لبنان بين تلة علي الطاهر والانتخابات الإسرائيلية… والميدان ورقة تفاوضية

علي حسني مهدي رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية
لا يمكن قراءة التطورات في جنوب لبنان بمعزل عن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، لكن من الخطأ اختزال التحرك الإسرائيلي بالعامل الانتخابي وحده. فالمعادلة الحالية تجمع بين اعتبارات أمنية وميدانية وتفاوضية وسياسية، فيما تحاول واشنطن منع انهيار المسار التفاوضي والحؤول دون الانزلاق إلى حرب واسعة.
وتبرز تلة علي الطاهر مثالاً واضحاً على هذا التداخل. فالموقع يمتلك أهمية عسكرية حقيقية بسبب موقعه المرتفع وإشرافه على مناطق واسعة، لكن السيطرة عليه يمكن أن تتحول أيضاً إلى ورقة سياسية وانتخابية ورسالة إلى الناخب الإسرائيلي بأن الحكومة لا تتفاوض من موقع ضعف، وأن الجيش قادر على فرض وقائع ميدانية وتحقيق مكاسب أمنية.
لكن لا ينبغي تفسير السيطرة على التلة باعتبارها خطوة انتخابية فقط. فالأهمية العسكرية للموقع قائمة بحد ذاتها، غير أن المكسب العسكري يمكن أن يتحول إلى مكسب سياسي، والمكسب السياسي إلى ورقة تفاوضية. وهنا تكمن خطورة المرحلة.
إسرائيل تريد ضمانات أمنية ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله قبل الانسحاب الكامل، بينما يحتاج لبنان إلى انسحاب إسرائيلي واضح ووقف الاعتداءات حتى يستطيع التقدم داخلياً في ملف حصر السلاح من دون أن يبدو وكأنه يقدم تنازلات من طرف واحد.
وهنا تقع العقدة الأساسية.
هل يقدم لبنان أولاً تنازلات كما في السابق ولا يبقى من السيادة الوطنية والكرامة ما يحافظ عليه… أم تخضع إسرائيل للضغط الأمريكي؟
لبنان يقول عملياً إن الدولة تحتاج إلى بيئة آمنة وسيادة كاملة كي تتمكن من فرض سلطتها، بينما تريد إسرائيل أن ترى نتائج ملموسة في ملف السلاح قبل تقديم انسحاب شامل.
أما واشنطن، فتبدو في هذه المرحلة أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى فرض تسوية نهائية سريعة. فهي تريد منع الحرب، والحفاظ على التفاوض، ودعم الجيش والدولة، لكنها لا تبدو مستعدة حتى الآن لفرض انسحاب إسرائيلي كامل إذا لم تحصل على ترتيبات أمنية تعتبرها كافية.
لذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى تسوية تدريجية مناطق تجريبية، انتشار للجيش اللبناني، ترتيبات أمنية، إعادة انتشار إسرائيلي، ثم انتقال إلى مراحل أخرى.
لكن الخطر أن يتحول هذا التدرج إلى مسار غير متوازن تقدم لبناني في ملف السلاح مقابل انسحاب إسرائيلي مؤجل وغير محدد زمنياً.
وهنا تصبح الانتخابات الإسرائيلية عاملاً مهماً. فالحكومة الإسرائيلية قد تكون أكثر استعداداً لتحقيق مكاسب ميدانية قبل الانتخابات، لكنها في الوقت نفسه قد تكون أكثر حذراً من الدخول في حرب شاملة لا يمكن التحكم بنتائجها.
لذلك قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو تصعيد محدود يحقق مكاسب عسكرية قابلة للتسويق انتخابياً، بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
أما بالنسبة إلى لبنان، فالمعركة الحقيقية ليست فقط في الجنوب، ولا تتعلق بموقع واحد مهما كانت أهميته، بل بكيفية تحويل الوقائع الميدانية إلى ترتيبات سياسية.
فإذا نجحت واشنطن في ربط الانسحاب الإسرائيلي بالتقدم اللبناني في بسط سلطة الدولة ضمن جدول زمني واضح، يمكن أن يتحول المسار الحالي إلى فرصة لإعادة بناء الدولة. أما إذا تقدمت الوقائع العسكرية أسرع من الدبلوماسية، فقد يتحول التفاوض إلى مجرد إدارة للأزمة، بينما يجري على الأرض تثبيت معادلة جديدة.
وفي هذه المعادلة، لا تكمن أهمية الانتخابات الإسرائيلية في أنها تصنع القرار وحدها، بل في أنها تحدد هامش التنازل الإسرائيلي، وتدفع الحكومة إلى تحقيق مكاسب تستطيع تقديمها للناخب قبل أن تدخل في تسوية قد تتطلب منها التراجع عنها لاحقاً.
وهنا يقف لبنان أمام الاختبار الأصعب ألا يتحول حصر السلاح إلى مسار منفصل عن الانسحاب الإسرائيلي، لأن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى تنازلات متبادلة، لا إلى تنازلات من طرف واحد.

