مقالات رأي

تهديد ترامب ورسائل باكستان: سياسة «حافة الهاوية» بين خياري الحرب والتسوية

 

حسن حردان

تتدحرج كرة اللهب الجيوسياسية بين واشنطن وطهران مجدداً، حاملة معها مؤشرات تصعيد قد تكون الأكثر خطورة في تاريخ العلاقات بين الطرفين. فبين لغة نارية متجددة للرئيس الأميركي دونالد ترامب يلوّح فيها بـ “خيارات صفرية” إذا لم تخضع إيران لشروطه، وردّ إيراني حاسم يرفض الإملاءات ويتمسك بالسيادة، تبدو المنطقة وكأنها تسير مغمضة العينين نحو حافة الهاوية. يضع هذا الاستعصاء المتبادل المنطقة أمام تساؤل مصيري: هل يمارس ترامب دبلوماسية الترهيب القصوى لانتزاع تنازلات عجزت عنها الآلة العسكرية، أم أنّ مأزقه الداخلي ورفضه ملاقاة طهران في منتصف الطريق يدفعانه فعلياً للتحضير لجولة حرب جديدة؟
أولاً: مغزى التصعيد…
لا يمكن فصل تصعيد ترامب الإعلامي ومنشوراته التهديدية عن طبيعته كرجل صفقات يعتمد استراتيجية “الصدمة والترهيب” قبل الجلوس إلى الطاولة. يكمن مغزى هذا التصعيد الراهن في رغبة البيت الأبيض في ممارسة أقصى درجات الضغط النفسي والسياسي على صانع القرار في طهران، لإيصال رسالة مفادها أنّ واشنطن مستعدة لذهاب إلى أبعد مدى (بما في ذلك الخيار العسكري الشامل) إذا لم تتراجع إيران.
إنه أسلوب “حافة الهاوية” الكلاسيكي؛ حيث يرفع ترامب سقف التهديد علناً ليجبر خصمه على تقديم تنازلات جوهرية في الغرف المغلقة، مستغلاً حاجة إيران لرفع الحصار وعودة الاستقرار الاقتصادي.. لكن هذه السياسة الترامبية لا تجدي نفعاً مع القيادة الإيرانية المتمسكة بخياراتها الرافضة التخلي عن سيادة واستقلال إيران وحقوقها النووية.
ثانياً: القنوات التفاوضية الخلفية والرسائل عبر الوسيط الباكستاني،
رغم اللغة الخشنة للتصعيد ومسارعة ترامب لإعلان رفضه العلني للمقترحات الإيرانية الأخيرة لوقف إطلاق النار والتهدئة، فإنّ الواقع على الأرض يكشف عن “ديناميكية تفاوضية” موازية لم تتوقف.
وقد تجلى ذلك بوضوح في الإعلان الصادر عن الخارجية الإيرانية، والتي أكدت فيه أنّ الوسيط الباكستاني قام بالفعل بتسليم طهران “ملاحظات وتعديلات أميركية” على المقترح الإيراني الذي زعم ترامب رفضه. هذا التناقض بين الخطاب العلني الهجومي والسلوك الدبلوماسي الخلفي يكشف عن حقيقتين:
واشنطن لم تغلق الباب: الرفض الأميركي للمقترح الإيراني ليس نهائياً، بل هو رفض تكتيكي مصحوب بـ “شروط تعديلية” تهدف واشنطن من خلالها إلى إعادة صياغة الاتفاق بما يلبي كامل شروط ترامب.
الاعتراف بالوساطة: استمرار تدفق الرسائل عبر إسلام آباد يعني أنّ الطرفين يعلمان جيداً كلفة الانزلاق إلى الحرب الشاملة، ويحاولان إبقاء شعرة معاوية قائمة حتى في ذروة الأزمة.
ثالثاً: مأزق ترامب وصلابة إيران،
تكمن العقدة الأساسية في هذه الجولة في رفض ترامب لـ “ملاقاة إيران في منتصف الطريق”. يواجه الرئيس الأميركي مأزقاً داخلياً مركباً؛ فهو يخشى تبعات حرب إقليمية ممتدة قد تشعل أسعار الطاقة وتؤثر على الوضع الاقتصادي الداخلي، وفي الوقت ذاته، يرى أنّ أيّ تراجع أو قبول بأنصاف الحلول سيُفسّر محلياً وأمام خصومه على أنه “ضعف” وتراجع أمام طهران.
في المقابل، تقابل طهران هذا المأزق بصلابة واضحة مستندة إلى أوراق قوتها الميدانية؛ إذ ترفض القيادة الإيرانية بشكل قاطع الرضوخ أو الاستسلام للشروط الأميركية التي تراها مساساً مباشراً بـ حقوقها النووية وحفظ سيادتها الوطنية. بالنسبة لإيران، القبول بشروط ترامب بنسختها الحالية يعني تجريد البلاد من عناصر قوتها الردعية، وهو ما جعلها تردّ على التهديد بتهديد مقابل، مؤكدة استعدادها للمواجهة إذا فرضت عليها.
رابعاً: الاحتمالات الواقعية،
في ضوء هذا الاستعصاء المتبادل والرسائل المتبادلة عبر الوسيط الباكستاني، تتركز السيناريوات المستقبلية حول مسارين:
سيناريو أول، اتفاق ربع الساعة الأخير ـ التسوية القسرية،
أن تفلح “الملاحظات الأميركية” المسلمة عبر باكستان، بعد جولات من الأخذ والرد، في إنتاج صيغة تسوية رمادية. هذا الاحتمال يتطلب أن يتخلى ترامب عن شرط “الاستسلام الكامل” مقابل صياغة اتفاق رابح رابح، يتيح له الادّعاء أمام جمهوره بأنه حقق “انتصاراً تاريخياً”، بينما تحتفظ إيران بسيادتها وبرنامجها النووي.
سيناريو ثان، الانفجار وعودة الحرب العسكرية،
إذا اعتبرت طهران الملاحظات الأميركية إملاءات تعجيزية وتمسكت بمواقفها، واعتبر ترامب الردّ الإيراني استخفافاً بتهديداته، فإنّ القطار العسكري سينطلق. في هذا السيناريو، يرجح الخبراء العودة إلى “جولات قصف جراحي قاسية” ومركزة تستهدف المنشآت الحيوية وقواعد الاشتباك، دون الدخول في حرب برية شاملة، بهدف محاولة كسر الإرادة الإيرانية بالحديد والنار.. فيما إيران ستردّ بضرب المصالح والأصول الأميركية وسفن الاسطول الأميركي واحتمال إغلاق باب المندب عبر دخول حركة انصار الله على خط لمواجهة…
خلاصة القول: إنّ التهديدات النارية لترامب والملاحظات المكتوبة خلف الكواليس هما وجهان لعملة واحدة: محاولة أميركية أخيرة لفرض الشروط بالترهيب. لكن في ظلّ رفض واشنطن لتقديم التنازلات المتبادلة وتصميم طهران على حماية سيادتها، فإنّ الهامش المتاح للدبلوماسية يضيق بمرور الساعات، مما يجعل المنطقة بأسرها رهينة لحسابات اللحظة الأخيرة بين حد السلم الهش ونار الحرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى