كلمة الحقائق

بين صنعاء وأبها… هل بدأت مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي؟

 

علي حسني مهدي رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية

لم يمرّ استهداف مطار صنعاء، وما أعقبه من رد حوثي على مطار أبها، باعتباره مجرد تبادل عسكري محدود بين طرفين في الحرب اليمنية، بل كشف عن ملامح مرحلة جديدة تتجاوز حدود اليمن، لتلامس مباشرة توازنات الصراع الأمريكي–الإيراني ومستقبل أمن البحر الأحمر والخليج العربي.
فاللافت في تطورات الساعات الأخيرة أن الرد الحوثي جاء سريعاً، لكنه بقي ضمن سقف محسوب، الأمر الذي يعكس أن جميع الأطراف لا تزال تحاول تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين إظهار القدرة على الرد، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
ويبدو أن استهداف مطار صنعاء حمل أكثر من رسالة. فمن منظور الرياض، لا يتعلق الأمر فقط بهدف عسكري، بل أيضاً بمنع تكريس واقع جديد يسمح بتعزيز الحضور الإيراني في اليمن عبر خطوط إمداد مباشرة. أما من منظور الحوثيين، فإن استهداف مطار أبها جاء لتأكيد أن أي استهداف للبنية التحتية في صنعاء سيقابله استهداف مماثل داخل السعودية، في إطار معادلة “المطار بالمطار”، دون الانتقال إلى حرب شاملة.
هذا السلوك يعكس إدراكاً متبادلاً لحجم المخاطر. فالحوثيون يمتلكون القدرة على توسيع دائرة الاستهداف نحو منشآت اقتصادية أو موانئ أو الملاحة البحرية، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك حتى الآن، كما أن السعودية، رغم امتلاكها تفوقاً جوياً واضحاً، تبدو حريصة على عدم نسف مسار التهدئة بالكامل.
ومن هنا، يصبح السؤال الأهم: هل ما جرى هو امتداد مباشر للحرب الأمريكية–الإيرانية؟
الجواب الأقرب إلى الواقع هو أن الارتباط قائم، لكنه ليس بالضرورة ارتباطاً مباشراً. فالصراع بين واشنطن وطهران لم يعد يُدار من خلال مواجهة تقليدية، بل عبر شبكة مترابطة من الساحات تشمل الخليج، واليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، والبحر الأحمر. وكل ساحة أصبحت تمثل ورقة ضغط يمكن استخدامها لتعديل ميزان القوة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن العلاقة بين باب المندب ومضيق هرمز. فمن الناحية العسكرية لا يوجد ارتباط مباشر بين المضيقين، لكن من الناحية الاستراتيجية قد يتحولان إلى ورقتين متكاملتين في حال تصاعد الضغوط على إيران. فإذا تعرضت طهران لضغط متزايد في الخليج، فقد تجد في البحر الأحمر وسيلة لرفع كلفة المواجهة على خصومها، عبر حلفائها، دون أن يعني ذلك بالضرورة إغلاق أي من الممرين البحريين.
كما أن ما جرى يطرح تساؤلات حول طبيعة القرار السعودي. وحتى الآن، لا توجد معطيات موثقة تسمح بالقول إن الضربة جاءت بتوجيه أمريكي مباشر. والأقرب إلى التحليل أن القرار سعودي بالدرجة الأولى، لكنه يتقاطع مع المصالح الأمريكية في الحد من توسيع النفوذ الإيراني، وهو ما يجعل الحديث عن تقاطع في المصالح أكثر دقة من الحديث عن قرار أمريكي خالص.
أما الرد الحوثي على مطار أبها، فيوحي بأن الحركة أرادت تثبيت معادلة الردع أكثر مما أرادت فتح حرب جديدة. فلو كان الهدف التصعيد الشامل، لكانت الهجمات اتجهت نحو أهداف اقتصادية أو منشآت نفطية أو عمليات متزامنة في أكثر من موقع، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
وعليه، فإن المشهد الحالي لا يشير إلى أن المنطقة تقف على أعتاب حرب إقليمية مفتوحة، بقدر ما يعكس مرحلة جديدة من إدارة الصراع تقوم على تبادل الرسائل العسكرية المحسوبة، واختبار حدود الردع، مع إبقاء قنوات الاحتواء السياسي مفتوحة.
ويبقى العامل الحاسم في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت الضربات ستتوقف عند هذا الحد، أم أن تكرارها سيدفع الأطراف إلى توسيع نطاق المواجهة، لتتحول الساحات المترابطة من اليمن إلى الخليج والبحر الأحمر إلى مسرح واحد لصراع إقليمي أكثر تعقيداً، ستكون انعكاساته أكبر بكثير من حدود الأزمة اليمنية نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى