الذكرى الـ 78 للنكبة: من إحباط التهجير في غزة إلى سبل إنقاذ الضفة

حسن حردان
تحمل الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة الفلسطينية هذا العام (2026) دلالات سياسية واستراتيجية بالغة الحساسية، بالنظر إلى التحوّلات الميدانية الكبرى في قطاع غزة والضفة الغربية.
ما هي أبرز هذه الدلالات، والسبل الكفيلة بإحباط سياسات الاستيطان والتهجير الإسرائيلية…
أولاً: دلالات إحياء ذكرى النكبة هذا العام
الدلالة الأولى: فشل المشروع الصهيوني بإحداث نكبة ثانية في غزة.
أبرز دلالات هذا العام هي انكسار استراتيجية التهجير القسري. رغم حجم الدمار الهائل وسياسة الأرض المحروقة التي اتّبعها الاحتلال في قطاع غزة، إلا أنه فشل في تحقيق هدفه الاستراتيجي المتمثل في دفع الكتلة البشرية الفلسطينية نحو سيناء. هذا الصمود الأسطوري شعباً ومقاومة أعاد تعريف “النكبة”؛ فلم تعد مجرد محطة بكائية على اللجوء، بل أصبحت نقطة تحوّل تؤكد عجز الاحتلال عن تكرار سيناريو عام 1948 المتمثل في إخلاء الأرض من سكانها.
الدلالة الثانية: وحدة الشعب الفلسطيني وسقوط أوهام تجزئته،
تأتي هذه الذكرى لتؤكد وحدة المصير الجغرافي والسياسي للشعب الفلسطيني. المحاولات الإسرائيلية لعزل غزة عن الضفة والقدس وتجزئة الشعب الفلسطيني ونضاله ضدّ المحتلّ ومخططاته تحطمت؛ إذ يدرك الفلسطينيون اليوم أنّ ما يجري في الضفة الغربية من قضم صامت للأراضي هو الوجه الآخر للحرب الشاملة على غزة، وأنّ الهدف النهائي للمشروع الصهيوني يظلّ واحداً: السيطرة الكاملة على الجغرافيا الفلسطينية من النهر إلى البحر.
الدلالة الثالثة: انكشاف حقيقة الصهيونية الدينية،
الاستيطان المتسارع في الضفة الغربية لم يعد مجرد “توسيع مستوطنات”، بل هو تطبيق عملي لخطة “حسم الصراع” التي تقودها اليمينية الفاشية في الحكومة الإسرائيلية. إحياء النكبة اليوم يسلّط الضوء على أنّ الاحتلال انتقل من مرحلة “إدارة الصراع” إلى مرحلة محاولة “الحسم الجغرافي والديمغرافي” عبر تشريع البؤر الاستيطانية ومصادرة مساحات من الاراضي المصنفة (ج).
الدلالة الرابعة: التحوّل في موقف الرأي العام العالمي،
تتزامن الذكرى هذا العام مع عزل غير مسبوق للاحتلال على الساحة الدولية، تمثل في تنامي الحراك الطلابي العالمي، والاعترافات المتتالية بدولة فلسطين، والدعاوى القضائية الدولية (في محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية). النكبة لم تعد رواية منسية، بل أصبحت قضية حية ومستمرة في الوعي العالمي سقطت معها الرواية الصهيونية المخادعة والمضللة.
ثانياً: سبل إحباط السياسة الاسرائيلية والاستيطانية،
إنّ مواجهة مشروع الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وإحباط مخطط “النكبة الصامتة” في الضفة يتطلب استراتيجية وطنية فلسطينية شاملة تتجاوز أدوات الإدارة التقليدية، وترتكز على المحاور التالية:
المحور الأول: صياغة استراتيجية وطنية موحدة تقوم على:
إنهاء الانقسام: إنّ المدخل الأساسي لإنقاذ الضفة هو قيادة وطنية موحدة تجمع كافة القوى الفاعلة، تضع حداً للانقسام السياسي وتؤسس لبرنامج نضالي مشترك.
تغيير وظيفي للسلطة الفلسطينية: إعادة النظر في التزامات السلطة الفلسطينية، وتحديداً وقف التنسيق الأمني والتحلل من الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية التي تستغلها “إسرائيل” كغطاء لتمرير الاستيطان.
المحور الثاني: تفعيل المقاومة الشعبية الشاملة من خلال،
لجان الحماية الشعبية: تشكيل وتفعيل لجان حراسة وحماية شعبية منظمة في القرى والبلدات المحاذية للمستوطنات للتصدي لاعتداءات المستوطنين المسلحين.
تعزيز صمود المناطق المهددة: توجيه الموازنات الحكومية والأهلية لدعم المزارعين وسكان المناطق (ج) والأغوار ومسافر يطا، عبر توفير البنية التحتية، ودعم قطاع الزراعة، وتثبيت المواطنين في أراضيهم باعتبار الصمود البشري هو خط الدفاع الأول ضد المصادرة.
المحور الثالث: المعارك القانونية والدبلوماسية الدولية عبر…
تفعيل المسار القضائي الدولي: الاستثمار الأقصى في قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وملاحقة قادة الاحتلال وقادة الحركات الاستيطانية كـ “مجرمي حرب”.
فرض عقوبات على منظومة الاستيطان: الضغط الدولي ليس فقط على المستوطنين كأفراد، بل على الشركات والبنوك الإسرائيلية والدولية التي تموّل الاستيطان، والمطالبة بمقاطعة شاملة لمنتجات المستوطنات.
المحور الرابع: بناء جبهة دعم عربية واقليمية تتولى…
ربط المسارات السياسية: الضغط باتجاه وقف أيّ مسارات تطبيعية مجانية مع كيان الاحتلال، وربط أيّ علاقات إقليمية مع الاحتلال بوقف الاستيطان فوراً وتفكيك البؤر الرعوية والزراعية التي تلتهم الضفة.
الدعم المالي المباشر: تأسيس صناديق عربية وإسلامية مخصصة لـ “دعم القدس والضفة الغربية” لتمويل شراء الأراضي المهددة، ودعم صمود المواطنين قانونياً ومادياً.
إنّ إحياء ذكرى النكبة في ظلّ هذه المعطيات يثبت أنّ الشعب الفلسطيني قد تجاوز مرحلة “الضحية المستسلمة” إلى مرحلة “الفاعل المقاوم” الذي يمتلك القدرة على إفشال مشاريع التصفية. وإذا كان الصمود في غزة قد أحبط التهجير الجسدي، فإنّ صياغة استراتيجية وطنية موحدة ومقاومة في الضفة هي الكفيلة بإحباط التهجير الجغرافي وقضم الأرض.
