كلمة الحقائق

لبنان في مرحلة إعادة تشكيل النظام الإقليمي: هل يتحول من ساحة صراع إلى عقدة استراتيجية في شرق المتوسط؟

 

علي حسني مهدي رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية

لم يعد لبنان يُقرأ اليوم بوصفه مجرد ساحة تقليدية للصراع بين القوى الإقليمية،
ومن الخطأ قراءة المشهد اللبناني الراهن باعتباره امتداداً لهذه الأزمات التي رافقت البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية. فالتحولات التي أعقبت المواجهة الأمريكية–الإيرانية، وما سبقها من حرب غزة، واتساع رقعة الاشتباك الإقليمي، ثم إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، تشير إلى أن لبنان دخل مرحلة مختلفة من تاريخه السياسي والاستراتيجي. ولم يعد السؤال المطروح هو من يملك النفوذ داخل لبنان، بل ما هو الموقع الذي سيشغله لبنان في النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل على امتداد الشرق الأوسط وشرق المتوسط.
هذا التحول لا يعني أن القوى الدولية تمتلك خريطة نهائية جاهزة لمستقبل لبنان، لكنه يعكس حقيقة أن البلاد أصبحت جزءاً من شبكة أوسع لإعادة رسم التوازنات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، حيث تتداخل حسابات الردع، وأمن الحدود، والطاقة، والممرات البحرية، مع المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ العالمي.
لقد شهدت الاستراتيجية الأمريكية تحولاً بنيوياً خلال العقد الأخير. فواشنطن التي قادت بنفسها الحروب الكبرى في الشرق الأوسط، باتت اليوم تفضل إدارة الإقليم بأدوات أقل كلفة وأكثر استدامة. ويرتبط هذا التحول بجملة عوامل متداخلة، أبرزها صعود الصين كمنافس استراتيجي عالمي، واستمرار المواجهة مع روسيا، والتكاليف الباهظة للتدخلات العسكرية المباشرة، فضلاً عن الحاجة إلى تركيز الموارد الأمريكية على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ومن هنا، أصبح الهدف الأمريكي يتمثل في بناء منظومة أمنية إقليمية قادرة على احتواء الأزمات ومنع خصوم واشنطن من توسيع نفوذهم، دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى الانخراط العسكري المباشر في كل أزمة. وضمن هذه المقاربة، يحتل شرق المتوسط موقعاً محورياً، ليس فقط بسبب أمن إسرائيل، بل أيضاً بسبب احتياطيات الغاز، وخطوط التجارة البحرية، والربط بين أوروبا والشرق الأوسط.
في هذه المنظومة، تمثل إسرائيل الركيزة العسكرية الأكثر تقدماً للولايات المتحدة. فهي تمتلك تفوقاً تكنولوجياً واستخباراتياً يجعلها عنصراً أساسياً في معادلة الردع الإقليمي. إلا أن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة تطابق كامل في المصالح، بل علاقة تحالف استراتيجي تتخللها أحياناً اختلافات في إدارة الصراع. فالولايات المتحدة تسعى غالباً إلى منع الحروب المفتوحة التي قد تستنزف المنطقة وتهدد الاقتصاد العالمي، بينما تميل إسرائيل إلى توظيف تفوقها العسكري لإضعاف خصومها بصورة مستمرة. لذلك فإن التوافق بينهما يكون عادة حول الأهداف الكبرى، مع اختلاف نسبي في توقيت استخدام القوة وحدودها.
أما لبنان، فيحتل موقعاً بالغ الحساسية في هذه المعادلة، لأنه يمثل نقطة التقاء أربعة ملفات استراتيجية: أمن الحدود الشمالية لإسرائيل، ومستقبل النفوذ الإيراني في المشرق، واستقرار شرق المتوسط، وإمكانات الاستثمار في البنية الاقتصادية والطاقة. ولهذا السبب لم يعد يُنظر إلى استقرار لبنان باعتباره قضية لبنانية داخلية فحسب، بل باعتباره عنصراً مؤثراً في الاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بالجيش اللبناني. فالمؤسسة العسكرية تُعد بالنسبة إلى معظم العواصم الغربية الإطار الشرعي القادر، إذا توافرت له الإمكانات والغطاء السياسي، على تعزيز سلطة الدولة. لكن هذا الدعم لا ينبغي تفسيره على أنه مؤشر على انتقال سريع نحو احتكار الدولة الكامل للسلاح، لأن هذا الهدف يبقى مرتبطاً بتفاهمات سياسية داخلية وتسويات إقليمية لم تنضج بالكامل بعد.
في المقابل، تبدو روسيا معنية بالحفاظ على موطئ قدمها في شرق المتوسط، إلا أن انشغالها بالحرب في أوكرانيا قلص قدرتها على منافسة الولايات المتحدة في الساحة اللبنانية. أما الصين، فتتعامل مع المنطقة من منظور اقتصادي بالدرجة الأولى، إذ يهمها استقرار الموانئ، وسلامة طرق التجارة، وحماية استثماراتها، أكثر مما يهمها الانخراط في ترتيبات أمنية مباشرة. وهذا يعني أن المنافسة الأمريكية مع بكين في لبنان قد تكون اقتصادية وتقنية أكثر منها عسكرية.
غير أن العامل الأكثر تأثيراً يبقى مستقبل العلاقة الأمريكية–الإيرانية. فإذا اتجهت هذه العلاقة نحو تفاهمات طويلة الأمد، فقد يفتح ذلك الباب أمام إعادة ترتيب تدريجية للملفات الإقليمية، ومنها لبنان. أما إذا عادت المواجهة إلى التصعيد، فإن لبنان سيبقى معرضاً لأن يتحول مجدداً إلى إحدى ساحات الاحتكاك غير المباشر بين الطرفين.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الدولة اللبنانية أمام فرصة تاريخية بقدر ما تواجه تحدياً وجودياً. فالتحولات الإقليمية قد تتيح للبنان استعادة دوره إذا نجح في إعادة بناء مؤسساته، وإطلاق إصلاحات اقتصادية وإدارية، وترسيخ سياسة خارجية متوازنة تحمي مصالحه الوطنية. أما استمرار الانقسام الداخلي وشلل المؤسسات، فقد يجعل البلاد أكثر عرضة لأن تُدار أزماتها من الخارج بدلاً من أن تكون شريكاً في صياغة مستقبلها.
ومن المرجح أن تتجه المرحلة المقبلة نحو أحد ثلاثة مسارات رئيسية. الأول، وهو الأكثر احتمالاً، يتمثل في استمرار حالة “الاستقرار الهش”، حيث تُحتوى الأزمات دون حل جذري لها. والثاني يقوم على نجاح تفاهمات إقليمية أوسع تسمح بإطلاق تسويات تدريجية تنعكس على الوضع اللبناني. أما الثالث، فيتمثل في انهيار تلك التفاهمات وعودة المواجهة العسكرية الواسعة، وهو سيناريو يبقى قائماً لكنه ليس الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور.
في النهاية، لا تشير المؤشرات الحالية إلى أن لبنان أصبح مركز النظام الإقليمي الجديد، لكنها تؤكد أنه لم يعد مجرد هامش في معادلاته. فالدولة الواقعة على الضفة الشرقية للمتوسط أصبحت نقطة تقاطع لمصالح متنافسة، ومختبراً لقدرة القوى الكبرى والإقليمية على إدارة مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. ومن هنا، فإن مستقبل لبنان لن تحدده قوة خارجية واحدة، ولا ميزان القوى الداخلي وحده، بل حصيلة التفاعل بين التحولات الدولية، والتفاهمات الإقليمية، ومدى قدرة اللبنانيين على تحويل دولتهم من ساحة نفوذ إلى دولة تمتلك قرارها السيادي وتفرض حضورها في البيئة الإقليمية الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى