ثقافة

لبنان بين المفاوضات والردع: هل يدخل حزب الله مرحلة جديدة أم يبقى ورقة إيران الأقوى؟

علي حسني مهدي
رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية

في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، تتجه الأنظار إلى لبنان بوصفه إحدى الساحات الأكثر حساسية في معادلة الصراع الإقليمي. فالتطورات العسكرية والسياسية الأخيرة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ومصير حزب الله، وحدود الدور الإيراني في الساحة اللبنانية، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسويات كبرى أم نحو إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
ورغم كثرة التحليلات المتناقضة، فإن القراءة الواقعية تقتضي الابتعاد عن منطق الانتصارات المطلقة والهزائم المطلقة، والنظر إلى المشهد من زاوية المصالح الاستراتيجية وموازين القوى الفعلية التي تحكم سلوك جميع الأطراف.
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية: إدارة للصراع لا صناعة للسلام
منذ سنوات، تشهد العلاقة بين لبنان وإسرائيل أشكالاً متعددة من التفاوض غير المباشر، كان أبرزها ملف ترسيم الحدود البحرية، فيما تتواصل الجهود الدولية لمعالجة القضايا الحدودية والأمنية العالقة.
غير أن الاعتقاد بأن هذه المفاوضات ستقود في المدى المنظور إلى معاهدة سلام شاملة يبدو بعيداً عن الواقع السياسي القائم. فلا البيئة اللبنانية تسمح بمثل هذا التحول الجذري، ولا البيئة الإسرائيلية تبدو مستعدة له، كما أن الصراع الإقليمي الأوسع ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على أي مسار تفاوضي.
لذلك فإن الهدف الحقيقي للمفاوضات الحالية لا يتمثل في إنهاء الصراع التاريخي، بل في إدارة هذا الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهة واسعة، وخلق قدر من الاستقرار يسمح بإعادة تنشيط الاقتصاد اللبناني واستقطاب الاستثمارات الضرورية لعملية التعافي وإعادة الإعمار.
وبعبارة أخرى، فإن المنطقة تتحرك حالياً نحو ترتيبات أمنية مؤقتة أكثر من توجهها نحو سلام دائم وشامل.

حزب الله: بين الثبات والتغيير

يُعد حزب الله أحد أكثر الفاعلين تأثيراً في المشهد اللبناني والإقليمي خلال العقود الأربعة الماضية. وقد تجاوز دوره حدود كونه تنظيماً عسكرياً ليصبح جزءاً من البنية السياسية والاجتماعية اللبنانية، بما يمتلكه من حضور شعبي وتنظيمي ومؤسسات متعددة.
لهذا السبب، فإن أي حديث عن اختفاء الحزب أو تفكيكه الكامل في المدى القريب يبدو أقرب إلى التمنيات السياسية منه إلى التقديرات الواقعية.
فالتجارب الدولية تظهر أن التنظيمات التي تمتلك امتداداً شعبياً وسياسياً ومؤسساتياً لا تختفي بقرارات خارجية أو بضغوط عسكرية فقط، بل تمر غالباً بمراحل طويلة من التحول وإعادة التموضع والتكيف مع المتغيرات الجديدة.
والسؤال الأكثر أهمية اليوم ليس ما إذا كان حزب الله سيبقى أو يزول، بل كيف سيتغير دوره خلال السنوات المقبلة.

هل ما زال حزب الله الورقة الإيرانية الأقوى؟

يصعب إنكار أن حزب الله شكّل لعقود طويلة أحد أهم عناصر القوة الإيرانية في الشرق الأوسط. فمن خلاله تمكنت طهران من بناء معادلة ردع مؤثرة في مواجهة إسرائيل، كما وفر لها حضوراً استراتيجياً على شواطئ شرق المتوسط.
لكن البيئة الإقليمية شهدت تغيرات عميقة خلال السنوات الأخيرة. فإيران طورت قدراتها الصاروخية والعسكرية المباشرة، ووسعت شبكة علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية، الأمر الذي جعل نفوذها أقل اعتماداً على ورقة واحدة مهما بلغت أهميتها.
ومع ذلك، يبقى حزب الله أحد أبرز الأصول الاستراتيجية الإيرانية، ليس فقط بسبب قدراته العسكرية، بل أيضاً بسبب موقعه الجغرافي وتأثيره السياسي وقدرته على المشاركة في رسم التوازنات الإقليمية.
ولهذا تبدو فرضية تخلي إيران عنه بشكل كامل ضمن أي تسوية مستقبلية احتمالاً ضعيفاً، لأن الدول لا تتنازل بسهولة عن أهم عناصر قوتها ونفوذها، خصوصاً عندما ترتبط هذه العناصر مباشرة بمفهوم الأمن القومي لديها.

نحو مرحلة جديدة من إعادة التموضع

المؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة تموضع أكثر منها نحو مرحلة حسم نهائي.
فحزب الله يواجه تحديات داخلية وإقليمية كبيرة، وإسرائيل تواجه بدورها تحديات أمنية وسياسية متصاعدة، فيما تسعى إيران إلى تثبيت مكاسبها الاستراتيجية دون الانزلاق إلى حرب شاملة، بينما يحاول المجتمع الدولي منع انفجار إقليمي واسع قد تكون كلفته غير مسبوقة.
في هذا السياق، يبدو السيناريو الأكثر واقعية هو بقاء الحزب كقوة سياسية وتنظيمية مؤثرة، مع احتمال إجراء تعديلات تدريجية على طبيعة دوره العسكري وآليات حضوره الإقليمي، بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة ومتطلبات المرحلة المقبلة.

لبنان أمام استحقاق الدولة

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن مستقبل لبنان لا يتوقف حصراً على مصير حزب الله أو نتائج المفاوضات الحدودية، بقدر ما يتوقف على قدرة الدولة اللبنانية نفسها على استعادة دورها ومؤسساتها.
فالأزمة الاقتصادية العميقة، وتراجع الخدمات العامة، واستمرار هجرة الكفاءات، وغياب الإصلاحات البنيوية، كلها عوامل تشكل تهديداً مباشراً لمستقبل البلاد يفوق في تأثيره الكثير من التهديدات الخارجية.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يتمثل فقط في إدارة علاقته مع إسرائيل أو في تحديد موقع حزب الله داخل المعادلة الوطنية، بل في بناء دولة قادرة على استيعاب جميع مكوناتها وصياغة رؤية وطنية مشتركة تضع المصلحة اللبنانية فوق أي اعتبارات أخرى.

أخيراً

أن لبنان يقف عند مفترق طرق تاريخي. فالمفاوضات القائمة تهدف إلى منع الحرب أكثر مما تهدف إلى صنع السلام، وحزب الله مرشح للبقاء لاعباً أساسياً وإن كان بصيغ وأدوار قد تختلف عن السابق، فيما ستستمر إيران في النظر إليه باعتباره أحد أهم عناصر نفوذها الإقليمي.
أما المستقبل القريب، فلا يبدو أنه يحمل نهاية حاسمة لأي طرف، بل مرحلة جديدة من التوازنات الدقيقة وإعادة توزيع الأدوار. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة اللبنانيين أنفسهم على بناء دولة قوية ومستقرة، لأن الدول وحدها هي القادرة على تحويل التوازنات الإقليمية من مصدر تهديد إلى فرصة للنهوض والاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى