السقوط في نيويورك سقوط في أورشليم

نبيه البرجي
هل لأحد التصور أن أميركا , كأمبراطورية تقود العالم , بحاجة الى اسرائيل للبقاء في الشرق الأوسط ؟ دعونا ننظر الى البارانوما السوسيوسياسية للبلدان العربية التي تعاني من هشاشة بنيوية في تركيبها القبلي والطائفي . باحثون يعيدون ذلك الى الفائض التاريخي الذي جعلها في حال اجترار عبثي للماضي , والى الفائض الايديولوجي التي دفعها للاقامة على تخوم الغيب .
هذا الواقع الذي حال دون المنطقة العربية والتفاعل مع ديناميات القرن الذي يتجه الى عالم ما بعد التكنولوجيا , مقابل الدولة العبرية التي هي “الابنة الكبرى لأميركا” . أميركا التي تتذرع بكثافة وجودها العسكري على أراضينا بالخشية من “الايديولوجيات المجنونة” . ولكن هل ثمة من ايديولوجيا أكثر جنوناً من الايديولوجيا التوراتية ؟
متى لم تكن أبوابنا مشرعة أمام أميركا التي ما زالت تعاملنا مثلما تعاملت مع الهنود الحمر ؟ هنا نتوقف أمام السؤال الأكثر اثارة والذي بات يقض مضاجع الاسرائيليين “أي مصير لنا أذا كان بقاؤنا رهن ببقاء أميركا في الشرق الأوسط ؟” . ربما كانت المسألة أكثر اثارة بكثير حين تتعلق بما بات يدعى بـ “أزمة اليهود في أميركا” , بعدما أظهرت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في نيويورك ـ وهي الحاضرة اليهودية ـ تراجعاً دراماتيكياً في تأثير اللوبي اليهودي .
وكان ناحوم غولدمان , وهو أحد آباء الدولة , قد لاحظ منذ الثمانينات من القرن الفائت أن الخط الاسبارطي الذي انتهجته اسرائيل لا بد أن يفضي الى سقوطها في دوامة الدم . رأى الحل في تحويل اسرائيل الى “فاتيكان يهودي” . ما حصل الجنوح الهيستيري يميناً (وتوراتياً) لتذهب اسرائيل في الجنون الدموي الى حدودها القصوى , وهو ما ظهرت تداعياته في الرأي العام الأميركي , لتضج وسائل التواصل بالكلام الذي يعني “سقوطنا في نيويورك سقوطنا في أورشليم” .
بالرغم من كل ذلك , وفي حين أن الحكومة اللبنانية ماضية في الطريق التفاوضي مع اسرائيل , لم تتوقف , ولو ليوم واحد , عمليات قتل المدنيين وتدمير منازلهم وحتى حقولهم . في هذه الحال , وحين يخوض بنيامين نتنياهو معركته الوجودية بدماء اللبنانيين , علينا أن نتوقع ـ وبموازاة المفاوضات ـ المزيد من الجنون حتى انتخابات الكنيست .
ولكن أي كوميديا سوداء تلك حين نربط مصيرنا بما تنتجه صناديق الاقتراع في اسرائيل التي تبقى اسرائيل ؟ آخ يا بلدنا ….


