مقالات رأي

أَهلُ الفكر عندما يُصبحُون دُعاة تكفير! الجزء الثاني

 

 

ردٌّ على أَكاذيب الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم

وافتراءَاتها الباطلة على الدكتور داهش وأَدبه وفكره!

*ماجد مهدي   

إنَّ مَن يُطالعُ مقالة الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم “العقيدةُ الداهشيَّة.. دعوةٌ للكفر”، ويستمعُ إلى مُداخلتها النقديَّة حول رواية “رابطة كارهي سليم العشِّي”، للدكتور سامح الجبَّاس، في “صالون سالمينا الثقافيّ” بالقاهرة، يُدركُ للتوّ أَنَّ كلاهما، المقالة والمُداخلة، تُخالفان أُصول النقد الأَدبيّ، وتندرجان في إطار الفكر التكفيريّ، علمًا بأَنَّ المقالة، كما أَسلَفتُ في ردٍّ سابق لي عليها، هي نسخةٌ مُنقَّحة ومَزيدة عن المُداخلة، وبأَنَّ عبارة “نقد أَدبيّ” التي أَضفَتْها عليها الكاتبة لم تكنْ إلاَّ من قَبيل التضليل والخِداع، وذَرِّ الرماد في العيون. وقد كان الأَوْلى بها أَن تُذيِّلها بعبارة “حقد أَدبيّ”، وأَن تَجعل من تلك العبارة اسمًا لفنٍّ أَدبيٍّ جديد تُعلنُ عنه بنفسها لأَنَّه ينسجمُ تمامًا مع طبيعة كتاباتها النقديَّة، وكتابات النقَّاد الذين ينسجون على منوالها، ويليقُ بها وبهم عن جدارةٍ واستحقاق. فهؤلاء الكتَّاب، وللأَسف، يطوون جمَرات العداوة والبُغض والضَّغينة والنِّقمة والتعصُّب والغيظ في قلوبهم، ولا ينفكُّوا ينفُخون في الكِيْر عليها حتَّى تنفجرَ حقدًا ظلاميًّا تكفيريًّا بوجه مَن لا تُوافقُ توجُّهاتُه الفكريَّة توجُّهاتهم، وإنْ يكنْ في فكره الخيرَ كلَّه، والإيمانَ كلَّه، والهدايةَ كلِّها، والقيَم الإنسانيَّة كلِّها.

ولقد كان من واجب تلك الكاتبة أَن تُسلِّط الضوءَ على الارتكابات الفكريَّة الجسيمة التي أَقدم عليها الدكتور الجبَّاس، عامدًا مُتعمِّدًا، مُبيحًا لنفسه تزوير الحقائق على قاعدة “الغاية تبرِّرُ الوسيلة”، من غير أَن يحسَب حسابًا للعواقب الوخيمة التي قد تَنجُم عنها. وكان عليها، أَيضًا، أَن تُعملَ مِبضَع نَقْدها الصارم تشريحًا في الخِدَع والأَلاعيب التي مارسها في روايته بهدف إرضاءِ مُشغِّليه الذين دفعوا له المال لقاء كتابته الكتاب، وهو ما ذكَره بنفسه فيه، وأَن تُواجهَه بارتكاباته البادية لكلِّ ذي عيْنَيْن، وتُعلنَها على الملإ، دون مُحاباةٍ أَو مُواربة. لكنَّها اكتفَت بالإشارة إلى إحداها، لَمْحًا، في مقالتها، دون أَن تُوضِّح أَمر الخطإ فيها، أَو تدخُل في تفاصيلها، أَو تتَّخذ موقفًا صريحًا منها. وفي المقابل، وخلافًا لأُصول النقد، رهنَت مقالتها بالكامل للطَّعن بالدكتور داهش، موضوعِ الرواية، وراحت توجِّهُ سهام لؤمها، لا نقْدِها، إليه، وإلى أَدبه وعقيدته الفكريَّة ومُريديه، إشباعًا للحقد التكفيريِّ الظلاميِّ الدفين الذي يتأَكَّلُ قلبها. فقد أَلصقَت به، باطلاً، جُملةً من النُّعوت المُشينة غير الأَدبيَّة، بما فيها “الكذِب”، و”الدَّجَل”، و”الإفْك”، و”الزَّيْف”، و”الخِداع”، و”السِّحر”، و”الكُفر”، واتَّهمَته بأَنَّه “ينفي عن القرآن بأَنَّه وحيٌ من اللَّه”. كما اتَّهمَت فلسفته الفكريَّة بأَنَّها “عقيدة الشيطان”، و”الدين الإبراهيميّ” المزعوم، وبأَنَّها تدعو إلى “وحدة الأَديان الشيطانيَّة”. واتَّهمَت مُريديه بأَنَّهم “يرفضون الوحي الإلهيّ”، و”يسعَون لسيطرة اليهود على العالَم”، وأَنَّهم “على صلةٍ بالماسونيَّة”، دون أَن تُقدِّم دليلاً واحدًا على صحَّة ادِّعاءَاتها ونُعوتها، ومن غير أَن تُشير إلى المراجع التي استندَت إليها في أَحكامها. وإذا كان بعضُ تلك النُّعوت التي أَوردَتها ضِلَّةً في المقالة تَشي بأَنَّها مُستقاةٌ من رواية الجبَّاس الحافلة بالتلفيقات والتناقضات وتزوير الحقائق، فإنَّها ولا شكّ قد فاقت الجبَّاس في الكذب والافتراء، نظرًا لما تَختَزنُه في نفسها من تعصُّبٍ دينيٍّ أَعمى، وعَجْرفةٍ مَقيتة، ولما تتمتَّعُ به من خيالٍ مريضٍ مُغرِقٍ في الأَوهام والخُرافات والاختلاقات.

وكان الجبَّاس قد أَقحم في مستهلِّ روايته مؤسَّسةً ثقافيَّةً في نيويورك، من غير أَن يُسمِّيها بالاسم، مُدَّعيًا أَنَّ المسؤولين فيها قد اختاروه لكي يكتبَ روايةً توثِّقُ “حياةَ شخصيَّةٍ مُهمَّة” لقاءَ مبلغٍ كبيرٍ من المال أَذهلَه، وأَنَّ اختيارهم قد وقَع عليه، دون سواه، لأَنَّهم كانوا يبحثون عن روائيٍّ “يُجيدُ البحث عن الحقيقة”، لا عن روائيٍّ “يُجيدُ الكتابة”، على حدِّ قوله. وقد أَعلموهُ لاحقًا أَنَّ شخصيَّة الرواية هي سليم العشِّي المعروف بالدكتور داهش. والحقّ هو أَنَّ كلَّ ما ادَّعاهُ في هذا السياق لم يكنْ إلاَّ لذرِّ الرماد في العيون، ولكي يُسبغَ على نفسه هالة الكاتب العظيم المُنزَّه عن الخطإ في أَبحاثه، والذي تسعى إليه كبرياتُ دور النشر في العالم طلبًا لخدماته الروائيَّة الفريدة، مُطبِّقًا بذلك المَثلَ القائل: “مادحُ نفسه يُقرؤكَ السلام”! لكنَّه تعمَّد، في المقابل، عدم ذِكْر اسم تلك المؤسَّسة في روايته، وذلك قصْدَ التضليل، ومن أَجل التعمية على مُشغِّليه الحقيقيِّين الذين دفعوا له المال، بالفعل، وزوَّدوه بكلِّ ما يحتاجه لقاءَ كتابته الرواية وفق توجُّهاتهم، وتنفيذه ما يطلبونه منه، بهدف تشويه صورة الدكتور داهش ورسالته، وسمعة تلك المؤسَّسة الثقافيَّة الداهشيَّة، الوحيدة في نيويورك، والوحيدة في العالم التي تملكُ حقَّ طَبْع كتب الدكتور داهش ونَشْرها.

الدكتور داهش في شبابه

أَمَّا تلك المؤسَّسة، فهي أَجلُّ وأَعظمُ من أَن تَسعى خلف أَيِّ كاتب، كائنًا مَنْ كان، حتَّى وإنْ بلغ الشأْوَ الأَعلى في الكتابة، لابتياعِ خدماته، كما ادَّعى الجبَّاس كذِبًا وزُورًا. وهي أَعزُّ من أَن تلتفتَ إلى أَمثاله ممَّن يُطأطئون الرؤوس أَمام المال، فيبيعون أَقلامَهم وضمائرهم عند كلِّ مُنعطف! نعم، إنَّ تلك المؤسَّسة لا تُقدمُ على مثل هذا الأَمر الإدّ الذي يتنافى مع قيَم الدكتور داهش ومبادئه العظيمة التي قامت عليها، والتي تُعَدُّ رمزَ عزَّتها وعنوانَ شُموخها، ناهيك بأَنَّ أَهراءَاتها الفكريَّة طافحةٌ بالمؤلَّفات والمخطوطات القيِّمة التي تتناولُ حياة الدكتور داهش ومعجزاته وأَدبه وفكره، وجميعُها لكتَّابٍ أَفذاذ مُنغمسين في الحقّ، لا يكتبون من أَجل المال، ولا من أَجل الشُّهرة، بل من أَجل الحقيقة. ويقينًا أَنَّ تلك الأَهراءَات لن تَنضُب على مرِّ الزمن، وستَبقى مَنْهلاً ثَرًّا للمعرفة السامية والحكمة الخالدة!

وعلى الرغم مِمَّا أَضفاهُ ذلك المؤلِّف على نفسه، في مستهلِّ كتابه، من صفات النزاهة والشرف والصدق والإجادة في البحث عن الحقيقة، فإنَّه لم يلبثْ أَن انطلقَ في سرد أَحداثٍ وهميَّة كاذبة ومغامراتٍ مُثيرةٍ للسُّخرية، قصدَ إظهار فَلْهويَّته في نَسْج الأَخبار الغريبة، الأَمر الذي أَساءَ به إلى الدكتور داهش وتاريخه الحافل بالنُّبل والذكاء، وإلى سيرته المُثلى المطبوعة على حُبِّ الخير، ونَبْذ الشرّ، والهداية إلى اللَّه، والقيام بأَعمال الخير نحو الإنسانيَّة. ولقد كانت أَكثرُ مغامراته حِطَّةً تلك المُغامرةُ الغراميَّةُ المُبتذَلة التي خاضها في روايته، والتي جعل محورَها فتاةً عربيَّة اسمُها “فاطمة” ادَّعى بأَنَّها المسؤولة عن قسم النشر في تلك المؤسَّسة الثقافيَّة الأَمريكيَّة، وبأَنَّها هي التي تواصلَت معه من نيويورك لإبلاغه بأَمر اختيار المؤسَّسة له للمهمَّة الآنفة الذِّكر، وحضرَتْ بعدها للقائه في القاهرة، ودفعَت له مُقدَّمًا مبلغًا من المال، وطلبَت إليه السفر إلى بيروت والإقامة فيها لعامٍ كامل، وقادَتْه إلى منزل الدكتور داهش ليتعرَّف إليه عن قُرب، وأَبلغَته بأَمر بقائها في بيروت طيلة العام لمرافقته في جولاته. وقد بوَّأَها الجبَّاس مقام البطولة إلى جانبه في الرواية، مُدَّعيًا بأَنَّها قد وقعَت في حبائله، وأُغرمَت به كما أُغرمَ بها. لكنَّ مغامرته تلك اتَّصفَت بالسُّخف، والغباء، والسُّوقيَّة، وأَثبتَتْ كذِب ادِّعاءَاته عن الهدف من كتابة روايته.

والحقّ هو أَنَّ “فاطمة” تلك لم تكنْ إلاَّ أُكذوبةً مَقيتةً وضيعةً مُتعمَّدة اختلقَها إرضاءً لرغبة مُشغِّليه الخوَنة الأَنذال، ونسخةً طبق الأَصل عن “دولثينا دي طوبوزو” التي ابتدعها “دون كيشوت” من مَعين أَوهامه وتخيُّلاته المريضة لتكون سيِّدة قلبه، إرضاءً لجنون العظمة عنده، مع الأَخذ بالحسبان الفارق العظيم بين رواية الجبَّاس السَّقيمة العقيمة المأفونة ورواية ميغيل دي سرڤانتس التي تُعدُّ من روائع الأَدب العالَميّ، والتي استمدَّت منها الثقافاتُ المختلفة أَفكارًا رفيعة الشأن! ويقينًا أَنَّ كلَّ مَن في تلك المؤسَّسة الثقافيَّة الداهشيَّة في نيويورك لا يعبأُون بمثل تلك السفاسف، ولا يُعيرُون أَصحابها الكذَبة أَيَّ التفات!

هذه الاختلاقات والأَكاذيب ومثيلاتها في رواية الدكتور الجبَّاس تبنَّتها الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم كحقيقةٍ واقعة بدل أَن تتحقَّق من صحَّتها وتُعلن زَيْفها على الملإ، ثمَّ راحت تكيلُ الاتِّهامات الباطلة للدكتور داهش من مَعين فكرها الظلاميّ التكفيريّ، بلا وازعٍ من ضميرٍ أَو وجدان. ففي مقالتها العَجْفاءِ تلك، نراها تُقوِّلُ الدكتور داهش ما لم يَقُلْه قطّ، وتَستقي من مؤَلَّفاته الأَدبيَّة ما ليس فيها على الإطلاق، وتَنسبُ إلى عقيدته الروحيَّة من الأَباطيل ما لم تَعهدْه تلك العقيدة قطعًا، وتُهاجمُه في أُمورٍ تدَّعي بأَنَّه يؤمنُ بها، وهي لا صلةَ لها بفكره من قريبٍ أَو بعيد. فتلك العقيدة هي خلاصةُ مبادئَ وأَفكارٍ فلسفيَّة كان الدكتور داهش يؤمنُ بها، ويُعلنُها على رؤوس الأَشهاد، وتجدُ سبيلها بشكلٍ عفويّ إلى كتاباته الأَدبيَّة، على اختلاف موضوعاتها والفنون التي تنتمي إليها، وهو لم يَكتبْ بنفسه أَيَّ كتابٍ خاصٍّ عنها. فالقارئُ لمؤَلَّفاته الأَدبيَّة يُدركُ، في الحال، أَنَّ أَدبه لا ينفصلُ قطُّ عن فلسفته، شأنُه في ذلك شأنَ الفلاسفة الإغريق قبل سُقراط، وڤولتير، ونيتشه، والأُدباء العرب القُدامى، أَمثال التوحيديّ، “أَديب الفلاسفة”، ومَسْكوَيه، “فيلسوف الأُدباء”… فأَدبُه وفلسفتُه ينبثقان، مُتمازجَيْن، من ينبوع ذاته وقد ارتَويا من أَحاسيسه ومشاعره المُرهَفة الصَّادقة، وتأَمُّلاته البعيدة، ويسريان معًا في وحدةٍ مُتماسكة لتأدية الهدف المنشود. وقد صرَّح الدكتور داهش بذلك بنفسه، في أَكثرَ من مُناسبة، أَمام سائليه عن كتاب عقيدته الفلسفيَّة، مُجيبًا إيَّاهم بالقول: “عقيدتي في كتُبي.” ولقد أَثبتَت الكاتبة، في ما ساقَتْه عنه في مقالتها، بأَنَّها جاهلةٌ كلَّ الجهل بكلِّ ما له صلةٌ بحياته وأَدبه وفكره وخوارقه وإنجازاته وأَهدافه وتاريخه، وبأَنَّها تتحاملُ عليه تحامُلاً غاشمًا، مُتَّهمةً إيَّاه بالكُفر، وعبادة الشيطان، ومُعاداة الدين الإسلاميّ، والقرآن، وغيرها من التُّهم الباطلة التي سنَردُّ عليها في مقالاتٍ لاحقة، وندكُّ أَركانها دكًّا، فلا تقومُ لها من بعد ذلك قائمة. ويقينًا أَنَّها، في سَوْرة تعصُّبها الدينيّ الأَعمى، قد تخيَّلَتْ نفسها بأَنَّها حاميةَ حِمى الإسلام، وحاملةَ لواء “يا غَيْرة الدين”، عن سُخْفٍ وبلاهةٍ تامَّين!… (للمقالة تتمَّة)

* كاتب لبنانيّ مُقيم في كندا

 

 

قطعة مقتطفة من كتاب إبتهالات خشو عية للدكتور داهش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى