إيران وورقة الطاقة والمأزق الأميركي…!

حسن حردان
تتجه الأنظار العالمية هذه الأيام بقلق بالغ نحو المنطقة، حيث تشهد المواجهة العسكرية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفاً يتجاوز البعد الجيوسياسي التقليدي ليلامس عصب الاقتصاد العالمي مباشرة. ومع دخول أسعار النفط لمنطقة ساخنة باختراقها حاجز 100 دولار للبرميل، لم تعد الأزمة مجرد تجاذبات سياسية عابرة، بل تحوّلت إلى حرب استنزاف شاملة تمسك فيها طهران وحلفاؤها بمفاتيح شرايين الطاقة العالمية لوقف العدوان الأميركي المتمادي والساعي الى فرض هيمنة الولايات المتحدة بالقوة العسكرية المفرطة.
البعد الاستراتيجي:
شلل شرايين الإمداد
يشكل الإغلاق الفعلي والحصار المفروض على حركة الملاحة في باب المندب والموانئ السعودية نقطة التحوّل في المشهد الأمني الراهن. فبعد أن كان العالم يعوّل نسبياً على الممرات البديلة للالتفاف على التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، جاء التصعيد الأخير في البحر الأحمر ليقطع آخر خيوط التنفس لأسواق الطاقة.
إنّ استهداف السفن ومنع خروجها من الموانئ السعودية (من قبل صنعاء في إطار معادلة الحصار بالحصار) يضع الاقتصاد العالمي أمام معادلة كارثية؛ إذ لم يعُد التهديد محصوراً في صادرات إيران النفطية الخاضعة للعقوبات، بل امتدّ ليشمل قلب الإنتاج الخليجي السعودي الموجه نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية، مما يعزز إمساك طهران بورقة الضغط الأقوى: خنق إمدادات النفط العالمية، لأجل الضغط على واشنطن لوقف عدوانها ورفع الحصار عن إيران.
المأزق الأميركي
والخيارات العسكرية الضيقة
تجد الإدارة الأميركية نفسها رهينة لمعضلة معقدة. فالتلويح بشنّ هجمات مكثفة وموسعة ضدّ البنية التحتية الإيرانية يعكس محاولة واشنطن اليائسة في سعيها لردع طهران وحلفائها في محور المقاومة وإعادة فتح الممرات المائية بالقوة العسكرية.
ومع ذلك، تحذر الدوائر التحليلية ومراكز الأبحاث الأميركية من أنّ هذا الخيار يقف عند طريق مسدود استراتيجياً. فالضربات الجوية والعمليات العسكرية المحدودة أثبتت عجزها عن إضعاف الموقف الإيراني واخضاع ايران، أو وقف حرب الاستنزاف المتبادلة، بل إنها تدفع المنطقة تدريجياً نحو سيناريو الحرب الإقليمية المفتوحة التي يصعب التنبّؤ بمدياتها الزمنية وتكلفيتها الجيوسياسية.
التداعيات الاقتصادية:
شبح الركود والتضخم
على الصعيد الاقتصادي، ترسم قراءات مؤسسات الطاقة الكبرى (مثل “ريستاد إنرجي” و”غولدمان ساكس”) سيناريوات قاتمة للأسواق. إنّ استمرار الشلل في مضيقي هرمز وباب المندب ينذر بدفع أسعار النفط نحو مستويات قياسية قد تتخطى 120 دولاراً للبرميل.
هذا الارتفاع الجنوني لن يقف عند حدود تكلفة الوقود، بل سيشعل موجة تضخمية عالمية عارمة تضغط على الاقتصادات الكبرى والناشئة على حدّ سواء، وتهدّد بإدخال الاقتصاد الدولي في دائرة ركود تنافسي حادّ، تماماً كما تتوقع الصحف والتقارير الاقتصادية الغربية.
الخلاصات والاستنتاجات
1-تآكل أوراق الردع التقليدية: أثبت التصعيد العسكري المتبادل فشل استراتيجية الضربات الجوية الردعية في تأمين الملاحة الدولية، مما يؤكد أنّ الأزمة بحاجة ماسة لمعالجات دبلوماسية جذرية بدلاً من الضغوط العسكرية العقيمة.
2-مركزية ورقة الطاقة: نجحت إيران وحلفاؤها في تحويل الجغرافيا السياسية للبحار والمضائق إلى أداة ضغط قصوى، مما يجعل استقرار الاقتصاد العالمي رهيناً بمدى سرعة احتواء جبهة البحر الأحمر وباب المندب، وفتح مضيق هرمز.
3- الحاجة الى صغط دولي على واشنطن: إنّ بقاء أسعار النفط فوق حاجز 100 دولار واقترابها من مستويات كارثية يحتم على المجتمع الدولي الضغط على واشنطن لتفادي استمرار التصعيد والعودة الى مسار إسلام آباد، لتفادي أزمة تضخم وركود عالمي قد تكون تداعياتها أشدّ قسوة من الصراع العسكري نفسه…

