حرب استنزاف بين واشنطن وطهران: يربح من يملك قدرة أكثر على التحمّل؟

حسن حردان
يبدو من الواضح أنّ الرهان الأميركي على استنزاف إيران وزيادة الضغط الاقتصادي على الشعب الإيراني، لإضعاف موقفها وإخضاعها لشروطها وإملاءاتها، فيما طهران تراهن على استنزاف أميركا من بوابة ارتفاع اسعار النفط والسلع والتسبّب بأزمة في الداخل الأميركي عشية الانتخابات لدفع ترامب للعودة الى مسار المفاوضات على قاعدة الالتزام بمضمون مذكرة التفاهم، فيما إيران تملك القدرة على تحمّل حرب استنزاف أكثر من أميركا، فهي تواجه الحصار الاقتصادي منذ عقود، ولديها عمق جغرافي مفتوح على دول عديدة غير خاضعة للهيمنة الأميركية…
من هنا يكمن جوهر الصراع الاستراتيجي بين واشنطن وطهران في عام 2026، حيث تحوّلت “حرب الاستنزاف” إلى أداة لرفع منسوب الألم، مستندة إلى توازنات دقيقة ومعقدة:
أولاً: رهان الاستنزاف المتبادل
الرهان الأميركي: تراهن إدارة ترامب على أنّ “الضغط الأقصى” (عبر استهداف البنية التحتية) سيُحدث تصدّعات داخلية في إيران، سواء عبر تعميق الأزمة الاقتصادية أو دفع الشارع للتحرك ضد النظام، مما يجبر طهران في نهاية المطاف على تقديم تنازلات جوهرية في ملفاتها السيادية والنووية.
الرهان الإيراني: تراهن طهران على “المرونة الاستراتيجية” وامتلاك “نفس طويل” في الحروب الاقتصادية، مستفيدة من العمق الجغرافي والتحالفات الإقليمية. وتعتمد في استنزاف واشنطن على تحويل أيّ مواجهة إلى ازمة للاقتصاد العالمي (أسعار النفط، الملاحة في هرمز وباب المندب)، مما يضع ترامب في مأزق سياسي واقتصادي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي تجعل أي ارتفاع حاد في الأسعار أو انخراط في “حرب أبدية” عبئاً على شعبيته.
ثانياً: القدرة على تحمّل الاستنزاف
إيران (العمق والتعود): إيران تمتلك ميزة “الصمود تحت الحصار” الذي اعتادت عليه لعقود. وبخلاف دول أخرى، فإنّ هيكلية اقتصادها وسياساتها الدفاعية مصمّمة لتكون “اقتصاد مقاومة”. كما أنّ قدرتها على تشتيت الدفاعات الأميركية (عبر المُسيّرات، الصواريخ الساحلية، وقوى محور المقاومة في المنطقة) تخلق “أعباء لوجستية” ومالية ضخمة على الجيش الأميركي، حيث تُجبر واشنطن على إنفاق مبالغ طائلة لحماية القواعد والناقلات مقابل تكلفة منخفضة نسبياً للعمليات الإيرانية.
أميركا (التفوق العسكري والضغط السياسي): بينما تملك واشنطن تفوقاً عسكرياً ساحقاً، فإنها تواجه “عائق الفعالية”. الحرب ليست مجرد قصف، بل هي إدارة تداعيات القصف؛ فأيّ ضربة كبيرة للبنية التحتية الإيرانية قد تؤدي إلى انهيار الأسواق العالمية، وهو ما تدرك إدارة ترامب خطورته على الاقتصاد الأميركي، مما يفسّر التذبذب في المواقف بين التهديد المباشر والميل الدبلوماسي.
ثالثاً: مفارقة الرهانات
إنّ الصراع الحالي ليس “حرباً بالمعنى التقليدي” (احتلال أراضٍ)، بل هو “حرب إرادات”:
إيران تدرك أنّ “النصر” بالنسبة لها هو “الصمود وعدم الانكسار” ، وهو ما يُعتبر نجاحاً بحدّ ذاته في وجه أقوى دولة في العالم.
واشنطن تدرك أنّ “النصر” يتطلب تغيير سياسة إيران، وهو ما يبدو بعيد المنال، فيما استمرارها في حرب استنزاف مديدة يكبّدها تكاليف باهظة قد لا يتحمّلها الداخل الأميركي.
من هنا انّ هذا الاستنزاف المتبادل يتحوّل إلى “سلاح ذي حدين”. فإذا كانت إيران تعوّل على عمقها الجغرافي وخبرتها في الحصار، فإنّ أميركا تعوّل على ثقلها المالي وقدرتها على عزل إيران دولياً (وهو ما ثبت فشله). وبما أنّ الطرفين يدركان أنّ “الحرب الشاملة” ستؤدي إلى نتائج غير متوقعة للجميع، فإنّ المسار المرجح هو “التصعيد المنضبط” الذي يظلّ فيه الباب موارباً أمام تسويات “تعيد تعويم مذكرة التفاهم”، وذلك لحفظ ماء الوجه وتجنّب الانهيار الاقتصادي الإقليمي والعالمي…


