الجغرافيا الاستراتيجية للجنوب من كفرتبنيت إلى الشقيف وعلي الطاهر… لم تتغيّر التلال، بل تغيّرت الحروب.

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية
بعد أكثر من ربع قرن على تحرير جنوب لبنان وانسحاب إسرائيل من مواقع الشقيف والدبشة وعلي الطاهر، عادت الأسماء نفسها إلى واجهة الأحداث. فالمناطق التي شكلت يوماً ركائز الشريط المحتل تحوّلت إلى مسرح للمواجهات الجديدة، فيما عادت القرى والمرتفعات ذاتها لتحتل موقعاً متقدماً في الخرائط الميدانية والتطورات الأمنية.
وقد تبدو هذه العودة للوهلة الأولى مجرد نتيجة للظروف التي فرضتها الحرب الأخيرة، إلا أن قراءة أوسع للمشهد تكشف أن الأمر يتجاوز الأحداث الآنية. فمنذ مطلع التسعينيات مروراً بتحرير عام 2000 وصولاً إلى التطورات الراهنة، تتكرر المواقع نفسها في كل محطة مفصلية، رغم تبدل التوازنات السياسية والتحالفات وأشكال الصراع.
وتطرح هذه الاستمرارية سؤالاً أساسياً: لماذا تعود المواجهة دائماً إلى النقاط ذاتها؟ ولماذا تحتفظ بعض التلال والممرات والقرى بدور يتجاوز الأزمنة والحروب؟.
إن الإجابة لا تكمن فقط في التطورات السياسية أو العسكرية، بل في الجغرافيا نفسها، التي ما زالت تفرض حضورها على مسار الأحداث في جنوب لبنان.
كفرتبنيت… بوابة التحرير ومفتاح النبطية
لم يكن اختيار صحيفة السفير عنوان “كفرتبنيت تحرر الجنوب” في 25 أيار 2000 مجرد توصيف صحفي للحظة الانسحاب الإسرائيلي، بل عكس المكانة التي احتلتها هذه البلدة الواقعة عند المدخل الجنوبي الشرقي لمدينة النبطية. ففي الساعات التي أعقبت انهيار الاحتلال وميليشيا جيش لبنان الجنوبي، تحوّلت إلى إحدى البوابات الرئيسية التي عبر منها الأهالي والعائدون إلى المناطق المحررة، لتصبح رمزاً لانتقال الجنوب من مرحلة الاحتلال إلى مرحلة التحرير.
وتستمد هذه البلدة حضورها من موقعها الجغرافي أكثر مما تستمده من حجمها السكاني أو العمراني. فهي تقع عند نقطة التقاء بين النبطية والمرتفعات الممتدة نحو علي الطاهر والنبطية الفوقا وإقليم التفاح، وتشكل عقدة وصل بين وادي الليطاني والمرتفعات الداخلية والطرق المؤدية إلى مرجعيون والقطاعين الأوسط والشرقي من الجنوب. ولذلك كان الإمساك بمحيطها يعني امتلاك أحد أهم مفاتيح الحركة والعبور في قلب جبل عامل.
وقد برزت قيمة هذا الموقع خلال سنوات الاحتلال، لارتباطه بسلسلة من النقاط المشرفة المنتشرة بين الشقيف والدبشة وعلي الطاهر والبرج، والتي أتاحت متابعة التحركات على امتداد المنطقة المحيطة بالنبطية. ولم تكن هذه النقاط معزولة عن بعضها البعض، بل شكلت شبكة مترابطة من التلال والممرات الحاكمة الممتدة بين جنوب الليطاني وإقليم التفاح.
وعندما انهارت هذه البنية في أيار 2000، بدت هذه البوابة الجنوبية وكأنها المدخل الطبيعي إلى الجنوب المحرر.

الشقيف وعلي الطاهر… التلال التي ترسم المشهد الجنوبي
إذا كانت كفرتبنيت تمثل إحدى بوابات النبطية، فإن الشقيف وعلي الطاهر يشكلان من أبرز النقاط المشرفة على القسم الأوسط من جنوب لبنان. فهاتان القمتان تحتلان موقعاً يربط بين وادي الليطاني وإقليم التفاح والمرتفعات الممتدة نحو مرجعيون وجزين، ما يمنحهما قدرة استثنائية على قراءة المشهد الجغرافي المحيط.
وتتميز قلعة الشقيف بموقعها الفريد فوق الضفة الجنوبية لوادي الليطاني، حيث ترتفع (717م) فوق واحد من أهم الممرات الطبيعية في المنطقة. أما علي الطاهر، فيطل على النبطية والمرتفعات المحيطة بها، ويشكل امتداداً طبيعياً لسلسلة من التلال التي تربط الداخل الجنوبي بالحدود. ولهذا ارتبط الموقعان عبر عقود طويلة بدور محوري في متابعة حركة العبور بين الساحل والداخل وبين القرى المرتفعة والسهول الجنوبية.
ولا تقتصر قيمة هذه التلال على ارتفاعها أو اتساع مجال الرؤية منها، بل تتصل أيضاً بموقعها عند تقاطع عدد من المحاور الطبيعية التي تربط أجزاء الجنوب ببعضها البعض. ولذلك تحولت عبر الزمن إلى نقاط مرجعية في مختلف مراحل الصراع، سواء خلال سنوات الاحتلال أو عند التحرير أو في التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
ومن يراجع خرائط الجنوب خلال العقود الماضية يلاحظ أن هذه التلال لم تكن مجرد مواقع عابرة في مسار الأحداث، بل شكلت جزءاً من البنية الجغرافية التي حكمت العلاقة بين الحدود والداخل اللبناني.
من السيطرة على الأرض إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية
إذا كانت العقود السابقة قد ارتبطت بالصراع على المواقع الحاكمة والطرق الرئيسية، فإن السنوات الأخيرة أظهرت بروز بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التأثير المباشر على توزيع السكان واستقرارهم داخل القرى الحدودية. فالحرب لم تقتصر على استهداف البنية العمرانية أو تعطيل النشاط الاقتصادي، بل امتدت لتطال أنماط الإقامة والوجود البشري في المناطق الأمامية.
وقد أدى تكرار أوامر الإخلاء والإنذارات الأمنية إلى موجات نزوح واسعة شملت عشرات البلدات والقرى الجنوبية، فيما تحوّلت بعض المناطق إلى فضاءات شبه خالية من سكانها لفترات طويلة. ومع استمرار القيود على العودة وتكرار التهديدات، برزت مخاوف متزايدة من أن يتحول النزوح المؤقت إلى واقع يمتد لسنوات، بما يحمله ذلك من آثار اجتماعية وديموغرافية عميقة.
وفي هذا السياق، اعتبرت منظمة العفو الدولية أن أوامر الإخلاء الجماعي ومنع العودة استخدمت كأداة للتهجير القسري، مشيرة إلى مئات الإنذارات وأوامر الإخلاء التي صدرت بين عامي 2024 و2026، بما في ذلك عشرات القرارات التي منعت السكان من العودة إلى المناطق التي أُخليت سابقاً. ويعكس ذلك انتقال الصراع من التأثير على المكان فقط إلى التأثير على العلاقة بين السكان وأرضهم وقراهم.
وتبرز أهمية هذه التحولات عند مقارنتها بمرحلة التحرير عام 2000، التي ارتبطت بعودة الأهالي إلى قراهم واستعادة الحياة الطبيعية في الشريط الحدودي. أما اليوم، فإن التحدي يتمثل في الحفاظ على استمرارية الحضور البشري في القرى الأمامية ومنع تحول الفراغ المؤقت إلى واقع دائم يعيد رسم الخريطة السكانية للجنوب بصورة تدريجية.
عندما تبقى الجغرافيا وتتبدل الحروب
تكشف الوثائق والأحداث المتعاقبة في جنوب لبنان عن استمرارية لافتة في المواقع التي تعود إليها المواجهات عبر الزمن. ففي عام 1992 ارتبطت المنطقة بعناوين الشريط الأمني وحماية الحدود الشمالية لإسرائيل، فيما برزت في تلك المرحلة دعوات متكررة لنزع سلاح المقاومة. وعندما انسحبت إسرائيل من الجنوب في أيار 2000، تصدرت المواقع نفسها مشهد التحرير، من كفرتبنيت إلى الشقيف والدبشة وعلي الطاهر.
وبعد أكثر من ربع قرن، عادت هذه المناطق إلى واجهة الأحداث من جديد. فالاعتداءات التي شهدها الجنوب خلال عامي 2025 و2026 تركزت بصورة متكررة في محيط النبطية والمرتفعات المشرفة على وادي الليطاني، وهي مناطق شكلت في السابق ركائز أساسية للشريط المحتل قبل الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.
وتبرز هنا مفارقة لافتة، فبينما تبدلت الأهداف المعلنة من مرحلة إلى أخرى، من حماية الشريط الأمني إلى نزع السلاح، ومن الاحتلال المباشر إلى المنطقة العازلة، بقيت الخرائط تعود إلى النقاط ذاتها. كما أن القرى التي ارتبطت بالتحرير عام 2000 عادت لتواجه أوامر الإخلاء والنزوح خلال الحرب الأخيرة، في مشهد يعكس استمرار القيمة الجغرافية لهذه المنطقة رغم تغير الظروف المحيطة بها.
ولا يتعلق الأمر بتكرار الأحداث نفسها، بل بتكرار المكان نفسه. فالتلال والممرات الطبيعية التي حكمت حركة الصراع قبل عقود ما زالت تؤدي الدور ذاته اليوم، الأمر الذي يفسر استمرار حضورها في الحسابات المرتبطة بالأمن والحدود والاستقرار السكاني. ومن هنا تبدو الجغرافيا العنصر الأكثر ثباتاً في جنوب لبنان، في مقابل التحولات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.
لماذا تعود المواجهة دائماً إلى النقاط نفسها؟
لا يرتبط تكرار المواجهات في جنوب لبنان بالظروف السياسية وحدها، بل بخصائص جغرافية ثابتة جعلت بعض المواقع تحتفظ بقيمتها عبر الزمن. فالمرتفعات المشرفة على محاور العبور الطبيعية والنبطية وإقليم التفاح لا تمثل مجرد تلال مرتفعة، بل تشكل عقداً طبيعية تربط بين الساحل والداخل وبين القرى الحدودية والمرتفعات الجنوبية.
كما أن شبكة الطرق التي تعبر هذه المنطقة تجعلها نقطة عبور أساسية بين أجزاء واسعة من الجنوب، الأمر الذي يفسر استمرار الاهتمام بها في مختلف المراحل. فالمكان الذي يتيح الإشراف على طرق الحركة والتحكم بممرات العبور يحتفظ بأهميته حتى عندما تتغير أشكال الصراع أو تتبدل الوسائل المستخدمة فيه.
وتزداد أهمية هذه المواقع بسبب موقعها المتوسط بين الحدود والداخل اللبناني. فهي ليست مناطق حدودية مباشرة فحسب، وليست جزءاً من العمق الداخلي البعيد عن التوترات، بل تقع عند نقطة التقاء بين المجالين، ما يجعلها حاضرة في أي ترتيبات تتعلق بالأمن أو العودة أو الاستقرار السكاني.
خاتمة
تكشف المقارنة بين وثائق التسعينيات ومشاهد التحرير عام 2000 والتطورات الراهنة، أن ما تغيّر في جنوب لبنان هو طبيعة الصراع وأدواته، لا الجغرافيا التي تدور فوقها الأحداث. فالمواقع التي ارتبطت بالشريط المحتل عادت إلى الواجهة عند التحرير، ثم ظهرت مجدداً في قلب المواجهات الحالية، في مشهد يعكس استمرارية الدور الذي تؤديه هذه العقد الجغرافية في رسم مسار الأحداث.
وبينما تتبدل الشعارات والتحالفات والوقائع السياسية، تبقى الخرائط شاهداً على حقيقة أكثر ثباتاً. فمن النبطية وإقليم التفاح إلى وادي الليطاني والمرتفعات المشرفة على الجنوب، ما زالت الجغرافيا تحتفظ بقدرتها على التأثير في مجريات الصراع، وعلى إعادة إنتاج حضورها في كل مرحلة جديدة. ولم تتغير التلال، بل تغيرت الحروب التي دارت فوقها.