تسونامي بشري في طهران: الدلالات الاستراتيجية ورسائل التجديد الثاني للثورة

حسن حردان
فوجئ العالم، لا سيما الدوائر الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، بالمشهد المهيب الذي تجسّد في خروج ملايين الإيرانيين لتشييع ووداع قائدهم التاريخي الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، باني ركائز دولتهم المستقلة؛ هذا القائد الذي استشهد رافضاً التواري عن الأنظار، مُقدّماً نموذجاً في التضحية والفداء دفاعاً عن قيَم ومبادئ الثورة الإسلامية التي شارك في قيادتها مع الإمام الراحل روح الله الموسوي الخميني، والتي انتصرت على نظام الشاه التابع لقوى الاستعمار والهيمنة الأميركية الغربية.
ولم تقتصر المفاجأة الغربية على الحشد الشعبي غير المسبوق، بل تعدّتها إلى المشاركة الرسمية الدولية والإقليمية الكثيفة لوفود ممثلة لنحو مئة دولة، جاءت لتلقي نظرة الوداع على قائد قارع قوى الاستعمار والهيمنة والاحتلال. لقد تحوّل هذا التشييع من مناسبة عزاء إلى محطة استراتيجية فارقة أعلن فيها الشعب الإيراني عن “التجديد الثاني للثورة”، موجهاً رسائل قوة ووحدة لأعداء إيران وحلفائها على حدّ سواء.
أولاً: إسقاط الرهانات الدبلوماسية
وتعزيز موقف المفاوض الإيراني
لطالما بُنيت الاستراتيجيات الغربية تجاه إيران على فرضية خبيثة تزعم وجود شرخ عميق بين الشعب الإيراني وقيادته، وهي الفرضية التي استُخدمت لسنوات كأداة ابتزاز سياسي واقتصادي عبر سياسة “الضغوط القصوى” والعقوبات. وجاء هذا الاستفتاء الشعبي العفوي المليوني ليحدث انعكاساً جذرياً على هذا المسار:
التفاوض من موقع السيادة الكاملة: المشهد الشعبي أثبت للدوائر الغربية أنّ نظام الجمهورية الإسلامية يرتكز على قاعدة جماهيرية صلبة لا تهزها العقوبات والعدوان. هذا التلاحم يمنح المفاوض الإيراني حصانة تامة تتيح له التمسك بالثوابت الوطنية والخطوط الحمر دون خشية من التهديدات الخارجية.
نزع فاعلية سلاح العقوبات: أرسل الحشد المليوني رسالة واضحة بأنّ الشعب يتبنّى خيار الصمود الاقتصادي والسياسي، وبذلك سقطت ورقة “الضغط بالشارع” التي كان الغرب يراهن عليها لانتزاع تنازلات جوهرية في ملفات السيادة أو الحقوق النووية والعلمية.
مؤسّساتية الدولة واستمرار الثوابت: أثبت انتقال التوجيه السياسي بسلاسة، والالتفاف حول القيادة الجديدة، أنّ استراتيجية المفاوضات الإيرانية تنبع من رؤية دولة مؤسّسات راسخة، لا تتأثر بتبدّل الأشخاص أو غياب القادة.
ثانياً: تثبيت ركائز
الدعم المطلق لقوى المقاومة
على الصعيد الإقليمي، كان الحدث بمثابة إعلان تاريخي عن تجديد الدستور العقائدي والسياسي للجمهورية الإسلامية في دعم حركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الأميركية:
مشروعية شعبية عابرة للحدود: إنّ خروج الملايين تكريماً لقائد أمضى حياته في بناء ودعم ركائز محور المقاومة، يمثل تفويضاً شعبياً حاسماً باستمرار هذا النهج. لقد أكد الشارع الإيراني أنّ كلفة دعم المقاومة ليست قراراً رسمياً معزولاً، بل هي عقيدة شعبية واعية.
رسالة طمأنة للحلفاء وردع للأعداء: الحضور البارز لوفود فصائل المقاومة، من الساحات كافة، في التشييع، إلى جانب التأكيدات الصارمة من القيادة الجديدة، أثبتت أنّ خطوط الإمداد والإسناد ـ السياسي، العسكري، والمالي ـ هي مسار مؤسّساتي مستمر لا تراجع فيه أو مهادنة.
ارتداد سياسة الاغتيالات والإقصاء: أرسل الحدث رسالة ردع استراتيجية للمحور (الأميركي ـ الإسرائيلي) مفادها أنّ استهداف القادة لا يُنتج فراغاً أو انكساراً، بل يتحوّل إلى طاقة تعبئة وتلاحم تفوق بحجمها وتأثيرها اللحظات الاعتيادية، مما يرفع الجهوزية المعنوية والعسكرية للمحور بأكمله.
ثالثاً: الخلاصات الاستراتيجية
للمرحلة الجديدة
إنّ القراءة المتأنية لهذا الحدث التاريخي تضع المجتمع الدولي أمام خلاصات أساسية وجديدة لا يمكن تجاهلها:
1 ـ فشل أهداف الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية:
يؤكد هذا الحدث المشهود سقوط الرهانات وفشل أهداف الحرب الأميركية ـ “الإسرائيلية” في المنطقة، وفي مقدّمها فشل محاولات كسر وإخضاع إيران، وتعويم الهيمنة الأحادية الأميركية. كما يمثل صفعة لأحلام رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بفرض مشروع “إسرائيل الكبرى” وإعادة تشكيل الشرق الأوسط على صورة أحلام المشروع الصهيوني، الهادف إلى تصفية قضية فلسطين وإخضاع دول المنطقة للهيمنة الإسرائيلية.
2 ـ قصور أدوات التحليل الغربي: تتأكد مجدداً الفجوة العميقة في فهم الأجهزة الغربية لديناميكيات المجتمع الإيراني؛ حيث تُبنى تقديراتهم غالباً على رغبات سياسية وتوجيه إعلامي مضلّل، بدلاً من قراءة الواقع الميداني العقائدي والوطني.
3 ـ عقيدة الاستقلال الراسخة: إنّ الركائز التي وضعها الإمام الراحل روح الله الخميني لإنهاء التبعية للأجنبي قد تحوّلت إلى هوية وطنية وجينية لدى الأجيال المتعاقبة، ولم تعد مجرد شعارات مرحلية يمكن المساومة عليها.
4 ـ نموذج القيادة المضحية: كرّس الحدث ثقافة ثورية فريدة، حيث تلتحم القيادة مع الشعب في الخطوط الأمامية وتتقدّم للتضحية والفداء، وهو ما يمنح النظام السياسي طاقة تجدّد روحي وسياسي هائلة في مواجهة التحديات المستقبلية.
خلاصة القول: لقد تجاوز هذا الحدث التاريخي حدود مراسم الوداع، ليتحوّل إلى “مناسبة للتجديد الثاني للثورة”، أظهرت فيه إيران للعالم أنها باتت أكثر وحدة، تماسكاً، وتصميماً على حماية إنجازاتها ونظامها الجمهوري، مكرّسةً معادلة جديدة: دماء القادة لا تُضعف الجبهة، بل تمدّ الدبلوماسية بصلابة أشدّ، وتمنح ساحات المقاومة اندفاعة أقوى نحو تحقيق أهدافها الاستراتيجية وإسقاط مشاريع الاحتلال لتصفية قضية فلسطين وفرض الهيمنة في المنطقة…




