مقالات رأي

من الرباط إلى القاهرة وفلسطين: زلزال الفرح العربي يعيد رسم خارطة الانتماء القومي ويسقط أهداف الحرب الناعمة

 

حسن حردان

لم تكن الدقائق التي أعقبت الإنجازات العربية في بطولة كأس العالم مجرد احتفالات بعبور كروي تاريخي؛ بل كانت زلزالاً عاطفياً ومشهداً قومياً متكاملاً تجلت فيه وحدة الدم والمصير العربي من المحيط إلى الخليج. من الصخب الاحتفالي الذي عمّ الشوارع العربية عقب الفوز التاريخي للمنتخب المغربي على نظيره الكندي بثلاثية نظيفة، إلى ليل القاهرة والعواصم العربية الذي لم ينم بعد عبور المنتخب المصري إلى دور الـ 16 إثر فوزه على أستراليا؛ تحوّلت الشاشات والمدرّجات إلى مرآة تعكس عمق الانتماء الجماهيري الذي يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية المصطنعة.

المغرب ومصر: جناحان
يحلّقان بالهوية المشتركة
إنّ التلاحم العفوي الذي شهدته العواصم العربية مع كلّ هدف مغربي ومصري، يثبت أنّ الجماهير العربية تعيش حالة “تكامل وجداني” لا تحكمه الحسابات السياسية الضيقة. فالأعلام المغربية والمصرية رُفعت جنباً إلى جنب في شوارع الرباط، والقاهرة، وبيروت، وعمّان، وبغداد. هذا الفرح العارم بفوز “أسود الأطلس” وثلاثيّتهم النظيفة، وتكاملها مع فرحة صعود مصر، رسم لوحة استثنائية تؤكد أنّ الانتصارات العربية تملك مفعول السحر في إذابة المسافات وإحياء الروابط المشتركة.

غزة وفلسطين: البوصلة الحاضرة
في قلب الانتصارات
ولم تكن السياسة بمعزل عن هذا المشهد الرياضي النقي، بل كانت فلسطين ـ كالعادة ـ هي القاسم المشترك والأعمق؛ فتدفق المشاهد من قطاع غزة المحاصر، حيث خرجت الجماهير الفلسطينية لتشارك مصر والمغرب فرحتيهما رغم التعب والآلام، اختصر حكاية التلاحم العضوي.
وجاءت اللفتة العفوية والموقف العروبي الأصيل من المدير الفني للمنتخب المصري، الكابتن حسام حسن، برفع علم فلسطين والتعبير عن ابتهاجه بفرحة أهل غزة، ليتناغم تماماً مع المشاهد المتكرّرة لرفع العلم الفلسطيني من قِبل لاعبي وجماهير المغرب.
هذه المشاهد مجتمعة أعادت التأكيد على الثابت التاريخي: فلسطين هي بوصلة الوجدان العربي، والعمق العربي هو السند الحقيقي لها.

سقوط “الحرب الناعمة”
وتبدّد أوهام التفرقة
على مدار عقود، استثمرت قوى الهيمنة الاستعمارية الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وكيان العدو “الإسرائيلي”، مليارات الدولارات في مشاريع “الحرب الناعمة” والغزو الثقافي والإعلامي. كانت الاستراتيجية واضحة: بث الفرقة، وتفكيك الهوية الجامعة، وتطبيع الهزيمة النفسية عبر صناعة هويات انعزالية ضيقة.
وجاءت هذه الانتصارات الكروية المتتالية لتوجه صفعة قوية لهذه المخططات. فقد أثبتت الجماهير، بوعيها الفطري، أنّ كلّ محاولات كيّ الوعي قد تحطّمت على صخرة التلاحم الحقيقي. فالأمة التي تتوحّد في لحظات الحزن والانتكاسات، هي ذاتها التي تنفجر فرحاً وتضامناً في أوقات الانتصار، مبرهنة على أنّ الهوية العربية عصية على التشويه أو النسيان.

دلالات للمستقبل
إنّ هذا الابتهاج العارم من المحيط إلى الخليج يحمل دلالات استراتيجية هامة:
حيوية الأمة: إنّ الجماهير العربية ليست جثثاً هامدة أو شعوباً مغتربة عن بعضها، بل هي أمة حية نابضة تنتظر قواسم مشتركة لتلتف حولها وتعلن عن معدنها الأصيل.
الرياضة كأداة للمقاومة الثقافية: تحوّلت كرة القدم من وسيلة ترفيه إلى منصة سياسية وقومية بامتياز، يعبّر من خلالها المستضعفون عن وجودهم، ووحدتهم، ورفضهم لمشاريع التجزئة.
فشل الرهان على عزل فلسطين: أكدت الهتافات والأعلام المرفوعة في أفراح المغرب ومصر أنّ القضية الفلسطينية تظلّ القضية المركزية الأولى، وأنّ أيّ محاولة لعزلها عن عمقها الشعبي هي رهان خاسر.
خلاصة القول: إنّ ثلاثية المغرب في شباك كندا، وعبور مصر إلى دور الـ 16، لم يكن مجرد إنجازات رياضية تضاف إلى السجلات، بل كانا استفتاءً شعبياً عفوياً وممتداً أكد انتصار الهوية، وسقوط أوهام التجزئة، وبقاء فلسطين النبض الذي يجمع كلّ العرب…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى