مقالات رأي

أَهلُ الفكر عندما يُصبحُون دُعاة تكفير! (٨)  

ردٌّ على أَكاذيب الدكتور سامح الجبَّاس

والكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم

وافتراءَاتهما الباطلة على الدكتور داهش وأَدبه وفكره

الجزءُ الثامن

*ماجد مهدي

… لقد كان من المفترض بالكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم أَن تتوجَّه بالنقد إلى رواية “رابطة كارهي سليم العشِّي”، موضوع المناقشة في “صالون سالمينا الثقافيّ” بالقاهرة، وإلى مؤَلِّفها الدكتور سامح الجبَّاس، ضمن المداخلة النقديَّة التي قدَّمَتْها حول الرواية. لكنَّها، خلافًا لذلك، راحت تهاجمُ سليم العشِّي، المعروف بالدكتور داهش، هجومًا لاذعًا، مُلصقةً التُّهم الكاذبة بشخصه وأَدبه وفكره وخوارقه ومُريديه، وموجِّهةً إليه نعوتًا نابية بلغةٍ مُسفَّة أَقلُّ ما يُقالُ فيها إنَّها عديمةُ الأَدب، مخالفةً بذلك قواعد النقد المعروفة وأَدبيَّات التخاطب والمناقشة. وقد انسحب الأَمرُ نفسُه على مقالتها “العقيدة الداهشيَّة… دعوةٌ للكفر” التي نشرَتها على موقع “الأَنطولوجيا” الأَدبيّ، يوم الإثنين الموافق السادس من مارس (آذار) ٢٠٢٣، والتي تُعدُّ نُسخةً مُنقَّحةً ومَزيدة عن مُداخلتها الآنفة الذكر.

ومن المفارقات النادرة في تلك المداخلة أَنَّ الكاتبة أَلمحت، في مطلعها، إلى أَمرٍ ما في الرواية كان يتوجَّبُ عليها مناقشة المؤَلِّف في شأنه، لكتَّها اكتفت بذكره دون إبداءِ أَيِّ تعليق عليه. وقد أَسمَتْه “الزَّجّ بأَسماءِ بعض النُّخب الفنِّيَّة والأَدبيَّة والفكريَّة والسياسيَّة والدينيَّة في مصر الذين يعتنقون الداهشيَّة منذ أَن تواصلوا مع سليم العشِّي ذي الأُصول المسيحيَّة، والذي سُمِّيَ بعد ذلك بداهش”.

وكان الدكتور الجبَّاس قد نسَب إلى الكتَّاب المصريِّين توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف السباعي ويوسف إدريس وأَحمد أَمين وعبد الحكيم قاسم ومحمود البدوي التواصل مع الدكتور داهش، وقراءَة مؤلَّفاته، واعتناقهم لعقيدته، سرًّا، استنادًا إلى تساؤلاتٍ طرحها على نفسه، وفرضيَّاتٍ ابتدعها، ومُقارناتٍ أَجراها بين عباراتٍ في بعض مؤلَّفات أُولئك الكتَّاب وعباراتٍ مُشابهةٍ لها في بعض مؤلَّفات الدكتور داهش. كما أَدرج صور بعضهم على غلاف كتابه، وبشكلٍ بارز، للتأكيد على صحَّة ما ادَّعاه في شأنهم. والحقّ أَنَّ تلك التساؤلات والفرضيَّات والمقارنات، والاستنتاجات التي خلَصَ إليها، قد اتَّسمَت بالسُّخف والسطحيَّة، ولم تَعْدُ كوْنَها تلفيقةً جنونيَّة ربطَ بها زُوْرًا بين الدكتور داهش وأُولئك الكتَّاب، خلافًا لإراداتهم جميعًا، وأُكذوبةً مُخجِلة لا تليقُ بشخصه، وتَدينُه بالتزوير الفكريّ، وبعدم الأَمانة في البحث والكتابة، وتفَذلُكٌ أَحمق ينطلي على الأَغبياء والبُسطاء دون سواهم!

أَمَّا إدراجُه صور بعض أُولئك الكتَّاب على غلاف كتابه، فكان القصدُ منه إبراز فُذوذيَّته في الكشف عن أَسرار الرجالات العِظام، واقتناص الشُّهرة والمجد لنفسه على حساب الدكتور داهش وعقيدته، والتسويق لروايته لجَني المزيد من المال عن طريقها. ولقد كان في إمكان الكاتبة أَن تكتشفَ ذلك التضليل المُتعمَّد من قِبَله لو أَنَّها قامَت بما يُمليه عليها واجبُها كناقدة، ولو أَنَّها كانت على بعض معرفةٍ بأَدب الدكتور داهش وفكره. وقد كان من واجبها، أَيضًا، أَن تأخذ بتلابيب المؤلِّف، وتُصارحه بأَمر تلك التلفيقة البشعة التي ابتدعها، وأَن تتوجَّه إليه بصارم الكلام على التزوير الفكريّ البالغ الخطورة الذي مارسه من خلالها.

والحقّ الذي يجب أَن يُقال هو أَنَّ أُولئك الكتَّاب المصريِّين لم يتواصلوا مع الدكتور داهش، ولا اعتنقوا عقيدته، ما خلا الفنَّان يوسف وهبي الذي زار الدكتور داهش في منزله في بيروت، علانيةً، أَكثر من مرَّة، وشاهد بعضًا من خوارقه، وشارك في احتفالٍ أُقيم في منزله بذكرى مولده، وحضر المحاضرة التي أَلقاها الدكتور غازي براكس في الجامعة الأَمريكيَّة في بيروت حول “معجزات الدكتور داهش ووحدة الأَديان”، وكتب مقدِّمةً لكتاب “معجزات وخوارق الدكتور داهش” للصُّحفي لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلَّة “المصوَّر” المصريَّة، سرَد فيها بعض ما شاهده بنفسه من خوارق الدكتور داهش العجيبة. كما قدَّم إحدى صوره الشخصيَّة هديَّةً له، مُرفِقًا إيَّاها بكلمةٍ كتبها بخطِّ يده، جاءَ فيها: “السيِّد الدكتور داهش العظيم. إلى زعيمٍ روحانيّ وشخصيَّةٍ من أَحبِّ الشخصيَّات التي شاهدتُ منها ما جعلَني أُؤمنُ بقُدرة المولى على مَنْحِه المواهبَ الجبَّارة لمَنْ يشاء. أَدعو له بطول العُمر لخدمة الناس والإيمان.” وقد نُشرَت تلك الصورةُ والرسالة إلى جانب مُقدِّمته في ذلك الكتاب. لكنَّ الأُستاذ يوسف وهبي لم يدَّعِ يومًا اعتناقه العقيدة الداهشيَّة، ولا أَشار الدكتور داهش إلى هذ الأَمر، علمًا بأَنَّ ذلك لم يؤثِّر سلبًا على الصداقة بين الرجُلين، ولا أَفسد للودِّ قضيَّةً بينهما. كما إنَّ كلاًّ منهما لم يُخْفِ أَمر لقاءَاته بالآخر.

وقد كان من عادة الدكتور داهش أَن يدوِّن يوميًّا كلَّ ما كان يجري معه من أَحداث، وذلك في مفكِّرته اليوميَّة الخاصَّة، بما فيها لقاءَاته مع مُريديه ومُحبِّيه وأَصدقائه وزائريه من الأُدباء والشُعراء والمُفكِّرين والصُّحفيِّين والسياسيِّين ورجال الدِّين. وكان يواظبُ على التدوين اليوميّ، حتَّى في خلال الرحلات التي كان يقومُ بها حول العالَم. وقد جمَع تلك اليوميَّات التي دوَّنها خلال رحلاته، ونشرها في موسوعةٍ من ٢٢ مجلَّدًا، أَسماها “الرحلات الداهشيَّة حول الكرة الأَرضيَّة”. والجدير بالذكر أَنَّه قد خصَّ مصر ببعضٍ من تلك الرحلات، والتقى في خلالها كتَّابًا وأُدباء ورجال سياسةٍ كبار، بمَن فيهم نائب الرئيس المصريّ الأَسبق الأُستاذ زكريَّا محيي الدِّين، ووزير الاقتصاد السابق حسن عبَّاس زكي، وسفير هولاندا المفوَّض في القاهرة، والكاتب الدكتور رؤوف عبيد، وسواهم الكثير. وكان يدوِّنُ في كتب رحلاته تلك كلَّ ما كان يجري بينه وبينهم، بما فيها الأَسئلة التي كانوا يطرحونها عليه حول مفهوم العقيدة الداهشيَّة، وحول أَسباب اضطهاده في لبنان من قِبَل رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة، بشاره الخوري (١٩٤٣-١٩٥٢)، والإجابات التي كان يردُّ بها عليهم، ويذكرُ بالتفصيل الخوارق التي كان يجترحُها أَمامهم، استجابةً لطلبهم، والشروح التي كان يقدِّمها لهم عن أَسباب حدوثها، والغاية منها. وكان يُسهبُ في ذِكر تفاصيل ما كان يجري معه في أَثناءِ تلك اللقاءَات، خلافًا لما أَوحى به الجبَّاس في كتابه. ويقينًا أَنَّه لو كانت قد حصلَت لقاءَاتٌ بينه وبين تلك النُّخبة من الكتَّاب، ولو أَنَّهم اعتنقوا عقيدته لَما تردَّد لحظةً في الإعلان عن ذلك كلِّه في رحلاته، على غرار ما فعلَه في شأن لقاءَاته مع الشخصيَّات التي سبق ذكرُها، ولَكان تحدَّث عنها بالتفصيل أَمام مُريديه وأَصدقائه، إذْ ليس ثَمَّةَ ما يَضيرُه في ذلك.

ولقد استمعتُ بنفسي إليه مرارًا وهو يتحدَّثُ عن بعض لقاءَاته مع شخصيَّاتٍ مصريَّة، سواءٌ ما جرى منها في مصر أَو في منزله في بيروت، وعن آرائه ببعض الكتَّاب المصريِّين. وقد عبَّر مرارًا عن استيائه الكبير من الكاتب توفيق الحكيم بسبب ما تضمَّنه كتابُه “عودة الوعي” من تهجُّمٍ على الرئيس جمال عبد الناصر وسياسته وحُكمه، بعد أَن طواه الموت وأَصبح ضجيع التُّراب، ومن ادِّعاءٍ بأَنَّ الشعب المصريّ كان فاقدًا للوعي إبَّان عهده، علمًا بأَنَّه كان مدَّاحًا له عندما كان في سُدَّة الحُكم. ففي نظره أَنَّ موقف الحكيم هذا مُخزٍ ومَعيب، ويأباهُ كلُّ حرٍّ يتحلَّى بالشجاعة الأَدبيَّة والوفاء، وأَنَّ الواجب كان يقضي عليه بأَن يعلن موقفه على الملإ إبَّان حكم الرئيس عبد الناصر، إذا كان مقتنعًا بوقوع ظلمٍ على الشعب، لا بعد ارتحال الرئيس عن الدُّنيا وملاقاته وجه ربِّه. وقد أَعطى المثل على ذلك من نفسه، إذ إنَّه واجه الرئيس اللبنانيّ، بشاره الخوري (١٩٤٣-١٩٥٢)، الذي اضطهده بالظُّلم، وشوَّه سمعته أَمام الرأي العامّ اللبنانيّ، وجرَّده من جنسيَّته اللبنانيَّة، وأَخرجه عنوةً من وطنه. فشنَّ عليه حربًا قلميَّةَ طاحنة إبَّان عهده، لا بعدَه، دامت ثماني سنواتٍ أَدَّت إلى سقوطه القسريّ عن سدَّة الحكم في ١٨ سبتمبر (أَيلول) ١٩٥٢. لكنَّه أَوقف تلك الحرب القلميَّة عليه بعد ذلك التاريخ، إيمانًا منه بأَنَّ مواجهة الحاكم الظالم يجب أَن تتمَّ وهو في عزِّ حكمه، لا بعد أَن يصبحَ خارجَه!

ومن الغرابة بمكان أَنَّ الدكتور داهش لم يكفَّ عن لَفْت النظر إلى موقفه الصارم من توفيق الحكيم على الرغم من مرور السنين الطويلة. فبعد انقضاءِ ثلاثة عشر عامًا على وفاة الرئيس عبد الناصر، وأَحد عشر عامًا على صدور كتاب “عودة الوعي”، وفي أَثناء وجوده في فندق الهلتون بلندن، من ضمن رحلةٍ قادَته إلى بعض دول أُوروبا والهند وكندا، عام ١٩٨٣، يُعيد الدكتور داهش طَرْح تلك المسأَلة في كتاب رحلته العشرين من خلال قراءَته في كتاب “سقوط توفيق الحكيم”، للكاتب حَسَنَين كرُّوم، واستشهاده بمقطعين منه. وقد جاءَ فيهما ما يلي: “وهكذا الوفاء عند توفيق الحكيم، إذ حين كان ناصر حيًّا ومِلءَ السمع والبصر، كان الحكيمُ غائبًا عن وَعْيه ومادحًا له. وحين مات الرجُل، بدأَت ضدَّه أَحطُّ وأَنذلُ الحملات، إذْ سارعَ ليغرسَ أَنيابه في جسده”، و”لماذا يستأسد توفيق الحكيم على زعيمٍ وطنيّ كعبد الناصر يرقدُ جثمانُه دون حركة، ويطويه القبرُ بظُلمته المُوحشة، ويغرسُ أَنيابَه فيه؟!” وفي يقيني أَنَّ الدكتور داهش قد أَدرج هذين المقطعَين في كتابه لأَنَّهما يُعبِّران تمامًا عن موقفه الشخصيّ من تلك المسألة.

فلو كان توفيق الحكيم بالفعل مُعتنقًا للداهشيَّة، كما ادَّعى الدكتور الجبَّاس، وكتبَ ما كتبَه بحقِّ الرئيس جمال عبد الناصر، لَما تردَّد الدكتور داهش لحظةً عن القول فيه إنَّه ليس أَهلاً لتلك العقيدة، إذ إنَّه يحتقرُ كلَّ من لا يحفظُ عهد الوفاء مع عقيدةٍ فكريَّةٍ يؤمنُ بها، أَيًّا تكن تلك العقيدة، الداهشيَّة أَم سواها. فهو لم يتزلَّف يومًا لأَحد، أَيًّا يكن، لكي يعتنق عقيدته. وفي يقينه أَنَّ الذين يعتنقون تلك العقيدة إنَّما يفعلون ذلك عن قناعةٍ تامَّة بمبادئها السامية، وعن انجذابٍ نفسيٍّ إلى القِيم الرفيعة التي تُمثِّلُها، وليس عن مُداهنةٍ أَو مُجاملة، أَو عن مطمعٍ في مالٍ أَو مكانة، وأَنَّهم لا يَخشَون الجَهْر باعتناقهم لها، مهما كلَّفهم ذلك من تضحيات. فالجُبناءُ والخونةُ الأَنذال لا مكان لهم في قاموسه. ولو أَنَّ الدكتور داهش كان على قَيْد الحياة، وعرَف بما لفَّقه الجبَّاس عن علاقته بأُولئك الكتَّاب المصريِّين، وعن أَمر اعتناقهم لمبادئه، لكان هزأَ بأَلاعيبه السخيفة، واحتقَر فعلَته الشنيعة، وحشَره مع زُمرة المُستَكتَبين المأجورين العديمي الأَمانة الذين يَختلقون الأَكاذيب، ويُزوِّرون الحقائق، ويخونون عهد الشرف مع القلم، لغاياتٍ في نفوسهم!.. وإنَّه لَمنَ العار العظيم أَن تُغضي الكاتبة والناقدة فاتن فاروق عبد المنعم عن مثل هذا التزوير الفادح الفاضح الذي مارسه الجبَّاس في كتابه، وأَن تتقاعس عن فَضح خُزَعْبلاته وبَهلوانيَّاته الفكريَّة، وعن تقويم اعوجاجاته، وهو ما كان يقضيه عليها الواجب، وأَن ترهن قلمها المُعتلَّ بالتعصُّب والأَوهام والحقد والتكفير للتجنِّي على الدكتور داهش، رجل الحقيقة الخالدة ومعلِّم الأَجيال الروحيّ، وعلى أَدبه وفكره ومُريديه ومُحبِّيه!… (للمقالة تتمَّة)…

 * كاتب لبنانيّ مُقيم في كندا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى