الصحف

الضربة كانت قاسية لكنها لم تكن قاتلة: لقد نجت إيران

رصد الاعلام العبري: 22 / 4
صحيفة معاريف:
آنا بارسكي
بعد أسابيع من الحرب وبضعة أيام من الهدوء، يمكننا الآن تحديد ملامح النتيجة المؤقتة. نشرت الولايات المتحدة وإسرائيل قوة عسكرية هائلة ومدمرة إلى حد كبير، ضد إيران، ومع ذلك لم تحقق الهدف الأكثر طموحا الذي وُضع في البداية. إذا كانت واشنطن والقدس تأملان في أن تُضعف الحملة النظام إلى حد تغيير السلطة، فقد كانت النتيجة مختلفة: توحدت القيادة في طهران، وشدد الحرس الثوري قبضته، وخرجت إيران من هذه الجولة أكثر تضررا عسكريا، ولكنها أيضًا أكثر صلابة سياسيا.
وكما هو الحال في حالات أخرى في السنوات الأخيرة، انكشفت الفجوة بين النجاح العملياتي والنتيجة الاستراتيجية مرة أخرى. لم يُشكك أحد في التفوق الأمريكي الإسرائيلي في الجو والبحر. لم تكن هناك حاجة لقوات برية كبيرة، وكان الضرر الذي لحق بإيران واسع النطاق. ولكن حتى الآن، يبدو أنه تم تدمير عدد أقل من أنظمة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، مما بدا عليه في الأيام الأولى.
في الشرق الأوسط، كما هو معروف، غالبا ما يكون الانطباع الأول عن الحروب مُضللا: إذ يبدو أن العدو قد مُني بهزيمة ساحقة، ولا يتضح إلاّ لاحقا ما تبقى في مخازنه، وما يمكن استعادته، ومدى قدرة النظام على البقاء أكثر مما تصوره خصومه.
لم تُحسم هذه الحرب في سماء إيران فحسب، بل امتدت عبر مضيق هرمز. هناك، تمكنت إيران من اكتشاف، وربما إثبات، أن أسلوب الضغط الذي تحدثت عنه لسنوات كان فعالا بالفعل. لم يكن الأمر سباقا محموما نحو امتلاك القنبلة، بل تعطيل أهم ممر للطاقة في العالم. كانت النتيجة شبه فورية: صدمة اقتصادية، وقلق في الأسواق، وضغط دولي لإنهاء الصراع سريعا. بهذا المعنى، لم تدعل إيران دول الخليج فحسب، إلى رهائن، بل استقرار الاقتصاد العالمي برمته. كانت هذه هي نقطة التحول الحقيقية.
كعادته، أطلق ترامب العنان لخطابه الناري. هدد، وتباهى، ووعد بالحسم، ثم وجد نفسه أمام خيار أقل بريقا: تصعيد عسكري آخر، قد يشمل غزوا بريا أو أضرارا جسيمة بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية في إيران، أو اتفاق دبلوماسي يوقف النزيف. اختار الخيار الثاني. ليس لأنه اقتنع فجأة بمزايا المصالحة، بل لأنه أدرك على ما يبدو أن ثمن الاستمرار قد يكون باهظا للغاية – اقتصاديا وسياسيا وإقليميا.
عند هذه النقطة، فُتح الطريق أمام إسلام آباد. عرض الأمريكيون حزمة سخية نسبيا من التنازلات الاقتصادية مقابل تغيير ما في وضع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، ومقابل إعادة فتح مضيق هرمز. لكن على عكس التصريحات الرنّانة على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يسارع الإيرانيون إلى قبول العرض. بل على العكس. حتى الآن، يحاولون تحسين مواقفهم، وكسب الوقت، واستخلاص أقصى قدر من البقاء والشرعية من هذه الأزمة.
يُظهر تاريخ المفاوضات مع إيران أن العنوان عادةً ما يكون الجزء الأسهل. تكمن المشكلة الحقيقية في البنود الصغيرة، والتعريفات، والجداول الزمنية، وآليات المراقبة، ومسألة تحديد الجهة المسؤولة عن تفسير كل بند.
من وجهة النظر الإسرائيلية، يكمن القلق تحديدا في هذه النقطة. فإذا تبين أن الاتفاق المُبرم ضعيف أو غامض، فقد تجد إسرائيل نفسها في مواجهة إيران مُنهكة، لكنها لم تُجرّد من قدراتها الحيوية، والأهم من ذلك، أنها استوعبت درسا بالغ الأهمية: إغلاق المضيق، أو التهديد الجدي لحركة الملاحة عبره، سلاح استراتيجي أكثر فعالية مما كان يُعتقد سابقا. ومن وجهة نظر طهران، تُعد هذه ورقة ضغط يُمكن استخدامها مجددا في المستقبل.
تبدو المرحلة التالية متوقعة إلى حد كبير. ويبدو دخول القوات الأمريكية برا أمرا مُستبعدا في الوقت الراهن. وستستمر المفاوضات، وربما تشهد جولات أخرى من الهجمات، إذا حاولت إيران المماطلة وانتظار الوقت المناسب. وحتى في حال التوصل إلى اتفاق في نهاية المطاف، فمن المرجح أن يستغرق ذلك وقتا أطول مما تأمله الأسواق. أما أولئك الذين يعتقدون أن كل شيء سينتهي بحلول نهاية مايو، فمن الجدير بالذكر أن حتى الأزمات الأبسط استغرقت شهورا لإيجاد حل لها.
إذن، لم تنتهِ هذه الحرب بانتصارٍ واضحٍ لأيٍّ من الطرفين. في الوقت الراهن، هذا هو الوضع: الولايات المتحدة توقفت قبل أن تتفاقم الأمور. إيران نجت، واستوعبت، وتعلّمت. إسرائيل استفادت من الضغط العسكري على عدوّها الأكبر، لكنها لا تزال بعيدةً عن اليقين الذي كانت تسعى إليه. الآن، كما هو الحال في غزة ولبنان، النتيجة هي وقف هش لإطلاق النار، وليس التوصل إلى حل. في الشرق الأوسط، هذا يكفي لمعرفة أن الجولة القادمة باتت وشيكة.

المماطلة” الإيرانية تعيدنا إلى الساحة العسكرية
العميد احتياط عميت ياغور
ماذا سيقرر ترامب، وماذا سيفعل..؟ هل من منطق في هذا الجنون..؟ هذه هي الأسئلة التي تُحدد لنا محور التركيز الإسرائيلي في تحليل الواقع الراهن. ولكن، على نحوٍ مُثير للدهشة، وعلى عكس ما اعتدنا عليه، فإن التركيز هذه المرة أقل على ترامب وأكثر على إيران.
بينما نحاول فهم ما يدور في ذهن ترامب، لم يُذكر خلال الأسبوع الماضي تقريبا ما يحدث داخل النظام الإيراني، وكيف أن مجرد الحديث عن المفاوضات قبل التوصل إلى اتفاق رسمي، عمّق الانقسامات داخله.
من جهة، يُبدي الرئيس الإيراني ووزراؤه والقيادات العليا قلقهم البالغ على البلاد ومواردها، ويُدركون خطورة الوضع الراهن. فقد دعا الرئيس إلى “إطلاع الشعب على حقيقة الوضع في البلاد”، مؤكدا على ضرورة إدراك الشعب للواقع والتحديات. من جهة أخرى، يشنّ الحرس الثوري، الذي يُدير شؤون إيران فعليا، إلى جانب جهود إعادة الإعمار (فتح أنفاق الصواريخ المُغلقة، وتجديد التنسيق مع الميليشيات في العراق، إلخ)، حربا فكرية صاخبة ضد الولايات المتحدة، تتضمن وضع خطوط حمراء صارمة، ونشر مقاطع فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي، وتوجيه تصريحات مُهينة وتحتقر الولايات المتحدة وترامب شخصيا.
يبدو أن مسؤولي الحرس الثوري، كما صرّح أحد المشاركين في الجولة السابقة من المحادثات في باكستان من الجانب الإيراني، يعتقدون أن إنهاء الحرب دون اتفاق أمر ممكن بل وأفضل. ومن الجانب الأمريكي، ورغم أسلوب ترامب “المثير للجدل”، يمكن افتراض ما يلي:
1. يريد ترامب إنهاء المرحلة العسكرية من الحرب بإنجازات تُخلّد اسمه لسنوات قادمة (ضد الصين وفي المنطقة) وتميّزه عن أسلافه.
٢. يرى أن المرحلة العسكرية الحركية، وفقا للمنطق العسكري في مواجهة التهديدات العسكرية المباشرة من الطرف الآخر، قد استنفدت أغراضها. ويمكن استخدام الوسائل العسكرية للضغط الاقتصادي.
٣. حاليا، يجري الترويج لمسارين في آن واحد: مسار التوافقات والمسار العملياتي العسكري، مع ممارسة ضغط اقتصادي في الخفاء (عبر حصار بحري على إيران).
٤. مسار التوافقات هو الأفضل. لكن لتحقيق ذلك، يجب وجود النظام الإيراني، الذي يبدو أنه يعتقد أن من الأفضل له الاحتفاظ بمضيق هرمز واليورانيوم المدفون في أعماق أراضيه دون اتفاق.
5. يصر ترامب، عن قصد، على التلاعب وإدارة المفاوضات عبر وسائل الإعلام، وهو ما يأتي بنتائج عكسية. فهو يُحدث شرخا في النظام نفسه، كما أنه يوصل رسالة مختلفة للشعب الإيراني توحي بأن النظام يتحدث بصوت عالٍ، لكنه في الخفاء ليس بتلك القوة ويستسلم.
٦. قد يشير تصريح ترامب أمس بأن “الاتفاق الذي سنبرمه مع إيران سيكون أفضل بكثير من الاتفاق النووي بين أوباما وبايدن” إلى تقدم هادئ وخفي نحو التوصل إلى اتفاق.
٧. على الصعيد العسكري، استغلت الولايات المتحدة وقف إطلاق النار لتعزيز استعداداتها، ولتقوية قواتها بشكل كبير.
من كل ما سبق، تتضح صورة مفادها أن النظام في إيران لم ينضج بعد، وأن أي اتفاق يُوقع معه لا قيمة له، إن لم يكن فورا، فعلى الأقل مع نهاية ولاية ترامب الرئاسية.
الاختبارات القادمة:
١. هل سيصل الوفد الإيراني رفيع المستوى إلى باكستان لحضور المحادثات المتوقعة,,؟
٢. ما مدى استعداد إيران للتنازل، لا سيما فيما يتعلق بالملفين النووي ومضيق هرمز..؟
3. هل سينتهي وقف إطلاق النار غدا.
من الخطأ التكهن من الآن فصاعدا بمن سيُقرر في إيران، وكيف سيرد ترامب على أي تحرك إيراني، إن وُجد. حتى وإن كان من الممكن أن يُسارع الحرس الثوري إلى الموافقة على إرسال وفد إيراني إلى طاولة المفاوضات، فمن الواضح أن ذلك سيكون دون أي رغبة في تقديم تنازلات جوهرية، بل كمحاولة لكسب الشرعية والوقت. وهذا قد يُعيد فتح الساحة العسكرية دفعة واحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى