مقالات رأي

الحرب الأميركية «الإسرائيلية» على إيران ومقصلة هرمز!

 

الوزير د. عدنان منصور

منذ تأسيس جمهوريتها الإسلامية، وإيران تتعرّض للضغوط والعقوبات، والحصار الأميركي والدولي المتواصل، وللحملات الإعلامية العدائية المركزة التي تحرّكها دول، وتقودها اللوبيات اليهودية، ومجموعات الضغط السياسية والإعلامية المؤيدة لها في العالم لتشويه صورة إيران، واتهامها على الدوام بتهديد الأمن والسلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط .
على مدى عقود، كان الغرب وعلى رأسه أميركا يتحيّنان الفرصة، لينقضّا على النظام الإيراني، والإطاحة به بأيّ وسيلة من الوسائل.
بعد نجاح ثورتها، أدركت إيران أنّ مواجهتها مع الغرب، وبالذات مع مَن أطلقت عليه عبارة “الشيطان الأكبر”، مواجهة حتمية، وإن طال الوقت، لأنّ الهدف الرئيس لواشنطن هو الإطاحة بالنظام الإيراني، الذي لم يغب يوماً عن هدف رؤساء الولايات المتحدة منذ عهد جيمي كارتر، وصولاً إلى الرئيس الحالي دونالد ترامب.
منذ قيام جمهوريّتها عملت إيران بصمت، وبصبر لا مثيل له، وبقرار حاسم لا لبس فيه، وهو أنّ تقدّم إيران الاقتصادي، والعلمي، والعسكري، والتكنولوجي، والتنموي، لا بدّ له من أن يعتمد عليها، وليس على الآخرين. لأنّ الاعتماد على الذات لن يتوقف، أما الاعتماد على الآخرين، فسيخضع للابتزاز، ولأهواء الدول التي تقرّر متى شاءت بالاستمرار أو بالتوقف عن تزويد إيران بما تحتاجه لتطوّرها وتنميتها. لذلك بدأت إيران في التركيز على العلم وأعطته الأولويّة القصوى، كي تنطلق بكلّ جدارة، لبناء نهضتها بنفسها في مختلف المجالات، بكلّ عزيمة وثقة.
يعرف الغرب جيداً، أنّ الحجم الكبير للعقوبات الشرسة التي فرضها على إيران، لو فرض مثلها على دول غيرها، لترنّحت واستسلمت ورفعت الراية البيضاء، لكن الغرب المستكبر الذي تعاطى بسلوك سيّئ ولا أخلاقي مع إيران، أدرك حقيقة وصلابة الإيرانيين، ومدى تعلقهم بوطنهم، ودفاعهم الشرس عنه، واستماتتهم في التصدّي لسياساته العدائية.
استطاعت إيران بعد 47 عاماً من ثورتها، أن تثبت للعالم كله، أنها لم تتحرّك من فراغ، وهي تواجه عدوانين خلال تسعة أشهر، أشعلهما ثنائي الحرب ترامب ـ نتنياهو، اللذان أوصلا العالم، إلى ما وصل إليه اليوم من كارثة زلزلت اقتصادات دوله كلها.
لقد ظنّ المقامران الأميركي ـ الإسرائيلي، أنّ الفرصة أصبحت سانحة لهما للانقضاض على إيران، والإطاحة بنظامها، وإعادة رسم حريطة جديدة للشرق الأوسط بمفهوم توراتي، ظناً منهما أنّ إيران قابلة للكسر، وأنّ تماسكها الوطني هش، وأنّ إمكاناتها العسكرية محدودة، مما يجعل سماء وأرض إيران مشرّعة لاستخدام القوة العسكرية لإنهاء النظام، وهذا ما علق من أوهام في “عقل” ترامب الذي “طمأن” العالم منذ اليوم الأول للحرب، من أنّ النظام سيسقط خلال أيام، وأنّ الشعب سيثور ليتسلّم زمام الأمور، وأنّ الجيش الأميركي قضى بالكامل على قدرات إيران العسكرية، وعلى برنامجيها النووي والصاروخي! لم تتوقف عنجهيته وغروره عند هذا الحدّ، بل ذهب بعيداً ليقول إنّ لديه أسماء سيختار منهم من سيقود إيران بعد سقوط نظامها!
لا فرق بين الطغاة الذين سادوا في العالم، فهم لا يختلفون عن بعضهم البعض في طغيانهم، ودمويّتهم، وتجرّدهم من إنسانيّتهم. فالسلطة والبطش، والهيمنة هو القاسم المشترك بينهم. لكن هل رضخت إيران لليانكي الأميركي؟! هل تخلّت عن مسؤولياتها وواجباتها الوطنية تجاه شعبها خلال 47 سنة من الحصار الشرس، لنراها اليوم تقف وقفتها الشجاعة في مواجه أكبر إمبراطورية في العالم، ومعها “إسرائيل” المدجّجة بترسانة من أقوى الترسانات العسكرية في الشرق الأوسط، ولتردّ الصاع صاعين لهما؟!
إنّ رفض إيران لأوامر ومطالب واشنطن وتل أبيب، التي تمسّ بالصميم الأمن القومي الإيراني، وتنال من سيادة إيران وقوتها، لم ينطلق من فراغ، وهي التي جهّزت نفسها لهذا اليوم الموعود، لتثبت للعالم كله، كيف أنّ دولة محاصَرة استطاعت أن تغيّر في الشرق الأوسط، المعادلة الاستراتيجية بمعيارها الخاص، من خلال تصدّيها للعدوان وسيطرتها على مضيق هرمز وتحكمها بشريان الطاقة العالمية وجعله مقصلة على رقاب أعدائها.
لم تكن إيران لتتصدى للمعتدين، لولا الإنجازات الضخمة التي حققتها خلال 47 سنة، وعزّزت صمودها، وقوّتها، ومكانتها، ومقاومتها! دون هذه الإنجازات العلمية، والهندسية، والصناعية والتكنولوجية، والعسكرية، لما استطاعت أن تنهض، وتصمد، وتواجه العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي بكلّ قوة.
ها هي البيانات العالمية تشير إلى أنّ إيران، رغم العقوبات القاسية عليها، تحتلّ المرتبة 15 عالمياً في مجال الأبحاث العلمية، وهي في طليعة الدول في الإنتاج العلمي في الشرق الأوسط، من حيث عدد الأبحاث المنشورة سنوياً، وعدد الشهادات العلميّة. كما حققت تقدماً ملموساً في الهندسة النووية والميكانيكية، بالإضافة إلى الإنتاج العلمي الغزير في مجالات الهندسة، والعلوم التطبيقية، والأدوية البيولوجية، والخلايا الجذعية، والعلوم الفضائية، وصناعة الأقمار الصناعية، والصواريخ الفرط صوتية، وتطوير منصات إطلاقها. كما تأتي إيران في المرتبة 15 عالميّاً من حيث عدد الأبحاث الطبية، والإنتاج الكبير في الأدوية والطب الحيويّ وأبحاث السرطان.
كما لديها شبكة جامعات ومراكز طبية نشطة، ونسبة عاليّة جداً من متخرجي STEM، علوم التكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات. تأتي إيران في المرتبة 10 عالمياً في بعض مجالات الهندسة التكنولوجية، لا سيما في المجالات الميكانيكية، والكهربائية والمدنية، وهي من بين أفضل 6 دول عالميّة في تقنية النانو، مع نشاط بحثي مرموق. كما تقترب إيران من الدول الكبرى في بعض التخصّصات التكنولوجية، إذ استطاعت تطوير صناعتها ذاتياً وداخلياً مع تقليل الاعتماد على الخارج، مستندة إلى مفهوم خاص بها “إما أن نطوّر بأنفسنا أو نتوقف”.
تقدّمت إيران كثيراً في هندسات المواد، والمياه والسدود، والذكاء الاصطناعيّ، وصناعة الأدوية التي تغطي 90% من الأدوية الأساسية. كما تُعدّ إيران من الدول القليلة التي تمتلك مستوى عالياً من المعرفة النووية، كدورة الوقود النووي، وإنتاج النظائر المشعّة دون اعتماد كامل على الخارج.
لقد ركّزت إيران على الباحثين في مجال العلوم التطبيقية، والهندسة والفيزياء، وأولت أهمية كبيرة لأبحاث التكنولوجيا التي تعتبرها إيران جزءاً من أمنها القومي، وأداة لمواجهة الحصار. لذلك توسّعت في مجال الصناعات الحربية، والطاقة، والذرة، وعلوم الفضاء. لقد انعكس التقدّم التكنولوجي في إيران على قوتها العسكرية، وأدائها إلى حدّ بعيد، من خلال صناعة الصواريخ الباليستية التي تُعدّ الأقوى في المنطقة، مع تحسين دقة الإصابة بشكل كبير، وهي من الدول البارزة عالمياً في مجال صناعة الطائرات المُسيّرة، وتطوير أنظمة محليّة بدلاً من استيرادها.
إيران في مواجهتها للعدوان، تعتمد على حرب استنزاف، حيث تمتلك عمقاً جغرافياً وبشرياً كبيراً، جعلها لاعباً صعباً في الميدان، ولولا تطورها على الصعيدين العسكري والعلمي، لما استطاعت أن تستنفد قدرات العدو يوماً بعد يوم، وتصمد في وجه الدولة العظمى، وتقلب المعادلات والموازين في المنطقة، من خلال تحويل الحرب عليها إلى أزمات اقتصادية ومالية خطيرة تصيب اقتصادات العالم في العمق، وتزلزل أسسها، ما جعل الدول ترفض علناً العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران، وتجعل أكثر من 60% من الأميركيّين يعارضون حرب ترامب التي زجّه فيها جزار تل أبيب!
إيران تريد رسم معادلة جديدة للشرق الأوسط، إذ ما تمتلكه من قدرات عسكرية، وردع صلب، صدم العالم، وجعل ترامب على مدى أيام الحرب المستعرة، يتخبّط في مواقفه، وقراراته، وتصريحاته التي تناقض بعضها البعض، ما يدلّ على تورّطه، وعدم معرفته بحقيقة إيران وشعبها، وقيادتها، وتاريخها. أراد ترامب أن يتعاطى معها كما سبق لأميركا أن تعاطت مع جمهوريات الموز، ومع العملاء الذين نصّبتهم الـ CIA على سدة الحكم، وكما يتعاطى الآن من فوق مع حلفائه المغلوبين على أمورهم في أوروبا، أو مع دول ينهبها فتستجيب، ويأمرها فتطيع!
هل سمع ترامب قبل حربه على إيران بمقولة هنري كيسينجر من “أنّ الخيار العسكري ضدّ إيران يجب أن يكون الملاذ الأخير، لأنّ نتائجه غير قابلة للتنبّؤ”!.
تُرى ما هي “تنبّؤات” ترامب، لنتائج الحرب الدائرة، وهو الذي يهدّد ويتوعّد بالغزو، والنوويّ، ومَن هي الرؤوس التي ستتدحرج تحت مقصلة مضيق هرمز، ومَن الذي سيغيّر وجه الشرق الأوسط، واشنطن أم طهران؟!
إنّا لَمنتظرون…

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى