الصحف

لماذا تنتصر إسرائيل في المعارك وتتعثر في طريقها نحو الحسم..؟

 

 

متاي ليدرر
كقاعدة عامة، يمكن القول إنه منذ قيام الدولة وحتى اليوم، لم تشهد إسرائيل حربا واحدة مُنيت فيها بالهزيمة في ساحة المعركة. صحيح أن هناك إخفاقات، ومفاجآت، وحروبا بدأت بداية سيئة، لكن في الاختبار العسكري الحقيقي، انتصرت إسرائيل. ومع ذلك، في كل حرب إسرائيلية تقريبا خلال العقود الأخيرة، تبقى مرارة الهزيمة. ليس لأن جنود الجيش الإسرائيلي لم يكونوا يجيدون القتال، ولا لأن المجتمع الإسرائيلي لم يكن يعرف كيف يحشد صفوفه، ولا لغياب البطولة أو الدهاء أو التضحية أو القدرة العملياتية. تكمن المشكلة الأعمق في مكان آخر: ليس في ساحة المعركة في غزة أو لبنان، بل في الساحة السياسية في القدس أو واشنطن.
الساحة السياسية هي أضعف نقطة في دولة إسرائيل. غالبا ما تتعثر في اللحظة التي يبدأ فيها الجيش الإسرائيلي بالاقتراب من تحقيق نصر حقيقي، ثم، قبل أن تستنفد الحملة العسكرية نفسها، يُمارس الضغط الدولي. قرارات مجلس الأمن، والمكالمات الهاتفية من البيت الأبيض، ووقف الشحنات، وتأخير التسليح، والتهديدات السياسية الضمنية أو الصريحة. باختصار، يرتكز جوهر الضغط الأمريكي على إسرائيل على إمدادها بالأسلحة والذخائر.
بحسب مذكرة التفاهم الموقعة عام ٢٠١٦، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم ٣٨ مليار دولار لإسرائيل خلال العقد الممتد من ٢٠١٩ إلى ٢٠٢٨. من هذا المبلغ، ٣٣ مليار دولار مخصصة للتمويل العسكري الأجنبي، و٥ مليارات دولار أخرى مخصصة للدفاع الصاروخي. عمليا، يصل هذا المبلغ إلى ٣.٣ مليار دولار سنويا للمشتريات الدفاعية، و٥٠٠ مليون دولار سنويا لبرامج الدفاع الصاروخي. إنه مبلغ ضخم، لكنه ليس مجانيا. معظمه مخصص للمشتريات في الولايات المتحدة نفسها. والمعنى واضح: إسرائيل تتلقى مساعدات، لكن هذه المساعدات تزيد من تبعيتها. فهي تعوّد المؤسسة الدفاعية على التفكير من خلال خطوط الإنتاج الأمريكية، ومواعيد التسليم، والموافقات، والاعتبارات السياسية للإدارة. هنا يظهر الضعف جليا.
في لحظة الحقيقة، من يملك زمام الأمور يملك زمام السياسة. فالدولة التي تعجز عن إنتاج معظم ذخائرها الحيوية تحدّ من حريتها في العمل مُسبقا. قد تنتصر تكتيكيا، لكنها ستُعرقل استراتيجيا. بإمكانها المناورة والقصف والمباغتة والسحق، لكن إذا كانت تعلم أنها ستحتاج في مرحلة ما إلى موافقة خارجية للاستمرار، فإنها تدخل المعركة مُقيّدة سياسيا.
إذا كانت دولة إسرائيل ترغب بالانتصار في حروبها القادمة، وليس أمامها خيار آخر، فعليها أن تُعالج هذا الضعف مباشرةً. لا يجوز أن نُغلّف هذا الضعف بشعارات التحالف الاستراتيجي، أو نتظاهر بأن المساعدات مُجرّد هِبة، أو ننعم براحة الشراء من الخارج. علينا أن نطرح سؤالا بسيطا: هل تستطيع دولة تعيش تحت تهديد وجودي أن تعتمد على دولة أخرى في الذخيرة والأسلحة والأنظمة الحيوية..؟ الجواب: لا. من هنا نستنتج استنتاجا حاسما: يجب على إسرائيل إنتاج المزيد من الأسلحة والذخائر بنفسها. لا يوجد مبرر للتظاهر بأن إسرائيل قادرة أو ينبغي لها إنتاج كل طائرة أو محرك أو شريحة إلكترونية بنفسها. لا يمكن لدولة صغيرة أن تمتلك صناعة متكاملة في جميع المجالات بمفردها. مع ذلك، في المجالات التي تتطلب استقلالية تشغيلية فورية، مثل الذخائر، والأسلحة الدقيقة، والصواريخ، والقذائف، والطائرات الاعتراضية، والطائرات المسيّرة، والمركبات الجوية غير المأهولة، وأنظمة القيادة والسيطرة، وقطع الغيار الحيوية، وأنظمة الدفاع الجوي، وتقنيات الإنتاج السريع، يتعين على إسرائيل زيادة إنتاجها المحلي بشكل كبير. هذا ليس مجرد ضرورة أمنية وجودية، بل هو أيضاً محرك اقتصادي وسياسي قوي.
أثبتت صناعة الدفاع الإسرائيلية بالفعل وجود طلب عالمي هائل عليها. فبحسب وزارة الحرب، في عام 2025، حطمت إسرائيل الرقم القياسي لصادراتها الدفاعية للمرة الخامسة على التوالي، لتصل إلى 19.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 30% مقارنةً بعام 2024، أي أكثر من الضعف خلال خمس سنوات، وأربعة أضعاف خلال عقد واحد فقط. ما يثبت أن إسرائيل لا تبدأ من الصفر. بل على العكس، تمتلك واحدة من أقوى القواعد الصناعية والتكنولوجية والهندسية والتشغيلية في العالم.
هناك ثمة فجوة كبيرة بين صناعة تتفوق في التصدير وصناعة تضمن استقلالاً تاماً في زمن الحرب في المجالات الحيوية. يجب سد هذه الفجوة، والأفضل أن يتم ذلك في أسرع وقت ممكن.
لا بد من قول الحقيقة: الاستقلال الدفاعي سيُكلف أموالاً طائلة. فميزانية الدفاع تُثقل كاهل الاقتصاد بالفعل. ومن المتوقع أن يصل الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي إلى ما يقارب 8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، مقارنةً بـ 4.2% في عام 2022. لكن السؤال ليس ما إذا كان ذلك مُكلفاً. السؤال الحاسم هو: أيّهما أكثر تكلفة: بناء استقلال صناعي، أم الدخول مراراً في حروب تُعرقل فيها إسرائيل بسبب اعتمادها على تسليح جهة خارجية..؟
النموذج الأمثل لدولة إسرائيل اليوم هو تحالفٌ لا يخلق لها معوقات أو يشلّها. علاقات متينة مع واشنطن، ولكن دون وضعٍ يُتيح لأي إدارة أمريكية، في لحظة خلاف، تحويل سلسلة الإمداد الأمني إلى أداة ضغط على اسرائيل. ينبغي لإسرائيل أن تسعى جاهدةً إلى وضعٍ تكون فيه المساعدات الأمريكية بمثابة ميزةٍ إضافية، لا مجرد مصدرٍ للدعم. لقد تأسست دولة إسرائيل لأن الحركة الصهيونية أدركت حقيقةً بسيطة: شعبٌ لا يُحدد مصيره بنفسه، سيُحدده غيره. كان هذا صحيحا في حقبة المستوطنات الأولى، ولا يزال صحيحا اليوم في صناعة الدفاع الحديثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى