مقالات رأي

الهجرة اللبنانية إلى دول الخليج العربي (1)

خريطة ديموغرافية - اقتصادية جديدة وتحوّلات عميقة..

 

د. علي فاعور: عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية

مقدمة: الخليج مجدداً… في قلب الهجرة اللبنانية المعاصرة

لم تكن دول الخليج العربي وجهة جديدة للهجرة اللبنانية؛ فقد استقطبت منذ عقود أعداداً كبيرة من اللبنانيين للعمل في التجارة والهندسة والتعليم والصحة والخدمات. لكن ما تغير منذ عام 2019 ليس وجود اللبنانيين في الخليج، بل قوة الدفع من لبنان وطبيعة الموجة الجديدة. فالانهيار المالي والاقتصادي وتراجع فرص العمل والأجور، ثم الحرب والنزوح منذ 2023، دفعت شرائح متزايدة من الشباب وأصحاب الكفاءات إلى البحث عن العمل والاستقرار خارج البلاد.

وفي هذا التحوّل، استعادت الأسواق الخليجية موقعها كإحدى أبرز الوجهات القريبة، مستفيدة من اتساع فرص العمل والاستثمار ومن شبكات لبنانية مهنية واجتماعية راكمت حضوراً طويلاً في المنطقة. ويعطي تقدير اتحاد مجالس رجال الأعمال اللبنانية–الخليجية بانتقال نحو 80 ألف لبناني للعمل في دول الخليج بين 2020 ونهاية 2022، ولا سيّما إلى السعودية، مؤشراً لافتاً إلى حجم الموجة التي رافقت سنوات الانهيار، مع ضرورة التعامل معه كتقدير مؤسساتي في ظل غياب إحصاءات خليجية موحدة ودورية للجاليات.

ومن هنا لا تبحث المقالة في عدد اللبنانيين الموجودين في الخليج فحسب، بل في الجغرافيا الجديدة للهجرة وتحولاتها: أين تتركز الموجة الجديدة، ومن هم المغادرون، ولماذا تستقطب بعض الأسواق والمدن الخليجية قسماً متزايداً منهم؟ وما الذي يعنيه خروج الشباب والكفاءات لبلد يعتمد، في الوقت نفسه، على تحويلات مغتربيه؟

إنها، في جوهرها، مفارقة لبنانية متصاعدة: يفتح الخليج منفذاً للعمل والدخل والاستقرار أمام اللبنانيين، فيما يخسر لبنان جزءاً متزايداً من قواه الشابة والمنتجة التي يحتاج إليها للخروج من أزماته.

 

أولاً-  من السعودية والإمارات إلى بقية الخليج… خريطة هجرة يعيد الانهيار تشكيلها

لم تبدأ الهجرة اللبنانية إلى الخليج مع انهيار 2019؛ فقد كانت دول مجلس التعاون تستضيف قبل الأزمة كتلة لبنانية واسعة تقارب نصف مليون شخص وفق التقديرات اللبنانية المتداولة، تراكم وجودها عبر عقود من هجرة العمل والأعمال والمهن. لكن سنوات الانهيار أعادت تنشيط هذا المسار وأضافت إليه موجة جديدة، من دون أن تغير حقيقة أساسية في الخريطة: تمركز الثقل اللبناني في السعودية والإمارات، ثم الكويت وقطر، مقابل تجمعات أصغر في البحرين وعُمان.

السعودية… الثقل الأكبر في الخريطة الخليجية

تحتل السعودية المرتبة الأولى في جغرافية الوجود اللبناني الخليجي، مع تقديرات لبنانية تضع عدد اللبنانيين فيها في حدود 250-300 ألف شخص[1]، أي ما يقارب نصف الكتلة اللبنانية المقدرة في دول مجلس التعاون. ويعكس هذا الحجم تراكم موجات طويلة من الهجرة والعمل والاستثمار، لكنه يفسر أيضاً قدرة السوق السعودية على استيعاب جزء من المغادرين الجدد بعد 2019، مستفيدة من قاعدة لبنانية سابقة ومن التوسع الاقتصادي الذي شهدته المملكة خلال السنوات الأخيرة.

الإمارات… الوجهة الثانية والأكثر دينامية

تأتي الإمارات في المرتبة الثانية، مع تقديرات تضع حجم الوجود اللبناني عند نحو 150 ألف شخص. وإذا كانت السعودية تحتفظ بالثقل العددي الأكبر، فإن الإمارات برزت خلال سنوات الأزمة كأحد أكثر أسواق الخليج دينامية في استقطاب اللبنانيين، مستفيدة من اقتصاد شديد الارتباط بالشركات والأعمال والخدمات الإقليمية والدولية. وبذلك تشكل السعودية والإمارات معاً القلب الرئيسي للوجود اللبناني في الخليج.

الكويت وقطر… حضور لبناني متوسط ومتقارب

خلف القطبين الكبيرين تأتي الكويت وقطر، مع تقديرات تدور حول 40-50 ألف لبناني في كل منهما. لكن تقارب الحجم لا يعني تطابق مساري الهجرة: فالكويت تستند إلى وجود لبناني تاريخي أكثر رسوخاً، بينما تعزز حضور قطر خلال العقود الأخيرة بالتوازي مع اتساع سوق العمل والمشروعات والخدمات. وتمثل الدولتان بذلك مستوى ثانياً مهماً في الخريطة الخليجية بعد السعودية والإمارات.

البحرين وعُمان… امتداد يكمل الانتشار

ينخفض الحجم بصورة واضحة في البحرين وعُمان، حيث تشير التقديرات المتاحة إلى تجمعات لبنانية لا تتجاوز بضعة آلاف في كل منهما (البحرين نحو 9000 وسلطنة عمان نحو 4000 لبناني).

من نصف مليون إلى موجة جديدة… خريطة تتحرك

تكشف هذه التقديرات بنية هرمية واضحة للانتشار اللبناني في الخليج: السعودية أولاً، الإمارات ثانية، ثم الكويت وقطر، فالبحرين وعُمان. وفوق هذه القاعدة الكبيرة جاءت موجة سنوات الانهيار؛ إذ قدّر اتحاد مجالس رجال الأعمال اللبنانية–الخليجية انتقال نحو 80 ألف لبناني للعمل في الخليج بين 2020 ونهاية 2022. و يمثل هذا الرقم مؤشراً مهماً حول قوة التدفق الجديد فوق خريطة اغترابية واسعة.

ثانياً-  من الانهيار إلى الحرب… موجات مغادرة تتراكم منذ 2019

لم تنشأ موجات الهجرة اللبنانية الجديدة من أزمة واحدة، بل من تراكم صدمات متلاحقة منذ 2019. فقد بدأ المسار بالانهيار المالي والاقتصادي، ثم جاءت جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت وتعطل مؤسسات الدولة، قبل أن تضيف الحرب منذ خريف 2023 النزوح والتدمير وعدم الاستقرار الأمني إلى دوافع المغادرة. وهكذا انتقلت الهجرة تدريجياً من البحث عن فرصة عمل ودخل أفضل إلى البحث عن الاستقرار والأمان ومستقبل الأسرة.

2019الانهيار يفتح دورة هجرة جديدة

شكّل عام 2019 نقطة انعطاف في حركة الهجرة اللبنانية. فالانهيار المصرفي والنقدي، وتراجع قيمة الأجور والقدرة الشرائية، وإقفال المؤسسات أو تقليص نشاطها، لم تؤدِّ فقط إلى انخفاض مستوى المعيشة، بل إلى انكماش فرص العمل وفقدان الثقة بإمكان التعافي السريع. وبذلك تحوّلت الهجرة لدى شرائح متزايدة من خيار لتحسين الدخل إلى وسيلة لإعادة بناء المسار المهني والحياتي خارج البلاد.

وفي هذا السياق اكتسب الخليج جاذبية إضافية بفعل قربه الجغرافي، ووجود أسواق عمل وشبكات لبنانية سابقة، ما جعله أحد المسارات الرئيسية التي استوعبت موجة الأزمة.

2020-2022 من الأزمة إلى موجة خروج واسعة

اتسعت قوة الدفع إلى الخارج خلال 2020–2022. فقد تزامنت الأزمة الاقتصادية مع جائحة كورونا، ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 ليضيف صدمة اجتماعية وأمنية إلى الانهيار القائم. ومع عودة حركة السفر بعد قيود الجائحة، ارتفعت أعداد اللبنانيين المسجلة كمغادرين بصورة حادة؛ وتشير البيانات المتداولة المستندة إلى حركة الأمن العام إلى ارتفاع العدد من نحو 17.7 ألفاً في 2020 إلى قرابة 79 ألفاً في 2021.

ولا تمثل هذه الأرقام بالضرورة صافي هجرة دائمة، ولا سيما أن سنة 2020 تأثرت بإغلاق الحدود؛ لكنها تكشف قوة الاندفاعة نحو الخارج عندما عادت حركة السفر. وجاء ذلك بالتوازي مع التدفق الكبير نحو أسواق الخليج، بما يؤكد أن المنطقة كانت جزءاً مهماً من دورة الخروج التي أطلقها الانهيار.

منذ 2023… الحرب تضيف طبقة جديدة إلى الهجرة

دخلت الهجرة مرحلة أكثر تعقيداً منذ خريف 2023. فالأزمة الاقتصادية لم تكن قد انتهت عندما تصاعدت الاعتداءات الاسرائيلية في لبنان، ثم اتسع نطاق الحرب وما رافقها من نزوح وتدمير في جنوب لبنان، وتعطل إضافي للحياة الاقتصادية والاجتماعية. وهكذا أضيف إلى دوافع العمل والدخل عامل جديد يتعلق بالأمان واستمرارية السكن والتعليم والحياة الأسرية.

من البحث عن فرصة إلى البحث عن الاستقرار

تكشف هذه المراحل تحولاً أعمق في معنى الهجرة. فقرار المغادرة لم يعد مرتبطاً بالدخل وحده، بل أصبح نتاج تفاعل بين فرصة العمل والأمان والتعليم واستقرار الأسرة والثقة بالمستقبل. ومع اتساع هذه الدوافع لم تتوزع الهجرة بالتساوي بين السكان؛ بل أصبحت أكثر قدرة على جذب الفئات التي تستطيع المنافسة في أسواق العمل الخارجية.

ثالثاً-  هجرة انتقائية… الشباب والكفاءات في قلب الموجة الجديدة

لا تكشف أعداد المغادرين وحدها حجم التحول الذي أصاب لبنان منذ 2019؛ فالموجة الجديدة تبدو انتقائية عمرياً وتعليمياً ومهنياً، مع ارتفاع الميل إلى الهجرة بين الشباب والمتعلمين والفئات القادرة على المنافسة في أسواق العمل الخارجية. ولذلك لا تقاس آثار الهجرة بعدد من يغادرون فقط، بل أيضاً بموقعهم داخل البنية السكانية والإنتاجية للبنان.

الشباب والجامعيون… قوة الدفع الأكبر نحو الخارج

تظهر بيانات «الباروميتر العربي» لعام 2024 بوضوح أين تتركز قوة الدفع نحو الخارج؛ إذ عبّر 58% من اللبنانيين بين 18 و29 سنة عن الرغبة في الهجرة، مقابل 29% لمن هم في الثلاثين وما فوق، كما بلغت النسبة 46%  بين الجامعيين مقابل 33% بين الأقل تعليماً. وهذه ليست أرقاماً للهجرة الفعلية، لكنها تكشف أن الميل إلى المغادرة يتركز بصورة أكبر لدى الفئات الشابة والأعلى تعليماً.

الطب والتمريض… الدليل الكمي الأقوى على نزف المهارات

يقدم القطاع الصحي أوضح قياس كمي لهجرة الكفاءات خلال الأزمة. فقد قدرت منظمة الصحة العالمية في 2021 أن نحو 40%  من الأطباء المهرة و30% من الممرضين المسجلين غادروا لبنان بصورة دائمة أو مؤقتة، مع تقديرات بخروج نحو 2.000 طبيب و1,500 ممرض مسجل. وتكتسب هذه الأرقام وزناً أكبر لأن جزءاً مهماً من المغادرين كان من أصحاب الاختصاص والخبرة، أي أن الخسارة تجاوزت عدد الوظائف إلى نوعية المعرفة الطبية المتراكمة.

وتظهر الدراسات التي تناولت هجرة الأطباء بعد 2019 أن انخفاض الدخل وتدهور الظروف المهنية وصعوبة الحفاظ على مستوى الرعاية وعدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي كانت بين أبرز دوافع المغادرة. وبذلك تحولت الهجرة الصحية من مسار مهني معروف قبل الأزمة، إلى نزف أسرع للخبرات في مرحلة كان النظام الصحي نفسه يواجه ضغوطاً استثنائية.

ما وراء الصحة… هجرة مهارات يصعب قياسها

لا يقتصر خروج الكفاءات على القطاع الصحي. فقد رصدت منظمة العمل الدولية صعوبات في الاحتفاظ بالعمالة الماهرة ونقصاً في المهارات في قطاعات حيوية، من بينها البنية التحتية، فيما تشير الدراسات إلى اتساع حركة المهنيين في الهندسة والتكنولوجيا والمال والاستشارات وغيرها. لكن لبنان يفتقر إلى نظام وطني منتظم يرصد المغادرين بحسب الاختصاص والسنة والوجهة المغادرة.

السعودية والإمارات… جذب مباشر للهجرة المهنية الجديدة

وتظهر الصلة بالخليج بصورة أوضح في دراسة حديثة تناولت حركة اللبنانيين الشباب ذوي المهارات العالية إلى السعودية والإمارات خلال 2019–2024، وتكمن أهميتها في توثيق نمط نوعي من الهجرة الجديدة يرتبط بالفرص المهنية والأجور وشبكات العلاقات في السوقين الخليجيين. ويتكون من رأس مال بشري عالي التعليم والمهارة.

الهجرة ليست جديدة… الجديد هو تسارعها

أظهرت دراسات سابقة أن جزءاً مهماً من أصحاب المهارات كان يتجه إلى المنطقة منذ سنوات طويلة؛ بل وجدت إحدى الدراسات أن نحو ممرض واحد من كل خمسة من حملة بكالوريوس التمريض كان يهاجر خلال سنة أو سنتين من التخرج، وكانت دول الخليج من أبرز الوجهات الجديدة.

خلاصة

تكشف المحاور الثلاثة أن الهجرة اللبنانية إلى دول الخليج لم تعد مجرد امتداد لمسار قديم، بل دخلت مؤخراً مرحلة جديدة أكثر كثافة وانتقائية. فقد استندت الموجة الحديثة إلى قاعدة لبنانية واسعة ومتجذرة في السعودية والإمارات والكويت وقطر، ثم أعادت أزمات الداخل ــ من الانهيار الاقتصادي إلى الحرب وعدم الاستقرار ــ تنشيط هذا المسار ودفع أعداد إضافية من اللبنانيين إلى البحث عن العمل والأمان خارج البلاد.

لكن التحول الأهم لا يظهر في عدد المغادرين وحده، بل في نوعيتهم وموقعهم داخل البنية السكانية والإنتاجية. فارتفاع الميل إلى الهجرة بين الشباب والجامعيين، وخروج أعداد كبيرة من الأطباء والممرضين وأصحاب المهارات، يكشف أن الموجة الجديدة تحمل معها جزءاً مهماً من رأس المال البشري اللبناني. وهكذا تتشكل أمام لبنان معادلة مزدوجة: الخليج يوفر منفذاً سريعاً للعمل والاستقرار، فيما يخسر الداخل بصورة متزايدة الفئات الأكثر قدرة على الإنتاج والتجدد.

ويتبع الجزء الثاني من الدراسة، وهو يتضمن أيضاً محورين أساسيين، وهما:

  • رابعاً- من الرياض ودبي إلى الدوحة والكويت… شبكة حضرية للهجرة اللبنانية
  • خامساً- التحويلات ونزف رأس المال البشري.. معادلة الهجرة غير المتوازنة.

 

 

[1]  ملاحظة: هذه الأرقام في دول الخليج، تشمل الرعايا اللبنانيين المسجلين بجوازات سفرهم اللبنانية، ولا تشمل المغتربين من أصول لبنانيّة ممن يحملون جنسيات غربية (كالأميركية والكندية والأوروبية) ويعملون في الخليج على هذا الأساس.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى