شرُّ ما يكتبُه الإنسان مقالٌ لُحمتُه الأَكاذيب وسَداهُ النِّفاق!
ردٌّ على أَكاذيب الكاتبة نسرين بلُّوط في مقالها المُسيئ بحقِّ الدكتور داهش والأَديبة الفنَّانة ماري حدَّاد، والذي نُشر في جريدة "الجمهوريَّة" اللبنانيَّة بتاريخ ١٠ حزيران (يونيو) ٢٠٢٣

ماجد مهدي*
هذه العبارة التي اخترتُها عنوانًا لمقالتي استقَيتُها من كتاب “كلمات” للدكتور داهش. وهي واحدةٌ من فَيْض العبارات الحكميَّة الرائعة التي حفلَ بها ذاك الكتاب، والتي جادَ بها الدكتور داهش أَوَّل ما أَينَع قلمُه في تُربة الكتابة، وتفتَّحَت أَزاهيرُه على نور الحياة؛ وكان، آنذاك، في السابعة والعشرين من عمره! وقد رأَيتُ في تلك العبارة خير ما أُتوِّجُ به هذه المقالة، إذ إنَّها تُعبِّر عمَّا فيها خير تعبير، وتتوافقُ معها من حيث الغاية التي ترمي إليها، وهي دَحْضُ الكذب والنِّفاق في الكتابة!…

الدكتور داهش في شبابه
في العاشر من حزيران (يونيو) ٢٠٢٣، وتحت عنوان “الدكتور داهش أَو سليم موسى العشِّي ساحرٌ صحا من ضجعة الموت”، نشرت صحيفة “الجمهوريَّة” اللبنانيَّة مقالاً للكاتبة نسرين بلُّوط أَساءَت فيها إلى شخص الدكتور داهش وخوارقه وأَدبه وفكره وإنجازاته ومُريديه، نتيجة جهلها التامّ بحقيقته، وبكلِّ ما له صلةٌ به. وقد كان الأَجدى بها، وهي التي تقدِّمُ نفسها على أَنَّها كاتبةٌ وروائيَّةٌ وشاعرةٌ وناقدة، أَن لا تستهين بتلك القامة الشامخة التي أَغنَت الأَدب الإنسانيّ والفكر الروحيّ بجليل عطاءَاتها، والتي انهزمَت أَمامها دولةُ الظُّلم والتعصُّب والفساد والاستبداد في لبنان، في أَربعينيَّات القرن الماضي، مُمثَّلةً بشخص رئيسها الطاغية بشاره الخوري (١٩٤٣-١٩٥٢) وحكومته، وبكلِّ أَجهزتها القمعيَّة، الأَمنيَّة والقضائيَّة، في عهدٍ أَسود الإهاب من تاريخ لبنان أَسمَوْهُ زُورًا ونفاقًا “العهد الاستقلاليّ الأَوَّل”!
وكان من الأَلْيق بتلك الكاتبة أَن لا تحشُر نفسها مع زُمرة الكُوَيْتبيِّين المُعادين للدكتور داهش، والمدَّعين كذبًا بأَنَّهم من أَهل القلم والفكر، وما هم، في الحقيقة، إلاَّ “جُفاةٌ طَغامٌ عبيدٌ أَقزام”، على حدِّ قول الإمام عليّ، عليه السلام، وقاماتٌ قميئة تتمسَّحُ على أَعتاب المتعصِّبين الموتورين من رجال السياسة والدين، لغاياتٍ وضيعةٍ في نفوسهم!
بل إنَّه كان من الأَمثَل لها، حفاظًا على كرامتها، أَن تنأَى بنفسها عن الشائعات الكاذبة التي استندَت إليها في مقالها، والتي كان يُروِّجُها أَعداءُ الدكتور داهش عنه، في ذلك العهد الظلاميّ، بفعل الغيظ الذي كان يملأُ قلوبهم عليه، وعلى الخوارق الجبَّارة التي كان يأتيها، بإذنٍ من اللَّه سُبحانه، لغاياتٍ روحيَّةٍ سامية، وعلى دعوته إلى وحدة الأَديان السماويَّة المُنزَلة في جوهر تعاليمها، ووحدة الأُسرة البشريَّة، وبسبب مُناهضته التعصُّبَ الدينيَّ والمذهبيّ، والاستبداد والمظالم التي تُرتكبُ بحقِّ الشعوب الضعيفة.

ولقد كان من واجب الكاتبة، أَيضًا، أَن تقرأَ كتب الدكتور داهش الأَدبيَّة والفلسفيَّة التي أَربى عددُها على مئةٍ وخمسين، وكُتب الدراسات الصادرة حولها، وعلى الأَخصّ كتابه “ضجعة الموت أَو بين أَحضان الأَبديَّة” الذي أَلمحَتْ إليه بطريقةٍ ساخرة في عنوان مقالها دون أَن تأتي على ذِكره لاحقًا، وكتاب “الدكتور داهش بأَقلام نُخبةٍ من مُعاصريه بمناسبة الذكرى المئويَّة لمولده” الذي شارك فيه نخبةٌ من الكتَّاب في لبنان وسوريا ومصر وكندا والولايات المتَّحدة الأَمريكيَّة، لكي تستزيد معرفةً حقيقيَّةً بحياته وخوارقه وأَدبه وفكره وقضيَّة الاضطهاد الذي تعرَّض له، قبل أَن تكلِّف نفسها عناءَ الكتابة عنه، وتُسهم، عن قصدٍ أَو غير قَصْد، في الإساءَة إليه، ممَّا لا يليقُ بها ولا بالأَلقاب التي تحملُها، علمًا بأَنَّ جهلها بحياته وأَدبه وفلسفته لا يُعفيها من المسؤوليَّة الأَدبيَّة والأَخلاقيَّة والروحيَّة المُترتِّبة عليها، ولا يشفعُ لها البتَّة في ما بثَّته عنه من أَضاليل في مقالها.

لكنَّها، وللأَسف، لم تقرأْ أَيًّا من تلك الكتب، واكتفَت بما لملَمَتْه يدُها من مستنقع تلك الشائعات المُضلِّلة، وما تسقَّطَته أُذنها من الأَفواه المتمرِّغة في حمأَة الكذب، غير عالمةٍ بأَنَّ مَن بثُّوا تلك الأَضاليل عن الدكتور داهش، ومَن جرَّدوه من جنسيَّته اللبنانيَّة وحرِّيَّاته وحقوقه، بالظُّلم والافتراء، هم أَنفسُهم مَن نَهبُوا خيرات الشعب اللبنانيّ، في ذلك العهد البائد، وهم مَن أَذكَوْا نار الطائفيَّة البغيضة في الوطن، لاحقًا، وأَعملوا في رجاله ونسائه وشيوخه وأَطفاله قَتْلاً وذَبْحًا وتقطيعًا طوال سنوات الحرب الأَهليَّة اللبنانيَّة، وهم مَن أَثكلوا الأُمَّهات بزينة رجالهنَّ وأَبنائهنّ، ومَن دكُّوا أَركان الوطن، وردَّموا عمرانه، بلا وازعٍ من ضميرٍ أَو وجدان. ويقيني بأَنَّ الكاتبة تجهلُ كلَّ شيءٍ عنهم. ولو أَنَّها عرفَتْ مَن هم، على حقيقتهم، وما الذي ارتكبوهُ من إثمٍ رهيب بحقِّ الوطن وأَبنائه، لما كانت تَرضى بأَن تَحذُوَ حَذْوَهم، وتستقي معلوماتها من مَعين أَكاذيبهم… فأُولئك الموتورون الظلاميُّون المنغمسون في التعصُّب الدينيِّ الأَعمى كانوا يُقوِّلون الدكتور داهش ما لم يَقُلْه قطّ، ويدَّعون باطلاً بأَنَّ تدخُّله في السياسة كان السبب في اضطهاده، وينسجون أَخبارًا كاذبة حول أَعماله الخارقة، ناسبين إيَّاها إلى السحر، ويُلصقون بعقيدته الفكريَّة السامية من الأَباطيل ما لم تَعهدْه قطّ، علمًا بأَنَّ تلك العقيدة هي خلاصةُ مبادئَ وأَفكارٍ فلسفيَّة كان الدكتور داهش يؤمنُ بها، ويُعلنُها على رؤوس الأَشهاد، وتجدُ سبيلها بشكلٍ عفويّ إلى كتاباته الأَدبيَّة، على اختلاف موضوعاتها والفنون التي تنتمي إليها. كما إنَّهم أَعملوا أَقلامهم المسمومة، الملوَّثة بطاعون المُفتريات الدنيئة، في تشويه سيرة الأَديبة والفنَّانة الداهشيَّة ماري شيحا حدَّاد، شقيقة زوجة رئيس الجمهوريَّة بشاره الخوري، بأَمرٍ شخصيٍّ منه ومن زوجته لور وشقيقها ميشال شيحا.
وإنَّه لَمن المؤسف أَن يسمح المسؤولون في جريدة “الجمهوريَّة” بنشر مثل هذا المقال المُفكَّك الأَوصال، والهزيل معنًى ومبنًى، والذي لا يمتُّ إلى الحقيقة بصِلة، على صفحاتها، وهم يعلمون حقَّ العلم بأَنَّه يُسيءُ إلى كرامة مواطنين لبنانيِّين أَعزَّاءَ وأُباة، بمن فيهم الدكتور داهش، مُلصقًا بهم تهمًا ما أَنزل اللَّهُ بها من سلطان! بل إنَّه لَمنَ المَعيب أَن يتغاضى أُولئك المسؤولون عن نشر مقالتي هذه، ردًّا عليه، وعن نشر مقالةٍ أُخرى لي تناولتُ فيها حياة الدكتور داهش وخوارقه وأَهدافه، من ضمن ذكرياتي الجميلة معه، بغية تقديم الحقيقة الساطعة عنه لقرَّائهم…
أَمَّا السببُ في رفض أُولئك المسؤولين نشر المقالتَين، فهو خوفُهم من غضب بعض رجال الدين المتعصِّبين الذين كانت لهم يدٌ في اضطهاد الدكتور داهش، والذين ما يزالون يُناصبونه العداء، ويخشون انتشار أَدبه وتعاليمه وفكره الحرّ، ويرتعدون من ذِكْر اسمه، ولا يتورَّعون عن التشهير به، حتَّى بعد رحيله! ومثلُ هذا الأَمر لا يُشرِّفُهم من قريبٍ أَو بعيد!
ولعلَّ أَحطَّ الشائعات التي أَوردَتها الكاتبة في مقالها، وأَشدَّها ظلاميَّةً، هي ما استقَته من كتاب “رواية بيروت”، للصحفيّ اللبنانيّ اسكندر نجَّار. ففي روايته المِسْخ تلك، انبرى ذلك الكاتب متحدِّثًا عن الدكتور داهش بلسان صحفيٍّ جعل منه أَحد أَبطال روايته، مُسبغًا عليه أَبشع الأَوصاف والصفات، قائلاً: “سمعنا صدى خطوات.. رأسٌ مستدير.. جبينٌ عرَّضه الصَّلع.. رقبةٌ ضخمة.. شاربان رفيعان يعلوان شفتَيه الغليظتَين.. وحاجبان كثَّان يُظلِّلان عينيه السوداوين.. ارتعدتُ. مظهرُ مُضيفي مختلفٌ عمَّا تصوَّرت.. توقَّعتُ رؤية عجوزٍ بلحيةٍ مُتموِّجة على غرار مرلان الساحر. لكنْ ها أَنا أَمام رجلٍ سمين شبيهٍ بجزَّار شارع غورو..” ولم تكن تلك الأَوصاف، في الحقيقة، إلاَّ سلسلةً من الأَكاذيب المقيتة التي استنبطها خيالُ ذلك الكاتب المتعصِّب الأَبلَه من خياله الخُنفُشاريّ، والتي لا صلة تصلُها بشكل الدكتور داهش الحقيقيّ الذي عرفتُه شخصيًّا، وعرفه الآلافُ من زائريه ومعارفه ومُريديه. وفي يقيني أَنَّه لم يُقيَّض له رؤية الدكتور داهش في حياته ليَكتب عنه ما كتَب. وقد تعامى عن رؤية صوره الحقيقيَّة التي كان يبدو فيها مثالاً للجَمال الأَسمى، والتي كانت تملأُ الصحف والمجلاَّت في النصف الثاني من القرن العشرين، تلتقطُها له عدساتُ المصوِّرين الصُّحفيِّين في أَثناءَ اللقاءَات الصحفيَّة معه. وقد كان الأَجدر به، وهو الحائزُ على الأَلقاب الفكريَّة الطنَّانة الرنَّانة، والطامحُ إلى نَيْل المزيد منها، والمدَّعي كذِبًا حرصه على الحرِّيَّات الفكريَّة، أَن يكون في عداد الصحفيِّين الأَحرار الذين يُشيدون بالدكتور داهش وأَدبه الإنسانيّ وفلسفته الروحيَّة المُثلى، ويُفاخرون ببطولاته في مُجابهة ظُلاَّمه من رجال دينٍ وسياسة، وباستبساله في الدفاع عن حرِّيَّاته وحقوقه، وحرِّيَّات وحقوق أَبناءِ وطنه، لا أَن يجعل من نفسه مطيَّةً لرجال الإكليروس، وللتعصُّب الدينيِّ الأَعمى والكذب والافتراء، وينحدر إلى هذا المستوى من التفاهة والإسفاف الأَخلاقيّ في التفكير والكتابة.
لكنَّ أَمرًا واحدًا، في جملة الأُمور التي ذكَرها، لا يرقى إلينا الشكُّ في تصديقه، ويجدرُ بنا أَن نُسجِّله له في هذا السياق، وهو أَنَّه، شخصيًّا، يرتعدُ فَرَقًا عند مشاهدته للدكتور داهش، بل حتَّى عند تخيُّله له!… فهو يَخافُه بالفعل، ويَخافُ خوارقه ومبادئه، سواءٌ كان الدكتور داهش حيًّا في الأَرض أَو مُتساميًا في عالَمٍ آخر!… ولسوف تُصيبُه الرِّعدة كلَّما سمع باسمه، وبأَعماله الخارقة، أَوكلَّما شاهد صورةً له! بل إنَّه سيبقى مُتخيِّلاً إيَّاه ماردًا عملاقًا ضخمًا، ومُتخيِّلاً نفسه قَزْمًا، بل قَزْمَلاً في حضرته!…
ولقد كان الأَوْلى بالكاتبة أَن تنأَى بنفسها عن قراءَة رواية هذا القَزْمليِّ الفكر والقلم واللغة، وتقرأَ، بدلاً عنه، كتاب “كيف عرفتُ الدكتور داهش” للعلاَّمة الكبير، وعملاق الأَدب والفكر، واللغويّ الفذّ، الشيخ عبد اللَّه العلايلي الذي عرف الدكتور داهش عن قُرب، وزارهُ مرارًا وتكرارًا في منزله مع لفيفٍ من علماءِ المسلمين، وشاهد الكثير من خوارقه، وشَهد لها، وتعرَّف إلى مبادئه وأَهدافه وقرَّظها، ونظَم له شعرًا كتابه العملاق “جحيم الدكتور داهش”، فأَجاد في نظمه وأَبدع. فلو أَنَّها فعلَت ذلك لَقرأَت الوصف الحقيقيّ للدكتور داهش كما أَوردَه العلاَّمةُ الصادقُ الطويَّة في كتابه، إذ قال:
“تقعُ العين من الدكتور داهش، أَوَّل ما تقع، على خَلْقٍ استوى بنيانُه، وانتصَب في قامةٍ هي أَقرب إلى الطول، إذا كنتُ أَنا وصاحبُنا الأُستاذ يوسف الحاجّ مقياسَه، ورُكِّب عليه وجهٌ صبيح جاءَ نموذجًا جميلاً للطابع الشرقيّ، واضحُ التقاسيم، ينطقُ بالعذوبة والبراءَة والبِشْر!..” فشتَّان ما بين وصف العلاَّمة العلايلي الواقعيّ الصادق له ووصف الكاتب اسكندر نجَّار الوهميِّ المُتخيَّل الكاذب! شتَّان ما بين كلامِ رجُلٍ عملاقٍ ينداحُ شموخًا وعلوًّا وتساميًا وصدقًا، مع الزمن، وكلامِ قَزْملٍ يزدادُ دُونيَّةً وخِسَّةً وصَغارةً وكذِبًا!

وتختلطُ الشائعاتُ الظلاميَّة في رأس الكاتبة، فيصلُ بها الأَمر إلى حدِّ القول بأَنَّ خوارق الدكتور داهش “تندرجُ تحت خانة الأَوهام، وأَنَّها حازَت بسَطوتها على عقول وقلوب العديد من مُتابعيه، حتَّى وصل الأَمر بالأَديبة ماري شيحا حدَّاد، وهي من مُناصري الحركة الداهشيَّة، بأَن تقوم بمحاولةٍ لاغتيال صهرها الرئيس بشاره الخوري انتقامًا منه لمَقْته لداهش. وبعد فشلها في القيام بتلك الخطوة الآثمة، تمَّ إرسالها إلى دير الصليب. وقد وضعت حدًّا لحياتها بالانتحار، هربًا أَو ربَّما ندمًا على ما آل إليه حالُها.”
هذا الكلام عارٍ عن الصحَّة، جُملةً وتفصيلاً. فماري حدَّاد لمسَت لمسَ اليد معجزات الدكتور داهش، شأنُها في ذلك شأن زوجها الأَديب جورج حدَّاد وبقيَّة أَفراد أُسرتها، وأَدركَت حقيقة القوَّة الإلهيَّة التي كانت تُجريها على يديه، والتي تفوقُ الطبيعة. وقد كتبَت رأيها في شخصه وخوارقه ومبادئه، ضمن إفادةٍ خطِّيَّة قدَّمَتْها إلى رئيس البوليس العدليّ، إدوار أَبي جودة، الذي حضر إلى منزلها للتحقيق معها، بأَمرٍ من الرئيس بشاره الخوري والمدَّعي العامّ الاستئنافيّ يوسف شربل، وذلك بتاريخ ٢٣ شباط (فبراير) ١٩٤٤. وهذه مقتطفاتٌ ممَّا جاءَ في إفادتها تلك:
“إنَّ الدكتور داهش ظاهرةٌ تتحدَّى هذا العصر؛ فهو يُعيدُ القيَم إلى منازلها؛ وهذا أَمرٌ غريبٌ غير متوقَّع، ولكنَّه ثابت.. ثمَّ سرعان ما وجدنا أَنفسنا أَمام قوَّةٍ تفوقُ الطبيعة، وشاهدنا على يديه شتَّى أَنواع التكثير، كما شاهدنا معجزات شفاء، وتحقُّق نبوءَات. ثمَّ إنَّه لا شيءَ، ههُنا، بخافٍ: لا الفكر، ولا الحاضر، ولا المستقبل. وقد شاهدنا كيف تحلُّ الرزايا بِمَن يفترون عليه. كما شاهدناه يتحكَّمُ بعناصر الطبيعة تحكُّمه بالموت والحياة.. إنَّه، في سموِّ مقاصده وما يتَّصفُ به فكرُه من نُبلٍ وصفاء، أَسمى تعبيرٍ عن العبقريَّة. وإلى ذلك، فلا يمكنُ أَن يكون في الناس مَن يفوقُه موضوعيَّةً وواقعيَّةً عمليَّة، ذلك أَنَّه يجعلُنا نَعرفُ ونَقدرُ الأُمورَ الجديرة بأَن تُعرَف وتُقدَر؛ وهي أُمورٌ خالدة، لا فانية.
“إنَّما الدكتور داهش معجزةُ هذا العصر؛ فالمعجزات لم تُفارقْه قطّ.. إنَّه، في ما يُعلِّمُنا إيَّاه، إنَّما يدَعُنا نلمسُ حقيقة الروح لَمسَ اليد، فيُشرعُ لنا نافذةً عريضةً على العالَم الثاني الذي يتعذَّرُ حتَّى الآن ارتيادُه… أَمَّا تعاليمُه، فحصيلتُها انتفاءُ الشكّ والسكينةُ النفسيَّة واليقينُ بما ينتظرنا بعد الموت. وإذا بنا نرتفعُ فوق كلِّ الصغائر، وما كان بالأَمس ذا شأنٍ عندنا ينقلبُ لا شأن له. فما ثمَّة هموم، بل حياةٌ سعيدة – إذا صحَّ أَنَّ في الأَرض سعادة.. فلو كانت حكومتُنا حكومةً مُستنيرة لأَدركَتْ أَنَّ في شخص الدكتور داهش طاقاتٍ لا تُقدَر ولا تُحدُّ أَبعادُها، ولَسعَت إلى الانتفاع بها من قبل أَن تسبقَها أُممٌ ناهضة إلى تجديد قواها بتلك القوَّة الخارقة التي لم تكنْ متوقَّعةً حتَّى الأَمس القريب؛ تلك القوَّةِ التي ينحني أَمامها كلُّ شيء، كلُّ شيءٍ بلا استثناء، لأَنَّها قوَّةُ اللَّه!
“على أَنَّني لا أَرثي فقط لمَن يفتَرون عليها، بل لمَن يقفون منها موقف الحياد، فلا يسلكون في رَكْبها…”

ماري حدَّاد في أَربعينيَّات القرن العشرين
تلك الخوارقُ الجبَّارة والتعاليمُ السامية دفعَت ماري حدَّاد إلى مجابهة ظُلم أَقربائها الذين كانوا في سُدَّة الأَحكام، واعتدَوا على حرِّيَّة الدكتور داهش وحرِّيَّتها الفكريَّة، خلافًا للدستور والقوانين. ففي تلك الحقبة، استلَّت قلمها كما يُستلُّ السيفُ اليمانيُّ من غمده، وأَعملَته في كبريائهم وصلَفهم، وظُلمهم وفسادهم، فعفَّرت رؤوسهم، ولم تُخفضْ رأسها لأَحدٍ غير اللَّه والحقّ! وعلى إثر نَشْر الدكتور داهش عشراتٍ من الكتب والمناشير السوداء، باسمها، في إطار الحرب القلميَّة التي شنَّها على مُضطهديه، أَمر صهرُها الرئيس الخوري بنَقلها، ظلمًا وانتقامًا، إلى مستشفى المجانين المُسمَّى “العصفوريَّة”، وذلك بتاريخ ١٦ أَيَّار (مايو) ١٩٤٥، فأَمضت فيه ٧٣ يومًا إلى جانب المجانين الذين حُرموا من نعمة العقل.
في تلك الأَثناء، أَصدر الدكتور داهش، وهو في مُحتجبه القسريّ، منشورًا أَسود طالب فيه بإخراجها من “العصفوريَّة” تحت طائلة التهديد بنشر فضائح شخصيَّة عن ملكة بريطانيا! وعلى إثر ذلك التهديد، وفي ٢٦ تمُّوز (يوليو) ١٩٤٥، أَعطى الجيش البريطانيّ المتواجد آنذاك في لبنان الأَمر للدكتور ر. ستيوارت ميلر، مدير المستشفى، الإنكليزيّ الجنسيَّة، بإخراجها منه على الفور، فأَصدر هذا الأَخير تقريرًا جديدًا اعتبر فيه بأَنَّها مسؤولةٌ عن أَعمالها، مُنقلبًا بذلك على ما أَوردَه في تقريره السابق عنها، فأُطلق سراحُها في اليوم التالي. وقد عُدَّ ذلك انتصارًا لماري حدَّاد الصابرة المُحتسبة التي كانت تحملُ صليبها في كلَّ يوم من أَجل الحقيقة والعدالة!
وقد خاطبها، عهدذاك، الصِّحافيُّ السُّوريُّ الكبير جبران مسُّوح، صاحب جريدة “المختصر” الصادرة في بونس إيرس في الأَرجنتين، في رسالةٍ بعث بها إليها، في معرض دفاعه عنها، فقال: “الحادثُ بجُملته شبيهٌ بحادث دريفوس في تاريخ فرنسا. وحسبُكِ في هذا النضال أَن تكوني إميل زولا. ولكنْ، لا بأس يا ماري، وعلينا أَن نُوقظ هذه الأُمَّة لإنقاذ ضميرها من الهلاك!… هذا الحادث هو أَعظمُ حادثةٍ جرَت في الشرق في هذا الجيل. وإنِّي كلَّما قرأتُ تفاصيلها أَرى ماري حدَّاد فوق الجميع، فوق بشاره الخوري، وفوق وزارته وحكومته، بل أَنتِ فوق لبنان، كلِّ لبنان.. لأَنَّكِ تُدافعين عن مبدإٍ وعقيدةٍ دفاعًا قصَّر عنه جميعُ الرجال!..”

الصِّحافيّ جبران مسُّوح صاحب جريدة “المُختصر” الصادرة في بونس إيرس بالأَرجنتين
والجدير بالذكر أَنَّ ماري حدَّاد لم تنتحر، كما ادَّعَت الكاتبة في مقالها، بل إنَّها تابعت نضالها مع الدكتور داهش والداهشيِّين ضدَّ أَقربائها الحاكمين بأَمرهم إلى أَن ثار الشعبُ اللبنانيّ عليهم، وأَسقط الرئيس بشاره الخوري عن سدَّة الحكم، وأَنهى عهده المشؤوم، وذلك في ١٨ أَيلول ١٩٥٢. وقد احتفلَت ماري حدَّاد مع الدكتور داهش والداهشيِّين بسقوط الطاغية، وشاركوا الشعب اللبنانيّ فرحته بزوال دولة الاستبداد!
وإلى ختامٍ، أَقول: لقد كان جميلاً بمكان لو أَنَّ كاتبة المقال نسرين بلُّوط قرأَت مؤلَّفات السيِّدة الجليلة ماري حدَّاد، والمؤلَّفات التي تتناول تاريخ نضالها، قبل أَن تنبري للكتابة عنها والإساءَة إليها، أَو لو أَنَّها قرأَت المقالَين اللذين كتبتُهما شخصيًّا عنها، ونُشرا في جريدة “الأَخبار” اللبنانيَّة: الأَوَّل بعنوان “مَن يَذكُر المتنوِّرة الثائرة على الظُّلم والفساد في لبنان! ماري حدَّاد… وحسبُكِ في هذا النضال أَن تكوني إميل زولا!” (٩ نيسان “أَبريل” ٢٠١٩)؛ والثاني بعنوان “ماري شيحا حدَّاد… فارسةُ الأَدب والفنِّ الجميل!” (٢٨ تشرين الأَوَّل “أُكتوبر” ٢٠٢٢). فلو أَنَّها فعلَت ذلك، واطَّلعَت على تراث الدكتور داهش الفكريّ، بموضوعيَّةٍ وتجرُّد، لَكانت نَحَتْ نَحوًا مُغايرًا في كتابتها عنهما، وجَنَّبَتْ نفسها الانغماس في ظُلم المُتنوِّرين من أَهل الرأي والفكر الحرّ، وسجَّلَتْ اسمها في صدر صفحات التاريخ المُشرقة عوضًا عن أَن يُرمى به، مدموغًا بلطخة العار، في صفحات التاريخ السوداء إلى جانب أَسماءِ المُعتدين على الأَحرار الشُّرفاء المُكافحينَ الظُّلمَ والظُّلاَّم وأَهلَ الظَّلام!…
* كاتب لبناني مقيم في كندا

