ترامب ينزل عن “شجرة” الحرب.. وخيبة أمل في تل أبيب!..

غسان ريفي
تعتمد المقاربة الأميركية تجاه إيران على مزيج من الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية، في محاولة لإجبار طهران على تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية، إلا أن الوقائع التي فرضتها الحرب الأخيرة أظهرت أن المشهد أكثر تعقيداً مما كانت تتوقعه الإدارة الأميركية.
فالرئيس ترامب، الذي رفع سقف تهديداته ضد إيران، بدا في الوقت نفسه متردداً في الذهاب نحو مواجهة شاملة، مدركاً أن أي حرب جديدة لن تكون نزهة، بل ستفتح أبواب المنطقة على تداعيات خطيرة ومكلفة للجميع.
تصريحات ترامب حول إيقاف الهجوم الذي حدد موعده اليوم ضد إيران، وتأكيده أنه استجاب لتدخل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، تعكس حجم القلق الإقليمي من تداعيات أي تصعيد جديد، كما ساهم هذا التدخل الخليجي في إنزال ترامب عن “شجرة” الحرب مؤقتًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لم يُعتمد هذا الخيار الدبلوماسي قبل اندلاع الحرب في 28 شباط الماضي؟
الجواب، هو أن الإدارة الأميركية كانت تعتقد أن الضربات العسكرية كفيلة بإضعاف إيران ودفعها إلى التراجع، إلا أن النتائج جاءت مخيبة لها، بعدما أظهرت طهران قدرة كبيرة على الصمود، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على المستوى الداخلي، حيث نجحت في استنهاض الشارع الإيراني وحشد الالتفاف الشعبي حول النظام.
وأظهر هذا الواقع أن أهداف الحرب، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني أو تجريد إيران من قدراتها النووية والباليستية، باتت بعيدة المنال.
ومثل هذه الأهداف، إذا أُريد تحقيقها فعلاً، تحتاج إلى تدخل بري واسع واجتياح مباشر للأراضي الإيرانية، وهو خيار تدرك واشنطن خطورته جيدًا.
كما أن الجغرافيا الإيرانية، بحجمها وتعقيداتها إضافة إلى القدرات العسكرية، قد تحول الحرب إلى استنزاف طويل الأمد، وربما إلى “مقبرة” للقوات الأميركية، بما يحمله ذلك من أثمان سياسية وعسكرية واقتصادية باهظة لا يستطيع ترامب تحملها في ظل المعارضة الداخلية لا سيما من الحزب الديمقراطي ومن بعض الجمهوريين والذين يعتبرون أن هذه الحرب عبثية.
في هذا الإطار أصبح البعد الخليجي عاملاً أساسياً في حسابات واشنطن بعد الحرب الأخيرة، فدول الخليج التي كانت تراهن على احتواء المواجهة، فوجئت بقدرة إيران على توسيع دائرة الرد واستهداف عمق المنطقة، ما أثار مخاوف حقيقية لدى العواصم الخليجية من أن تتحول أي حرب جديدة إلى تهديد مباشر لأمنها واستقرارها الاقتصادي.
وبالتالي، فإن عودة ترامب إلى خيار الحرب قد تعني خسارة جزء من الدعم الخليجي، أو على الأقل اهتزاز الثقة بحسابات وخيارات واشنطن.
وتشير المعلومات في هذا الصدد إلى أن اجتماع ترامب مع قيادته اليوم، سيركز على المسار الدبلوماسي، ما يعكس إدراكاً متزايدًا داخل الإدارة الأميركية بأن الحل العسكري لم يعد مضمون النتائج.
في المقابل، شكل تراجع ترامب عن الضربة العسكرية خيبة أمل في تل أبيب التي تبدو الطرف الأكثر رفضاً لأي اتفاق مع إيران.
ويرى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي تشكل له الحرب “الأوكسجين السياسي” أن أي تسوية تكتفي بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، من دون إسقاط النظام أو إضعافه جذرياً، لا تحقق الأهداف الإسرائيلية الحقيقية.
لذلك، فقد أعطى التوجيهات للجيش الإسرائيلي ليكون على استعداد كامل لاحتمالات التصعيد مجدداً، وسط قناعة لدى تل أبيب بأن استمرار الوضع الحالي سيمنح إيران مزيداً من الوقت لتعزيز قدراتها.
هذا الواقع كشف أن تأثير إسرائيل على قرارات ترامب لم يعد كما كان قبل المواجهة، في ظل تزايد القناعة في الأوساط الأميركية بأن إسرائيل دفعت واشنطن نحو الحرب على أساس رهانات خاطئة، خصوصاً رهان انهيار النظام الإيراني من الداخل.
من هنا، تبدو إسرائيل الأكثر اندفاعاً نحو استئناف الحرب، سواء لأسباب استراتيجية تتعلق بمنع إيران من تطوير قدراتها النووية، أو لأسباب داخلية مرتبطة بحسابات نتنياهو السياسية والاستحقاقات الانتخابية.
وفي المقابل، لا تشعر إيران بأنها خرجت مهزومة من المواجهة، بل تعتبر أنها أثبتت قدرتها على الرد وفرض معادلات ردع جديدة، لذلك قابلت تراجع ترامب عن الهجوم العسكري بمواقف تصعيدية محذرة من تكرار الأخطاء الأميركية.
اكتشاف المزيد
تاريخ
مراجع جغرافية
سياسة
العرب وشعوب الشرق الأوسط
وتراهن طهران على عاملين أساسيين يمكن أن يشكلا ضغطاً مباشراً على ترامب: الأول هو ارتفاع أسعار النفط والطاقة في حال اندلاع مواجهة جديدة، والثاني هو تنامي الرفض الشعبي الأميركي لحرب جديدة قد تزيد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
في ضوء كل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على صراع بين خيارين: أولا، الدبلوماسية التي تحاول بعض الأطراف الإقليمية والدولية الدفع نحوها، وثانيا، الحرب التي لا تزال إسرائيل تسعى إلى إعادة إشعالها عبر إقناع ترامب بأن المفاوضات مع إيران لن تؤدي إلى أي تنازلات حقيقية.
وبين هذين الخيارين، تتأرجح المنطقة على خطوط التهديدات، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يعيد إشعال مواجهة قد تكون أكثر كلفة وتعقيداً من الحرب الأولى.

