صحيفة يديعوت أحرونوت: ترامب يتحدث عن المفاوضات لكنه يُخفي خلف ظهره عصا غليظة رون بن يشاي

تُقدّر القيادات السياسية والعسكرية، أن ترامب يرغب في إنهاء الحرب، لكن من المهم بالنسبة له الحفاظ على صورة النصر. وفي إسرائيل، يُرجّح أنه إذا وافق الإيرانيون على معظم المطالب الأمريكية، فسيُفضل ترامب الدبلوماسية، وإلا فسيختار الحل العسكري. السيناريو الأول، هو أن ترامب يعتقد أن النصر قد تحقق على إيران، وأن الوقت قد حان لإنهاء الحرب والتفاوض مع المسؤولين الحكوميين الجدد الذين ما زالوا يُرسّخون وجودهم في إيران، بقيادة الحرس الثوري. ووفقًا لهذا السيناريو، يعتقد ترامب أن النظام الحالي، رغم قيادته من قبل قادة الحرس الثوري، لديه مصالح كافية للتوصل إلى وقف إطلاق النار واتفاق يلبي المطالب الأمريكية: في المرحلة الأولى، اتفاق إطاري، وفي المرحلة الثانية، اتفاق تفصيلي يُلبي معظم المطالب الأمريكية الخمسة عشر.
السيناريو الثاني الذي طرحته أجهزة الاستخبارات، يتمثل في أن ترامب يعتقد أنه لم يحقق بعد “صورة النصر” التي يسعى إليها (على سبيل المثال، فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الحرة ودون سيطرة إيرانية، كما كان قبل الحرب، أو إزالة اليورانيوم المخصب بمستوى 60% من الأراضي الإيرانية)، ولكنه يحتاج إلى نحو أسبوعين لحشد القوات اللازمة لذلك وتجهيزها للعملية، ولذا فهو يريد كسب الوقت.
ولهذا الغرض، يتحدث بخطاب متفاخر ويقول: “نحن ننتصر”، وخطابا تصالحيا في وسائل الإعلام، يتسم بالغموض والتضليل المُتعمدين، ولا يقتصر هدفه على خفض أسعار النفط وإنهاء العدوان الإيراني في دول الخليج فحسب، بل يهدف أيضا إلى تمكين البنتاغون من حشد القوات لعملية نهائية تنهي الحرب بانتصار حاسم للولايات المتحدة، وتجبر الحرس الثوري على التفاوض من موقع ضعف.
السيناريو الثالث، هو أن ترامب يحاول، من خلال ما يُسمى بجهود المصالحة مع إيران، زرع الفتنة بين صنّاع القرار في طهران، الذين ما زالوا في حيرة وصدمة من عمليات الإعدام الجماعي التي طالت صفوفهم، والذين يعانون من خلافات شخصية وفئوية. ويصف ترامب القيادة الجديدة التي تولت زمام الأمور بأنها “تغيير للنظام”.
عموما، لم تتبلور الحكومة الإيرانية بعد في هيكل هرمي مُنظّم، لكنها في الوقت الراهن تُظهر مرونة ونشاطا. تُتخذ القرارات وفقا للخط المتطرف لقيادة الحرس الثوري والسياسيين المُقرّبين منهم، ويتضح ذلك جليا في التصريحات المُتحدية لكبار مسؤوليه، بمن فيهم رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) محمد باقر قاليباف، الذي تأمل الولايات المتحدة التفاوض معه.
سبب زيادة عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل:
يواصل الإيرانيون إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل بهدف إضعافها. ويزيدون عدد عمليات الإطلاق في حالتين: الأولى، عندما يصعب رصد منصات الإطلاق عند خروجها من الملاجئ بسبب الأحوال الجوية وغيرها من الظروف، والثانية، عندما تُلحق إسرائيل أضرارا جسيمة بكبار قادة الحرس الثوري.
في ما يتعلق بالاغتيالات، يدرك الأمريكيون، المزايا التي تتمتع بها إسرائيل في الحصول على المعلومات الاستخباراتية اللازمة، وفي الأساليب العملياتية، وفي القدرة على توفير الغطاء الجوي المطلوب في الوقت المناسب. لكن المستفيد الأكبر من عمليات الاغتيالن هم الأمريكيون.
هذا هو جوهر الوضع المتعلق بإيران كما انعكس في مناقشات مجلس الوزراء المُصغّر “الكابينيت” ليلة الأربعاء. وتشير تقديرات أجهزة الاستخبارات إلى أن ترامب لم يحسم أمره بعد بشأن ما إذا كان يريد إنهاء الحرب خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين عبر مفاوضات دبلوماسية، أو إنهاءها بقرار عسكري يمنحه “صورة النصر” الواضحة ويزيل صانعي القرار المتطرفين الذين يديرون الأمور حالياً في طهران.
لم يتعرض الإيرانيون لضربات كافية تدفعهم للتوصل إلى حل وسط مع ترامب
في غضون ذلك، تجري “مفاوضات حول المفاوضات”، يرفض فيها الإيرانيون رفضا قاطعا المطالب الأمريكية. وتشير التقديرات في إسرائيل إلى أنه في حال موافقة الإيرانيين على معظم المطالب الأمريكية الخمسة عشر، سيُفضل ترامب المسار الدبلوماسي، ولتحقيق هذه الغاية، سيتوصلون أولا إلى اتفاق إطاري ثم يعلنون وقفا لإطلاق النار لمدة شهر. أمّا إذا استمر الإيرانيون في نهجهم المتشدد، بما في ذلك المطالب الصارخة التي قدموها للأمريكيين، فسيلجأ ترامب إلى الحل العسكري. وترجح إسرائيل، أن هذا هو السيناريو الأرجح. وتقدر إسرائيل أن تحركا عسكريا كبيرا آخر سيكون ضروريا. وفي هذه الحالة، ستستمر الحرب نحو ثلاثة أسابيع أخرى.
الساحة اللبنانية: هذه هي أدوات الضغط على حزب الله
فيما يتعلق بلبنان، تعمل إسرائيل على تفكيك حزب الله كمنظمة ونزع سلاحه. والهدف حاليا (على الأقل حتى نهاية الحرب في إيران) هو تحقيق ذلك باستخدام أدوات الضغط العسكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي وحتى الضغط السوري، وليس من خلال التحرك المباشر والواسع في لبنان.
في المقابل، يرى حزب الله نفسه في حرب وجودية. فهو يسعى للبقاء كمنظمة عسكرية والحفاظ على شرعيته في لبنان وبين الشيعة، ولذلك يلجأ قادته إلى أساليب قتالية شرسة: قصف صاروخي كثيف ومُكثّف على الشمال والوسط على مدار الساعة، وحرب عصابات عنيدة ودموية ضد فرق القتال التابعة للجيش الإسرائيلي المُتقدمة شمالا باتجاه نهر الليطاني.
فيما يخص الضغط العسكري، فإن الجيش الإسرائيلي يعمل وسيستمر في العمل في هذه المنطقة لتجنب النيران المباشرة وخطر الغارات على المستوطنات. الهدف هو تحرير المنطقة من الوجود المادي لحزب الله، حتى من المنازل الخاصة التي يطلق منها الحزب جزءاً كبيراً من قذائف الهاون والصواريخ. كما يعمل الجيش الإسرائيلي على إجلاء السكان الشيعة من المنطقة الواقعة بين الليطاني والزهراني، بما في ذلك منطقة صور التي تُطلق منها معظم القذائف.
يُشكّل طرد السكان ضغطا هائلا على حزب الله، إذ يُمثّل نحو 1.2 مليون لاجئ شيعي عبئا على الحكومة اللبنانية. إضافةً إلى ذلك، فإنّ السيطرة على خط الليطاني تعزل جنوب لبنان عن شماله، ما يُولّد ضغطا سياسيا على الحكومة اللبنانية. كما يُكثّف الجيش الإسرائيلي عملياته الجوية في مناطق أخرى من لبنان، لا سيما في الضاحية والبقاع. وتُعلّق إسرائيل آمالها على ضغط السكان الشيعة لدفع حزب الله إلى طلب وقف إطلاق النار بشروط مقبولة لديها، تشمل نزع سلاح حزب الله.
يُعدّ الضغط السوري مثيرا للاهتمام بشكل خاص. يقول مسؤول إسرائيلي كبير إن أحمد الشرع، حاكم سوريا، “يتطلع إلى لبنان”، مضيفاً: “حزب الله يخشى بشدة من هجوم يشنه جهاديون سوريون سنّة على قرى وبلدات شيعية في شمال ووسط لبنان بواسطة سيارات فان”. كما هو معلوم، فإن للسنّة السوريين حسابات قديمة مع حزب الله منذ أيام قتاله في سوريا إلى جانب نظام الأسد.
وتعتقد إسرائيل أن سقوط النظام في إيران، أو على الأقل إضعافه، سيؤدي تدريجياً إلى زوال حزب الله، مع أن هناك خبراء يرون أن حزب الله راسخٌ ومتجذرٌ بما يكفي في لبنان والعالم ليتمكن من البقاء مستقلاً حتى بدون مساعدة إيرانية. وهذا التقييم ليس بلا أساس، فالتجربة تُظهر أن استخدام أساليب الضغط، بدلاً من اتخاذ قرار عسكري مباشر، لا يُحقق نتائج في الغالب، وبالتأكيد ليس على المدى القصير. والجيش الإسرائيلي يعلم ذلك، ولكن طالما أن لبنان جبهة ثانوية وإيران هي الجبهة الرئيسية، فلا نيّة لتغيير الأولويات الاستراتيجية.
الاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية تقلل فرص التطبيع
لا جديد يُذكر على جبهة غزة، لكن الجبهة التي تخسر فيها إسرائيل المعركة هذه الأيام هي الضفة الغربية. فالمذابح التي يرتكبها إرهابيون يهود ضد الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية لا تثير غضب رؤساء الدول الأوروبية فحسب، بل تثير غضب البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن أيضاً. وتتضاعف الأضرار الناجمة عنها، بل قد تصل إلى ثلاثة أضعاف. فهي تُلحق أضراراً نفسية وسياسية، وتُرسّخ صورة إسرائيل كدولة منبوذة يُشكك المجتمع الدولي بحقها في الوجود والدفاع عن نفسها. وقد تُؤدي هذه المذابح أيضاً إلى تصاعد الغليان بين الفلسطينيين، والأخطر من ذلك أنها تستقطب قوات نظامية واحتياطية، لا تملكها دولة إسرائيل، في محاولة منها للحفاظ على النظام في الضفة الغربية.
كما تُبرز أعمال الشغب هذه، الضفة الغربية كمنطقة خارجة عن سيطرة الدولة، لا ترتبط فعلياً بأراضي دولة إسرائيل، وتُمثل مشكلة يجب على المجتمع الدولي حلها. كذلك، تُبعد أعمال الشغب الفلسطينية فرص التطبيع مع الدول العربية.