قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان ” المفاتيح بيد إيران …أمريكا تفقد السيطرة ؟الرد الإيراني زلزل الاقتصاد العالمي؟ نتنياهو يحمي ترمب!”

مقدمة:
تمثل اللحظات الاستثنائية في حرب يوم القيامة التي تعيش يومها الثاني والعشرين أنها ولأول مرة منذ قرون ترسخ حقيقة انهيار العلاقة بين القوة والنتيجة.
لأول مرة منذ قرون، يحدث أن
قوة نارية هائلة بلا قدرة على الحسم أو التحكم بالمسار في الحرب، لأول مرة تفوق تقني عاجز بلا سيطرة على أي من ميادين القتال، ولأول مرة هيمنة عالمية بلا قدرة على فرض الإرادة أو حتى استجداء قرار بالدعم. هذه القراءة النوعية للحرب كما يطرحها عوض لا تمثل فشل تكتيكي للمعتدي بل
هذا يعني شيئاً أخطر بكثير القانون الذي حكم الحروب منذ الثورة الصناعية لم يعد يعمل.
إن مشهد “السماء التي تمطر صواريخ” في رؤية عوض ليس سوى السطح المرئي لتحول أعمق هو انفصال متزايد وغير مسبوق بين امتلاك القوة والقدرة على فرض النتائج. ما يجعل توصيف عوض المستمر ومنذ طوفان الأقصى لهذه المعركة الممتدة والمستمرة بالعجائبية أكثر دقة وواقعية من أي وقت مضى.
أولاً: نهاية الهندسة الغربية للحرب…من التفوق العسكري إلى أزمة السيطرة
يطرح عوض فرضية مركزية أن
القوة العسكرية الأمريكية لم تعد تعني السيطرة الفعلية وأن الغرب الذي بنى حروبه على معادلة بسيطة:
تفوق ناري مضافا” إلى صدمة أولى تعني بالضرورة انهيار الخصم.
ما نراه الآن أن الصدمة حدثت والتدمير حصل والاغتيالات وقعت،لكن المعتدى عليه لم ينهَر بل أعاد تعريف المعركة. وكانت النتيجة المعاشة هي:
1. انسحاب حاملات الطائرات: ما يعني سقوط الهيبة العسكرية،
حاملات الطائرات، التي لطالما كانت رمز الهيمنة الأمريكية، تتحول فجأة من أداة ردع إلى
عبء مكلف وهدف محتمل
أو حتى عنصر غير حاسم.
إن استهدافها وتحقيق ضرر يؤدي إلى انسحابها أو تعطّلها في سياق المعركة ليس تفصيلاً عسكرياً، بل إشارة إلى تآكل الردع النفسي قبل العسكري.
2. الفجوة بين التهويل والواقع
الخطاب الأمريكي–الإسرائيلي
توعّد بالحسم السريع، وروّج لتفوق مطلق. لكن الوقائع أثبتت أن إيران رسمت مسار الحرب بعد ساعة من الضربة الكبرى وحولتها لحرب طويلة يقودها
خصم لا يُكسر ويحمل مفاجآت متتالية. وهنا تتشكل أزمة أخطر من الخسارة فقدان المصداقية الاستراتيجية.
ثانياً: إيران لا تقاتل… بل تغيّر شكل القتال…من الدفاع إلى هندسة المعركة
أحد أهم محاور التحليل في الحلقة هو القراءة الدقيقة للتحول النوعي في الأداء الإيراني الذي يتمثل في:
1. اقتصاد القوة: من الكثافة إلى الفعالية
فبدلاً من إطلاق مئات الصواريخ التقليدية كما في الأيام الأولى ،تم الانتقال التدريجي والمدروس إلى صواريخ متعددة الرؤوس وهجمات أقل عدداً وأكثر تأثيراً والنتيجة هي
إنهاك منظومات الدفاع و
تحقيق إصابات أوسع بتكلفة أقل. وهذا وفق رؤية عوص يمثل انتقالاً إلى حرب ذكية قائمة على تعظيم الأثر لا الكم
2. تكتيك “إغراق السماء”
إيران في استراتيجيتها لإدارة الحرب لا تسعى فقط للإصابة، بل إلى تشتيت الدفاعات وفرض ضغط دائم واستنفار مجهد للمنظومات والجنود ما يعني
إنهاك العدو زمنياً ونفسياً
وهو ما يشبه ما فعلته المقاومة في فيتنام ضد أمريكا و
المقاومة الأسطورية في لبنان.
3. الابتكار تحت النار
النقطة الأهم التي يشير إليها عوض هو قدرة الشعوب التي تقاتل تحت الضغط على أن تُبدع أكثر من الجيوش النظامية
وهنا يبرز مفهوم: “المرونة القتالية الحضارية” مقابل الجمود التكنولوجي الغربي.
الخطأ في طرح عوض هو اعتبار ما تفعله إيران “رداً”.
بل في الحقيقة، هي تقوم بشيء أعمق: إعادة برمجة منطق الحرب نفسه فما فعلته فعلياً أنها لم ترتهب من أمريكا في نقاط تفوقها (الطائرات، الحاملات، التكنولوجيا الفائقة)
بل ضربت في نقطة مختلفة تماماً جعلت كلفة الدفاع أعلى من كلفة الهجوم
وهذا انقلاب استراتيجي هائل.
بحيث صارت المعادلة الجديدة
صاروخ رخيص نسبيًا
يجبر العدو على استخدام منظومات بملايين الدولارات
مع استنزاف مستمر مما نقل المشهد إلى عدو يحشد تكتيكياً… ويخسر اقتصادياً وزمنياًو عسكرياً.
ثالثاً:الاقتصاد ساحة الحرب الحقيقية
يرى عوض أن التحول الأخطر الذي بات يضرب بقوة الحسم في هذه الحرب ليس عسكرياً بل اقتصادي من خلال:
1. استهداف الأعصاب لا الأطراف
فالضربات الإيرانية لم تستهدف فقط مواقع عسكرية بل مصادر
الطاقة، الغاز،سلاسل التوريد ما جعل ضرباتها تشل العصب المركزي لاستمرار اي حرب أو حماية سرديتها وتجميع حلفاء فيها. و النتيجة زلزال في النظام الرأسمالي، ارتفاع أسعار الطاقة
واضطراب الأسواق، تهديد سلاسل الإمداد وهنا يتحقق ما لم يكن متوقعاً
انتقال مركز الضغط من الميدان إلى الاقتصاد العالمي.
2- مضيق هرمز ليس موقعاً… بل اختبار للنظام العالمي
كما أن المفارقة وهنا تظهر الإدارة الذكية للإيراني في الحرب كانت أن الصين وروسيا أقل تأثراً بينماالغرب هو المتضرر الأكبر نتيجة الإقفال الذكي لمضيق هرمز. ويرى عوض أن التحليل التقليدي يقول“هرمز مهم لأنه ممر نفطي”لكن القراءة الأعمق تشير أن هرمز هو المكان الذي يُختبر فيه هل ما زالت أمريكا تدير العالم… أم لا؟ فالمسألة لم تعد كم سفينة تمر وإنما
من يملك القدرة على ضمان المرور؟ وعندما لم تعد أمريكا قادرة على ضمانه، فالمعنى ليس عسكرياً فقط، بل انهيار فكرة “الضامن العالمي” نفسها
وهذا أخطر من أي خسارة ميدانية.
ويستحضر عوض نموذجاً تاريخياً بالغ الأهمية وهو أزمة السويس التي مثّلت بداية سقوط الإمبراطورية البريطانية.
المقارنة الاستراتيجية أن
قناة السويس عام (1956) كانت شريان الإمبراطورية البريطانية ومضيق هرمز (اليوم) هو شريان النظام العالمي و بفقدان أمريكا القدرة على التحكم بـ هرمز
تفقد السيطرة على التجارة
وتبدأ مرحلة الانحدار وهذا يتقاطع مع قانون تاريخي
أن الإمبراطوريات تسقط عندما تفقد السيطرة على الممرات الحيوية.
رابعًا: نتنياهو يحمي ترامب…
يلفت عوض إلى محاولة نتنياهو تبني استهداف حقل بارس النفطي بمعزل عن قرار ترمب، ثم ليخرج ترمب ويعلن مسؤوليته هنا يرى أنه حين يتراجع الخطاب الأمريكي فجأة، ويُعاد توزيع المسؤوليات، فهذا ليس تناقضاً إعلامياً بل هذا يعني أن السردية نفسها تتفكك
من يقود الحرب؟من قرر؟
من يتحمل النتائج؟
وعندما تضيع الإجابة، تسقط الهيمنة والسيطرة،
لأن قيادة الحرب ليست قوة فقط بل قدرة على تفسير ما يحدث للآخرين.
خامسًا: التصدع داخل المعسكر الغربي
من المؤشرات اللافتة في هذه الحرب بروز تباينات داخل المعسكر الغربي يمكن إجمالها بالعناوين الآتية:
– أوروبا المترددة: التي ترفض بشكل علني و ضمني أي تحمّل لكلفة حرب لم تشارك في قرارها.
– الضغط الداخلي الأمريكي اقتصادياً وإعلامياً.
– إعادة توزيع المسؤولية السياسية بما يعكس محاولة احتواء تداعيات الفشل.
هذا التصدع يشير إلى
تراجع القدرة على إدارة تحالفات من موقع الهيمنة المطلقة.
سادسًا: الخطر الحقيقي… ليس الهزيمة بل سوء التقدير
رغم المؤشرات الإيجابية لمحور المقاومة، يحذّر عوض من
“الكمين القاتل” وهوليس في
قوة العدو ولا في ميزان القوى
بل في سوء قراءة اللحظة وفخ
الغرور السياسي والفشل في استثمار التحول
وهذا أخطر ما في الحروب التاريخية أن تنتصر ميدانياً… وتخسر في استثمار هذا النصر سياسياً.
خاتمة:
تكشف هذه الحرب عن حقيقة مركزية أن القوة، كما عُرفت خلال العقود الماضية، لم تعد كافية لصناعة النصر.
ونحن أمام تحوّل في بنية الصراع من الحسم السريع إلى الاستنزاف الطويل، ومن التفوق التكنولوجي إلى الفعالية الاقتصادية، ومن السيطرة العسكرية إلى إدارة التعقيد
لكن الأهم من ذلك كله، أن هذه المواجهة تطرح سؤالاً مفتوحاً على المستقبل من سيتمكن من التكيّف مع قواعد اللعبة الجديدة؟
في عالم يتغير بهذه السرعة، لن يكون النصر حليف الأقوى، بل حليف صاحب الحق المعتدى عليه في أرضه وسيادته و الأكثر قدرة على الصمود، والأسرع في إعادة تعريف أدوات النصر واستراتيجياته.


