات والأيام.
ثالثًا: هرمجدون المتخيلة… قائمة وتستعجل جديدها
في طرح ميخائيل عوض، لا تكمن أهمية ما يجري في حجمه العسكري فقط، بل في طبيعته التحولية التي تفرض إعادة تعريف الحرب نفسها. فالمصطلحات التقليدية – كـ”عدوان” أو “حرب إقليمية” – لم تعد، برأيه، قادرة على احتواء ما بلغته المواجهة من مستويات غير مسبوقة من التوحش والانكشاف.
وينطلق عوض من فكرة أن ما نشهده هو انتقال من صراع سياسي إلى صراع وجودي شامل، يقترب في رمزيته وبنيته من مفهوم “هرمجدون” أي المعركة الفاصلة التي لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بقدرتها على إعادة رسم المعنى الأخلاقي والتاريخي للعالم. هنا، لا تعود الأطراف مجرد دول أو تحالفات، بل تتحول إلى تجسيدين متقابلين
لقوة تدفع نحو الإبادة والتدمير المنفلت من أي ضابط
وقوة تقدّم نفسها كحامل لفكرة الدفاع عن الإنسان والحق في الحياة
وبهذا المعنى، فإن تطوير تعريف الحرب هو جزء من معركة الوعي والسردية؛ إذ يسعى عوض إلى تثبيت إدراك جديد لدى الوعي الجماعي بأن ما يجري ليس نزاعاً قابلاً للتسوية التقليدية، بل لحظة فرز كبرى تفرض على الفاعلين – أفراداً ودولاً – تحديد موقعهم ضمن ثنائية حادة إما داخل مسار الانحدار نحو الجحيم، أو ضمن جبهة مقاومته.
غير أن هذا التأطير، رغم قوته التعبوية، يحمل في طياته دلالة استراتيجية خطيرة فكلما اقترب الصراع من توصيف “هرمجدون”، تضاءلت مساحة الحلول الوسط، وارتفعت احتمالات الذهاب إلى أقصى الحدود، حيث تصبح النهايات المفتوحة أكثر ترجيحاً من التسويات الممكنة.
رابعًا:الجحيم أبواب تُفتح… لا تُقرع فقط
في هذا التصور، لا يقف العالم أمام “تهديد” بالجحيم، بل أمام أبواب فُتحت بالفعل، حيث
العمليات العسكرية تقترب من حدود غير مسبوقة و
الأهداف الحساسة (النووية والاقتصادية) دخلت دائرة التهديد وسقف التصعيد يرتفع دون ضوابط واضحة
وبذلك، تصبح الحرب في حالة تفلّت تدريجي من السيطرة، حيث لم تعد الخطوط الحمراء ثابتة، بل قابلة للاختراق في أي لحظة.
لا يُقدَّم “الجحيم” هنا كضربة واحدة فاصلة، بل كمسار تصاعدي يتخذ أشكالاً متعددة، منها:
– انهيار البنى الحيوية (كهرباء، ماء، طاقة)
– شلل اقتصادي واسع
– دمار بيئي محتمل
– فوضى أمنية ممتدة
وفي هذا الإطار، يشير عوض إلى أن بعض مظاهر هذا الجحيم قد بدأت بالظهور، أو على الأقل باتت قابلة للتحقق الفوري، ما يجعل الحرب عملية تآكل شامل للحياة الطبيعية، لا مجرد مواجهة عسكرية.
خامسًا: النووي القذر – بوابة الجحيم الكبرى
يُبرز ميخائيل عوض أخطر مداخل هذا الجحيم في احتمال الوصول إلى سيناريو “النووي القذر”، عبراستهداف المفاعلات أو المنشآت النووية أو حدوث
تسرب إشعاعي واسع النطاق
وما يليه من تأثيرات تمتد لعقود على البيئة والبشر. ويكتسب هذا الاحتمال خطورته من كونه
لا يحتاج قرار استخدام سلاح نووي تقليدي بل يمكن أن يحدث ضمن سياق العمليات الجارية. وأما نتائجه تتجاوز حدود الدول إلى الإقليم بأكمله
وهنا، يتحول الجحيم من احتمال نظري إلى خطر تقني–عملياتي قائم في حرب يقودها جنون عالم التوحش والابادة الصهيوني والانغلوساكسوني.
سادساً: الزمن الحرج – ساعات تفصل عن الانزلاق
يؤكد ميخائيل عوض أن خطورة المرحلة تكمن أيضاً في طبيعة الزمن، حيث لم يعد الحديث عن أشهر أو سنوات
بل عن ساعات وأيام حاسمة.
وهذا التسارع الزمني يعكس
ضغط القرار وتسارع الأحداث
وأيضا تضاؤل فرص التدخل والاحتواء.
ما يجعل “أبواب الجحيم” ليست مجرد توصيف، بل حالة زمنية حرجة تقف على حافة الانفجار.
سابعًا: مصيدة البر… ومطحنة الأجساد:
1- وهم التدخل الأمريكي – تفكيك خطاب “2500 جندي”
يسخر عوض من التهويل بإرسال قوات أمريكية ويقدم قراءة ميدانية مختلفة عن التهويل الإعلامي عن الحشود البرية الأمريكية والتخويف باحتلال بري للجزر الإيرانية ويدعو إلى قراءة واقعية للوقائع في الميدان والتي تشير إلى فشل الحسم البري بعد
26 يوم دون إنجاز حاسم
وعجز عن التقدم الحاسم
واستنزاف مستمر.
ويؤكد على وهم فكرة 2500 جندي قادرون على تحقيق تغيير استراتيجي فعلي في ميزان الحرب.
كما يشير إلى صعوبة الإنزال البحري خاصة في مضيق (هرمز) حيث استعدادات القوى الإيرانية في أعلى مستوياتها ومفاجآتها التي اتسمت بها كل مرحلة تجعل من تضخيم هذا الفعل محض هراء، كذلك
فإن هشاشة القواعد الأمريكية في المنطقة بعد تعرضها للاستهداف والإعماء الراداري يجعل من تغطية الجنود في البر وحماية الآليات المرافقة مجرد وهم.
والمقارنة التي يطرحها أنه
إذا كانت عشرات آلاف الجنود موجودة أصلاً ولم تُستخدم
فلماذا سيغير 2500 جندي المعادلة؟
إن التهديد الأمريكي أقرب إلى أداة ضغط نفسي منه إلى خطة حقيقية.
2.الأداء الأسطوري للمقاومة في لبنان
تكتيك المقاومة وصمودها الأسطوري خاصة التحول إلى حرب العصابات والتحرر الشعبي عبر الكمائن و استدراج العدو
و”مسك العدو من الحزام” (حرب مسافة صفر).
أدى إلى انهيار أسطورة التفوق الإسرائيلي وغياب “الذراع الطويلة” وتراجع العمليات النوعية ما يعني أن المقاومة بقيادتها الميدانية الشابة رممت نفسها واستوعبت خطة المعتدي بل وعادت لتكون سابقة له بخطوة.
إن هذا الانكشاف العملياتي للعدو يثبت أن الميدان لم يعد مجال تفوق إسرائيلي، بل أصبح بيئة استنزاف قاتلة. وهنا يقرأ عوض على التوازي تماما من أبواب الجحيم التي تفتح لتبتلع توحش المعتدي أبواب خلاص تستقبل الصامدين والمستضعفين.
ثامنًا: تحول النظام الدولي – من الهيمنة إلى التعددية
يربط عوض الحرب بسياق أوسع عبر قراءة براغماتية في
مؤشرات التحول بصعود الصين وروسيا وتكتلات بريكس
وشنغهاي ما يعني فك الارتباط عن الاقتصاد الغربي.
والعامل الحاسم هو تآكل فعالية العقوبات وإعادة تنظيم الاقتصاد العالمي مترافقا مع تراجع قدرة أمريكا على فرض الإرادة
لتكون الحرب وفق هذه القراءة الاستراتيجية ليست فقط عسكرية، بل جزء من تفكك النظام الأحادي القطبية وصعود التعددية القطبية لعالم استشرف عوض ولادته برؤوس ثلاث أو أكثر.
تاسعًا: العامل العربي–الإقليمي – بين الحسم والتردد
في طرح ميخائيل عوض، يحتل العامل العربي–الإقليمي موقعاً مفصلياً في تحديد مسار الأحداث، إذ يراهن على أن دول الخليج والبيئة العربية الأوسع باتت أمام لحظة إدراك حاد بأن ما يجري لم يعد صراعاً بعيداً يمكن احتواؤه، بل خطر وجودي مباشر يهدد استقرارها وبناها الحيوية ومستقبلها الاقتصادي، خاصة في ظل احتمالات التصعيد المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية والمنشآت الحساسة. ومن هذا المنطلق، يطرح إمكانية أن يدفع هذا الإدراك نحو تحرك يهدف إلى كبح الانزلاق نحو الانفجار، سواء عبر الضغط السياسي أو التموضع ضمن توازنات جديدة تفرض إيقاعاً مختلفاً على الصراع. غير أن هذا الرهان يبقى معلقاً، وفق منطقه، على سؤال جوهري غير محسوم: إلى أي مدى تمتلك هذه القوى قرارها المستقل؟ فبين ارتباطات استراتيجية عميقة بالمنظومة الغربية، ومصالح متشابكة مع القوى الصاعدة كروسيا والصين، يقف الإقليم في منطقة رمادية بين الفعل والتردد، حيث قد يتحول من عنصر توازن قادر على ضبط التصعيد، إلى ساحة تتلقى تداعياته، تبعاً لقدرتها أو عجزها عن الانتقال من موقع التكيف مع الصراع إلى موقع التأثير فيه.
خاتمة:
تُظهر قراءة ميخائيل عوض أن المنطقة لم تعد في حالة حرب تقليدية، بل في لحظة مفصلية تتقاطع فيها ثلاثة مسارات:
مسار الانفجار
حيث يؤدي الخطأ أو الجنون إلى كارثة عالمية شاملة.
مسار الاحتواء
حيث تتدخل القوى الدولية والإقليمية لكبح الانهيار
مسار التحول التاريخي
و تُستثمر الحرب لتكريس نظام عالمي جديد في عالم جديد.
لكن الخلاصة الأهم أن
الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة الأطراف، بل في لحظة فقدان السيطرة، فحين تصل الحروب إلى حافة “اللاعودة”، يصبح القرار الفردي أخطر من الاستراتيجية والخطأ التقني أخطر من السلاحوالخطاب التعبوي أخطر من الرصاص
وفي هذا المعنى، فإن “أبواب الجحيم” ليست مجرد استعارة،
بل توصيف دقيق لمشهد عالمي يقف بين الانفجار أو إعادة التشكّل.

