قراءة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان : “لبنان: قرار التدمير اتُّخذ.. ماذا بعد؟…قلعة الشقيف تخليٌّ مقصود أم إنجاز إسرائيلي؟”

يطرح ميخائيل عوض في هذه الحلقة قراءة شديدة الحدة لمسار الحرب الدائرة على لبنان، منطلقًا من فرضية أساسية مفادها أن ما يجري لم يعد مجرد عمليات عسكرية متفرقة أو ردود فعل متبادلة، بل بات جزءًا من مشروع سياسي واستراتيجي واسع النطاق اتُّخذ فيه قرار مسبق بإخضاع لبنان وإعادة تشكيله وفق رؤية إقليمية ودولية أكبر من حدود الصراع اللبناني الإسرائيلي التقليدي.
الضاحية ليست الهدف.. لبنان كله تحت النار
يرى عوض أن التهديدات الأخيرة لنتنياهو باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لا يجب التعامل معها بوصفها إجراءات عسكرية موضعية أو رسائل ضغط تكتيكية، بل باعتبارها مؤشرًا على انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة أكثر خطورة. فالمسألة، وفق قراءته، لم تعد مرتبطة بمربع جغرافي محدد أو بمنطقة نفوذ معينة، وإنما تتعلق بقرار يستهدف مجمل البنية اللبنانية السياسية والاجتماعية والعمرانية.
ومن هذا المنطلق يعتبر أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن تدمير الضاحية ليس سوى مقدمة لما قد يشمل لاحقًا البنى التحتية والمرافق الحيوية والمؤسسات الرسمية والاقتصادية، تمامًا كما جرى في غزة من اعتماد سياسة التدمير الشامل والضغط على البيئة الحاضنة عبر استهداف مقومات الحياة اليومية.
ويذهب أبعد من ذلك حين يربط هذا السلوك بما يصفه بمشروع اقتصادي سياسي أوسع لترامب ومجموعته، يرى أن لبنان يقع ضمن نطاقه، وأن الحرب ليست معركة حدود أو أمن فقط، بل معركة إعادة تشكيل جغرافيا سياسية واقتصادية للمنطقة بأكملها.
ترامب ونتنياهو.. من يقود الحرب فعليًا؟
في صلب تحليل عوض تظهر فكرة مركزية مفادها أن الحكومة الإسرائيلية لا تتحرك منفصلة عن الإرادة الأمريكية، وأن نتنياهو ليس سوى أداة تنفيذية ضمن مشروع أكبر تقوده واشنطن.
ويستند في ذلك إلى ما يعتبره تنسيقًا كاملاً بين المؤسستين العسكرية والسياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل، بحيث تصبح الضربات الكبرى والاغتيالات والتصعيدات العسكرية جزءًا من غرفة عمليات واحدة لا يمكن الفصل بين أطرافها.
وبناءً على هذه الرؤية، فإن تحميل نتنياهو وحده مسؤولية الحرب يُعد، من وجهة نظره، تضليلًا للواقع، لأن القرار الاستراتيجي الحقيقي يصدر من واشنطن، بينما تتولى إسرائيل مهمة التنفيذ الميداني المباشر. ويشير إلى تقارير إسرائيلية تحدثت عن رغبة ترامب بدمج الجيش الإسرائيلي كجزء من الجيش الأمريكي. ما يعكس أن إسرائيل قاعدة أمريكية عسكرية ومحمية تديرها إدارة ترامب.
أين المحور؟ وأين وحدة الجبهات؟
يطرح عوض أحد أكثر الأسئلة حساسية في خطابه السياسي: إذا كانت هناك بالفعل وحدة ساحات ووحدة جبهات، فلماذا يستمر لبنان وغزة في تحمل العبء الأكبر من الحرب؟
وهو يرى أن الأحداث الحالية تفرض إعادة طرح هذا السؤال بقوة، خاصة مع استمرار القصف والتدمير والتهجير، في مقابل غياب ما يعتبره ردًا متناسبًا من بقية أطراف المحور.
لكن عوض لا يذهب إلى استنتاجات حاسمة، بل يترك الباب مفتوحًا أمام احتمال وجود حسابات استراتيجية أعمق لم تظهر بعد، أو خطط مؤجلة ترتبط بتوقيتات ومعادلات لم تتكشف بالكامل حتى الآن.
لماذا يزداد نتنياهو عدوانية؟
بحسب عوض، فإن التصعيد الإسرائيلي لا يعكس قوة مطلقة بقدر ما يعكس أزمة متفاقمة داخل إسرائيل نفسها.
فنتنياهو، وفق هذه القراءة، يواجه ضغوطًا سياسية وشعبية متزايدة، وانتقادات عسكرية من ضباط وقادة سابقين يتحدثون عن فشل في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب. كما يواجه استحقاقات انتخابية وقضائية تجعل استمراره السياسي مرتبطًا إلى حد كبير بإبقاء حالة الحرب مفتوحة.
لذلك يعتقد أن التصعيد ضد لبنان يحمل بعدًا داخليًا لا يقل أهمية عن أبعاده العسكرية، إذ يتحول العدوان إلى وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية وتأجيل الاستحقاقات التي قد تهدد مستقبل نتنياهو الشخصي والسياسي.
منطق الاستنزاف: لماذا لا ينهي حزب الله المعركة؟
من النقاط التي يركز عليها عوض اعتقاده بأن الأداء العسكري للمقاومة في المرحلة الحالية لا يعكس عجزًا أو ضعفًا، بل يعكس انتقالًا متعمدًا إلى استراتيجية الاستنزاف الطويل.
فالهدف، وفق تصوره، ليس خوض معركة حاسمة وسريعة، وإنما استنزاف الجيش الإسرائيلي تدريجيًا وإجباره على دفع أثمان متزايدة بشريًا وماديًا ونفسيًا.
ويستشهد في هذا السياق بتوسع مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة وعودة المستوطنات الشمالية إلى حالة الشلل، معتبرًا أن ذلك مؤشر على وجود قدرة عملياتية متنامية رغم حجم التدمير الهائل الذي يتعرض له لبنان.
قلعة الشقيف: مبادئ حرب العصابات امنح عدوك إنجازا واستدرجه حيث تقبض عليه
يخصص عوض جزءًا مهمًا من الحلقة لتحليل مسألة السيطرة الإسرائيلية على قلعة الشقيف، رافضًا التعامل معها باعتبارها إنجازًا عسكريًا حاسمًا.
ويتوقف ميخائيل عوض مطولًا عند حدث قلعة الشقيف بوصفها نموذجًا لفهم طبيعة الحرب الدائرة اليوم، رافضًا مقاربة الحدث من زاوية الصورة الإعلامية التي سارع الاحتلال إلى تسويقها باعتبارها إنجازًا عسكريًا كبيرًا. فبحسب قراءته، فإن السؤال العسكري الحقيقي لا يبدأ من لحظة رفع العلم أو إعلان السيطرة على موقع مرتفع، بل من السؤال الأكثر أهمية: ماذا وجد المهاجم بعد كل هذا الجهد؟ وما القيمة العملياتية التي حققها فعليًا مقارنة بالكلفة التي دفعها؟
يرى عوض أن العقيدة العسكرية التقليدية التي كانت تمنح المرتفعات والقلاع والمواقع الحصينة قيمة حاسمة في إدارة المعارك تغيرت جذريًا مع تطور وسائل الاستطلاع والأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة الدقيقة. ففي الحروب الحديثة لم تعد السيطرة على قمة جبل أو قلعة تاريخية تعني بالضرورة السيطرة على الميدان، كما لم يعد التحصن داخل المواقع الثابتة يوفر الحماية التي كان يوفرها في الحروب الكلاسيكية. لذلك فإن قياس النجاح العسكري بعدد التلال أو المواقع التي تم احتلالها يصبح معيارًا ناقصًا إذا لم يقترن بتحقيق أهداف استراتيجية أوسع.
ومن هنا يطرح عوض فرضية أن قرار عدم القتال داخل القلعة قد لا يكون ناتجًا عن عجز أو انهيار أو فقدان القدرة على الدفاع، بل قد يكون قرارًا عملياتيًا مقصودًا اتخذته القيادة الميدانية انطلاقًا من حسابات الكلفة والعائد. فالدفاع عن موقع ثابت ومكشوف، مهما بلغت رمزيته التاريخية، قد يؤدي إلى استنزاف قوة بشرية وقتالية يمكن توظيفها بصورة أكثر فاعلية في مواقع أخرى تتيح مرونة أكبر للمناورة والكمائن والضربات الصاروخية الموجهة.
ويشير إلى أن المعارك التي خاضتها المقاومة في بلدات الجنوب خلال الأشهر الماضية أظهرت تفضيلًا واضحًا لعقد دفاعية متحركة ومناطق اشتباك مختارة بعناية، حيث يجري استدراج القوات المهاجمة إلى ممرات إجبارية ومناطق مكشوفة قبل استهدافها بالصواريخ الموجهة والعبوات والطائرات المسيّرة. وفي هذا النوع من الحروب تصبح الأرض أداة لاستنزاف العدو أكثر من كونها هدفًا بحد ذاتها، وتصبح المحافظة على القوة القتالية أهم من المحافظة على موقع جغرافي مهما بلغت أهميته الرمزية.
ويضيف عوض أن الاحتلال نفسه قدم، من حيث لا يدري، دليلًا على محدودية قيمة الإنجاز عندما أعلن أنه لم يعثر على تشكيلات قتالية كبيرة أو مخازن أسلحة أو بنى عملياتية مركزية داخل القلعة. فهذا الإعلان، وفق منطقه، يعني أن الموقع لم يكن يشكل مركز ثقل عسكريًا للمقاومة، وأن التخلي عنه لم يؤثر على قدرتها القتالية أو على استمرار عملياتها في الجبهة الجنوبية.
عسكريًا، يعتقد عوض أن الخطر الحقيقي على أي قوة متقدمة لا يكمن في الوصول إلى الموقع المرتفع، بل في القدرة على الاحتفاظ به وتأمين خطوط الإمداد المؤدية إليه. فكلما توغلت القوات داخل مناطق معادية أصبحت أكثر عرضة للاستنزاف، وتحولت المواقع التي تم الاستيلاء عليها إلى نقاط عبء لوجستي تحتاج إلى حماية دائمة وقوات إضافية ووسائط دعم مستمرة. وعند هذه النقطة قد يتحول ما يبدو إنجازًا تكتيكيًا إلى عبء عملياتي يستهلك القوة المهاجمة بدل أن يعزز قدرتها الهجومية.
لذلك يخلص عوض إلى أن تقييم ادعاء السيطرة على الشقيف لا ينبغي أن يتم وفق معيار السيطرة الميدانية اللحظية، بل وفق نتائجها اللاحقة. فإذا تمكن الاحتلال من تحويل الموقع إلى نقطة ارتكاز تغير موازين المعركة، يمكن عندها الحديث عن إنجاز حقيقي. أما إذا تحول الموقع إلى هدف دائم للاستنزاف والنيران والكمائن، فإن ما جرى قد يكون مثالًا كلاسيكيًا على نجاح المدافع في دفع خصمه إلى التمسك بمكسب رمزي مرتفع الكلفة ومحدود الجدوى العسكرية.
ومن هذا المنظور تصبح قلعة الشقيف، في قراءة عوض، ليست قصة موقع سقط أو موقع صمد، بل نموذجًا لصراع بين عقليتين عسكريتين: عقلية تبحث عن صورة النصر ورفع الأعلام والسيطرة على الجغرافيا، وعقلية أخرى تراهن على استنزاف الخصم وتآكل قدراته مع الزمن، معتبرة أن معيار الانتصار الحقيقي ليس عدد المواقع المحتلة، بل قدرة كل طرف على فرض إرادته السياسية والعسكرية في نهاية الحرب.
وبالتالي فإن التخلي عنها قد يكون جزءًا من عملية استدراج للعدو إلى مواقع مكشوفة يسهل استهدافها لاحقًا، بدلًا من خوض معركة دفاعية مكلفة فوق تلة أو قلعة تاريخية.
هل تغيرت قواعد الحرب؟
من خلال تتبع التطورات الميدانية، يعتقد عوض أن قواعد الاشتباك التي حكمت المواجهة خلال الأشهر الماضية بدأت تتغير تدريجيًا.
فإذا كانت إسرائيل تراهن على فرض معادلة الردع عبر التدمير، فإن المقاومة تحاول بالمقابل فرض معادلة استنزاف طويلة المدى تجعل كل تقدم بري مكلفًا وكل إنجاز ميداني محدود القيمة أمام الخسائر المتراكمة.
ومن هنا يطرح احتمال أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة صياغة لقواعد الردع نفسها، سواء عبر توسيع نطاق الأهداف أو عبر تطوير أدوات الضغط المتبادل بين الطرفين.
لبنان أمام مرحلة مفصلية
الخلاصة التي يصل إليها عوض هي أن لبنان يقف أمام مرحلة مختلفة عما سبقها. فقرار التصعيد، بحسب تقديره، قد اتُّخذ بالفعل، وأن الأيام المقبلة مرشحة لموجات أعنف من القصف والاستهداف.
ومع ذلك فهو يرى أن المشهد لا يمكن قراءته فقط من زاوية حجم الدمار، بل يجب النظر إليه من زاوية موازين القوى طويلة الأمد، وقدرة الأطراف المتحاربة على تحمل الاستنزاف واستمرار القتال.
وبينما يقر بأن التضحيات اللبنانية هائلة وأن الكلفة الإنسانية والعمرانية باهظة، فإنه يعتبر أن الحكم النهائي على مسار الحرب لم يصدر بعد، وأن ما يظهر على السطح من أحداث قد لا يعكس كامل ما يجري في العمق من حسابات وخطط واستراتيجيات.
وبذلك يبقى السؤال الذي يطرحه عنوان الحلقة مفتوحًا: هل كان التخلي عن قلعة الشقيف تراجعًا وخسارة، أم خطوة محسوبة ضمن معركة استنزاف أكبر؟ وهل دخل لبنان فعلًا مرحلة تنفيذ قرار التدمير الشامل، أم أن ما يجري هو الفصل الأخير قبل تبدل موازين الصراع من جديد؟




