مقالات رأي

هل أَصبحَت الإساءَةُ للأَنبياءِ والمُصلحين إحدى سِمات هذا العصر؟! حرِّيَّةُ التعبير عندما تستحيلُ نارًا تُحرقُ المُقدَّسات!

القرآنُ الكريم في دائرة الاستهداف!

 

*ماجد مهدي   

مَنْ كان يتخيَّل بأَنَّ حرِّيَّة التعبير قد تُصبحُ في يومٍ من الأَيَّام أَداةً قاتلة في أَيدي حُماتها، ينتهكون باسمها حرِّيَّة المعتقدات، ويُهينون كرامة الأَنبياء، ويشوِّهون سمعة المُصلحين، ويُحرقون المقدَّسات، ويُشعلون الفِتن والحروب، بلا وازعٍ أَو رادع؟! فتلك الحرِّيَّة التي ناضلَت الشعوبُ والأُممُ من أَجلها، وبذلَت الدماءَ في سبيلها، ومنحَتها مكان الصدارة في دساتيرها، لا يَهونُ عليها أَن تنحدر من عُلاها إلى الدرك الأَسفل، ولا ترضى بأَن تُسلِم قيادها لزُمَرٍ وضيعة تُكبِّلُها بسلاسلها، وتَجعلُها طوعَ أَهوائها ورغباتها السُّفليَّة!

لكنَّ ما لم يكن مُتخيَّلاً في سالف الزمن أَصبح اليوم حقيقةً واقعة، وذلك بفعل القوَّة الغاشمة، فبتنا نرى تلك الحرِّيَّة أَسيرة ظلاميِّين موتورين، يتستَّرون خلفها، وينتهكون باسمها كلَّ القيَم الروحيَّة والإنسانيَّة، ويُهينون رُموزَها ومُقدَّساتها، ولا يتورَّعون عن تشويه حقائقها وطَمْس آثارها! فلقد أَساؤوا إلى السيِّد المسيح ورسالته ونُورانيَّته وقُدسيَّته وتضحيَّاته، وإلى النبيِّ محمَّد (ص) ودينه وقرآنه ورفعته وجهاده، وإلى المهاتما غاندي وسموِّ رُوحه وفكره، ونبالته ونضاله، وإلى كثيرين من رسُل الإصلاح ودُعاة الخير والفضيلة! ولعلَّ آخر إساءَاتهم الظلاميَّة المُتعمَّدة والخطيرة ما قام به عراقيٌّ نذل من حرقٍ لنسخةٍ من القرآن الكريم في ستوكهولم بالسويد. ولا شكَّ بأَنَّه كان ينفِّذُ بالحرف ما يُملونه عليه لقاءَ مالٍ حقير لا يُغني ولا يُسمن! وكان القضاءُ السويديّ قد رفض طلبًا تقدَّم به ذلك العراقيُّ إليه للسماح له بحرق تلك النُّسخة، ثمَّ ما لبث أَن تراجع عن قراره، ومنَحهُ الموافقة عليه تحت ذريعة “حريَّة التعبير” المنصوص عليها في دستور البلاد.

كان ذلك المُفتري الآثم يحملُ عُود ثقابٍ في يمينه، ونسخةً من القرآن الكريم في يساره! وكان قد دعا جماهير السويد وصحافتها لملاقاته في الشارع الرئيسيّ في ستوكهولم، مقابل المسجد الكبير، في أَوَّل أَيَّام عيد الأَضحى المبارك، لكي يشاهدوه وهو يُمزِّقُ نسخةً من القرآن الكريم ثمَّ يُحرقُها، تعبيرًا عن رفضه للدين الإسلاميّ، وعزمه على إهانة كتابهم المقدَّس!… وقد حاول جاهدًا أَن يظهر بمظهر البطل المقدام، المُعتدِّ بقوَّة شكيمته، وهو ما كان إلاَّ جبانًا يستقوي برجال الشرطة السويديَّة الذين حضروا خصِّيصًا ليقوموا على حراسته. ولولاهم لَما تجرَّأَ على الظهور أَمام الملإ، مثَلُه مَثَل الجَربُوع الرعديد الذي يخشى الظهور في ضوءِ النهار فيمكثُ مختبئًا في جُحره إلى أَن يحلَّ الظلام، فيُغادرَه. فما هو، في الحقيقة، إلاَّ إمَّعةٌ قَزْمَل لا رأي له ولا شأن، يبثُّ الوشايات الوضيعة، ويحترفُ العمالة لأَصحاب السلطان والمال، ويَهوى إشعال الفتَن، لهَوانٍ في نفسه! نعم، إنَّ ذلك العراقيَّ اللاجئ إلى السويد، والمسمَّى سلوان موميكا، ما هو إلاَّ نَكِرَةٌ وضيعُ الأَرومة، يتبرَّأُ منه العراق، وشعبُ العراق، وتُرابُ العراق، وكلُّ عربيٍّ أَصيل، وأَهلُ الأَديان كافَّة، وكلُّ إنسانٍ شَهم يحرصُ على حُريَّات الآخرين ومُعتقداتهم ومُقدَّساتهم، بل وتتبرَّأُ منه الشهامةُ والشرفُ والإباءُ وكلُّ القيم الإنسانيَّة.

وانبرى ذلك الإمَّعة، الباذلُ ماءَ وجهه أَمام مُشغِّليه الأَنذال، وقام بما طُلبَ إليه تنفيذه من أَعمالٍ بهلوانيَّةٍ وضيعة أَهان بها القرآن الكريم، ثمَّ أَشعله بعُود الثقاب، فأَتَت عليه النار، واستحال رمادًا تحت أَنظار حُماة حرِّيَّة التعبير الذين كانوا يتابعون المشهد الهزليّ بكلِّ غباءٍ وصفاقة وجه، ويقفون بالمرصاد لكلِّ مسلمٍ تُسوِّلُ له نفسُه الدفاع عن كرامة كتاب دينه وقد أُهين وأُحرق، ولكلِّ إنسانٍ حرٍّ أَبيٍّ غير مُسلم ينبري للدفاع عن حرِّيَّة المعتقد وقد أُهينَت أَمام ناظريه! وكان ذلك المُفتري قد ادَّعى، كذِبًا، بأَنَّه مُلحد، لغايةٍ في نفس مُشغِّليه، وما هو في الحقيقة إلاَّ مسيحيٌّ مُنحرفٌ عن الدين المسيحيّ الذي وُلد فيه ونشأَ عليه، بل ومُغالٍ في التعصُّب الدينيّ، على شاكلة التكفيريِّين المُتعصِّبين المُنحرفين عن الدين الإسلاميّ. ومَن كان مِثْله ينبذُه السيِّدُ المسيح، وتلعنُه السماءُ العظمى، ومصيرُه إلى سَقَر، وبئسَ المقرّ؛ هناكَ “حيث دودُهم لا يمُوت والنارُ لا تُطفأ”، على حدِّ قول سيِّد الحبِّ والرحمة والسلام!

لا، لم يكنْ ذلك الإمَّعة سيِّد نفسه في كلِّ ما أَتاهُ من حقير الأُمور، بل كان أَداةً في يد بعض المتحكِّمين بمصائر الشعوب والأُمم، الناهبين ثرواتهم وخيراتهم، والضاربين عُرض الحائط بالمقدَّسات وقيَم الروح الخالد، الهازئين بالفضيلة والراقصين على أَشلائها، والمُشرِعين أَبوابهم لكلِّ رذيلةٍ ومَفسَدة، والعازفين على أَوتار الفتَن لإغراق الشعوب في أَتُّون حروبٍ دينيَّةٍ ومذهبيَّةٍ طاحنة، والمُدَّعين ضِلَّةً بأَنَّهم حُماةُ الحرِّيَّة والأَوصياءُ الشرعيُّون عليها، وهم الذين أَنزلوها بالغدر عن عرشها الرفيع، واختطفوها في ليلةٍ ليلاء، وقيَّدوها بسلاسلهم الكاذبة، وعبثوا بقُدسيَّتها، وشوَّهوا وجهها الإلهيَّ البهيّ، وكمُّوا فمها الأَحوى، وراحوا يُرهبون بها أَحرار العالم، وأَهل الإيمان والفضيلة، وينتهكون حرِّيَّاتهم وحقوقهم، وقيمَهم ومُقدَّساتهم، ويدوسون عليها بالأَقدام! فالحرِّيَّة هي ابنةُ السماء ومنحةُ الخالق للخلائق دون استثناء، ومن حقِّها على الخلائق أَن يهبُّوا لنجدتها والدفاع عنها، وأَن يفتدوها بالمُهَج والأَرواح، ويُحرِّروها من أَيدي لصوص الظلام، وإلاَّ ما كانوا مُستحقِّين لها عن جدارة!

نعم، إنَّ الحُكم الذي أَصدرَته السلطاتُ القضائيَّة السُّويديَّة، ردًّا على طلب السماح بحَرق نسخةٍ من القرآن الكريم، لم يكنْ إلاَّ حُكمًا ظلاميًّا مُلوَّثًا بطاعون المُفتريات الدنيئة، الغايةُ منه التشهيرُ بالدين الإسلاميّ، وبما يمثِّلُه من دعوةٍ للتحرُّر من الظلم والاستعباد. وممَّا لا شكَّ فيه أَنَّه قد جاءَ بإيعازٍ من السُّلُطات العليا في السويد التي حذَت في ذلك حَذْو بعض دول أُوروبا، وفي مقدَّمها فرنسا التي أَساءَت إلى الإسلام، أَكثر من مرَّة، من خلال صحيفةٍ كاريكاتوريَّةٍ تافهة تُعتبرُ الصورة الأَمثل عن الدرك الأَسفل الذي بلغَته تلك الدولة في موقفها من الحرِّيَّات، بعد أَن كانت منارتها الساطعة أَمام الأُمم. ولا يخفى على أَحد بأَنَّ سلسلة الاعتداءَات المتلاحقة والمتشابهة التي وقعت على الإسلام في تلك الدول قد تمَّت بأَمرٍ من أُولئك الظلاميِّين الذين يستلهمون خُططهم الجهنَّميَّة من شياطين الهاوية القابعة في دركاتها السحيقة. ومع ذلك، لا يتورَّعُ بعضُ حكَّام دول أُوروبا عن الادِّعاء بأَنَّهم يسمحون بتلك الأَعمال حفاظًا على “حرِّيَّة التعبير” التي تنصُّ دساتيرُهم عليها، وما ادِّعاءَاتُهم تلك إلاَّ كذِبٌ يستسيغُونه، من مَهانةٍ في نفوسهم، غير مُدركين بأَنَّ الكذِب مَجلبةٌ للويلات على كلِّ الذين ينطقون به، أَفرادًا كانوا أَم شعوبًا، وسواءٌ طال الزمنُ أَم قَصُر. فما الذي يتبقَّى من “حرِّيَّة المُعتقد” عندما تستحيلُ “حرِّيَّةُ التعبير” عود ثقابٍ في يد مأفونٍ كاذبٍ مُنحرف الأَخلاق يُحرقُ به، على مرأًى من العالم كلِّه، قرآنًا يعتقدُ ربعُ سكَّان الكرة الأَرضيَّة بقُدسيَّته ويسلكون في هَدْي كلماته، أَو عندما تستحيلُ قلمًا في يد رسَّام كاريكاتيرٍ تافهٍ خليع يُشوِّهُ صورة نبيِّهم (ص) الذي يدينُون برسالته السماويَّة ويقتدون بتعاليمه؟! وكيف تُوفِّقُ تلك الدول بين افتراءَاتها على الإسلام، وتبنِّيها للتكفيريِّين الظلاميِّين الذين يرفعون راية الإسلام، والذين تأتي بهم من كلِّ أَصقاع الأَرض، وتمدُّهم بالسلاح والمال، وترسلُهم إلى الدول العربيَّة ليعيثوا فيها قتلاً وذَبحًا وتدميرًا ونهبًا واغتصابًا، باسم الدين الإسلاميّ؟! وماذا لو تقدَّم مواطنون مسلمون في السويد بطلباتٍ إلى السُّلطات القضائيَّة السويديَّة للسماح لهم بإحراق كتابٍ مقدَّس من كتب الأَديان الأُخرى، وهذا ما لم ولن يحصل على الإطلاق، فهل توافقُ السلطات عليها تحت ذريعة “حرِّيَّة التعبير”، كما سبق لها أَن وافقت على طلب حرق القرآن الكريم؟! بل ماذا سيكونُ عليه المشهد في ستوكهولم إذا ما تقدَّم عشراتٌ، بل مئاتٌ من المواطنين السويديِّين المُنتمين لأَديانٍ ومذاهبَ مختلفة، بطلباتٍ مماثلة لحرق نسخٍ من التوراة والإنجيل والقرآن والبهاغافاد غيتا ووصايا بوذا وزرادشت وسواها من كتب الأَديان والمعتقدات، في وقتٍ واحد، ومنحَتهم السُّلطات الموافقة عليها، اقتداءً بقرارها السابق العديم الحياء؟! لا شكَّ بأَنَّ المشهد، حينذاك، سيكونُ هزليًّا وكارثيًّا، في آن، إذ إنَّ شوارع ستوكهولم ستتحوَّلُ إلى محارق لتلك الكتب لم يشهد التاريخُ البشريّ مثيلاً لها، بل إلى ميادين اقتتالٍ بين أَبناءِ الوطن الواحد ومحارق لأَجسادهم؛ هذا إذا لم تمتدَّ نارُ الفتنة العمياء، فتَجُوزَ السويد إلى أُوروبا والعالم بأَسره…

وإلى ختامٍ أَقول إنَّني قد انبريتُ للدفاع عن القرآن الكريم، لا بدافعٍ من أُصولي المُسلمة، وإنَّما بدافعٍ من إيماني بالأَديان السماويَّة المُنزَلة، في جوهر تعاليمها، بما فيها الدينُ الإسلاميُّ الذي وُلدتُ فيه ونشأتُ عليه. وإذا كنتُ أَحرصُ على كتاب الإسلام، وأَتقدَّمُ للدفاع عنه في وجه المتآمرين عليه، فإنَّني أَحرصُ بالقدر نفسه على الدفاع عن كتب الأَديان والمعتقدات الأُخرى في وجه من تُسوِّلُ لهم نفوسُهم الاعتداءَ عليها. فبفضل القرآن الكريم وفضلها جميعًا تفهَّمتُ الحقائق الروحيَّة الخالدة، وانتهجتُ سبيل الخير والحقّ والعدالة، ونبذتُ التعصُّب المقيت. ولقد كتبتُ ما كتَبتُه من أَجل الأَنبياء والمصلحين الذين أَصبحت الإساءَةُ إليهم إحدى سِمات هذا العصر، ومن أَجل حرِّيَّة التعبير التي عبَث لصوصُ الظلام بقدسيَّتها، ومن أَجل حرِّيَّة المعتقد التي انتهكوا ذمارها بحقارةٍ لا مثيل لها، ومن أَجل المسلمين الذين تعالوا على الجراح وقدَّموا مثالاً رائعًا في احترام حرِّيَّات الآخرين في أَديانهم ومقدَّساتهم، ومن أَجل أَحرار العالم الذين ساءَهم مشهدُ حرق القرآن الكريم، على الرغم من انتمائهم إلى غير دين الإسلام، ومن أَجل الأَجيال القادمة التي يؤمَّلُ فيها أَن تبني عالمًا جديدًا تنتفي منه الحروبُ والنزاعات، وتُقدَّسُ فيه الحرِّيَّات، وتتعانقُ الأَديانُ السماويَّة، ويتآخى البشرُ في ظلِّ الأُخوَّة الإنسانيَّة! ومن أَجلهم جميعًا، أَرفعُ هذه الآية القرآنيَّة، من سورة النور الكريمة، بوجه الحكَّام الظلاميِّين وأَذنابهم الذين لا يَفقهونَ معنًى لقِيَم الخير والهداية، ويعتدون على كرامة الأَنبياء، ويُدنِّسون حُرمة المقدَّسات، وينتهكون حرِّيَّة المُعتقدات؛ ففيها من بليغ المعاني الروحيَّة ما يُسقط أَكاذيبهم المدنَّسة، ويَصفعُ وجوههم المجلَّلة بالعار، ويَدينُهم بالجُرم الأَبديّ. ولسوف تبقى كلماتُ تلك الآية ماثلةً أَمام أَعينهم، تفعلُ فعلَها فيهم، ونيرانُ الجحيم لن تقوى عليها:

“اللَّه نُورُ السماوات والأَرض. مَثَلُ نُوره كمِشكاةٍ فيها مصباح. المصباحُ في زُجاجة. الزجاجةُ كأَنَّها كوكبٌ دُرِّيّ يُوقَدُ من شجرةٍ مباركة. زيتونةٍ لا شرقيَّةٍ ولا غربيَّة. يكادُ زيتُها يُضيء ولو لم تمسَسْهُ نار. نُورٌ على نُور. يَهدي اللَّهُ لنُورهِ مَن يشاء. ويَضربُ اللَّهُ الأَمثالَ للناس. واللَّهُ بكلِّ شيءٍ عليم.”

*كاتب لبنانيّ مُقيم في كندا

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى