رسالة مفتوحة إلى وزيرة التربية والتعليم العالي

الصحافي د. علي حسني مهدي
رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية
معالي وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي المحترمة
بأي منطق يُطلب من طلاب لبنان أن يخوضوا امتحاناتهم الرسمية فيما لا يزال جزء كبير منهم يعيش تحت وطأة الخوف والتهجير والضغوط النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب؟
بأي عدالة تربوية يُعامل الطالب الذي أمضى عامه الدراسي في بيئة مستقرة كما يُعامل الطالب الذي تنقّل بين مراكز الإيواء، أو عاش القلق اليومي على منزله وعائلته ومستقبله؟
إن الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية في هذه الظروف الاستثنائية لا يعكس قوة الدولة بقدر ما يعكس عجزها عن فهم معاناة أبنائها. فالتربية ليست جداول زمنية جامدة، ولا مواعيد مقدسة تُفرض مهما كانت الظروف، بل هي قبل كل شيء رسالة إنسانية وأخلاقية تقوم على الإنصاف والرحمة والعدالة.
إن مشهد الطلاب وهم يتوجهون إلى خيم أُعدّت لتكون مراكز امتحانات ليس مشهدًا تربويًا يبعث على الفخر، بل صورة مؤلمة تختصر حجم الأزمة التي يعيشها الوطن. فالطالب اللبناني لا يحتاج إلى خيمة يخوض فيها إمتحانه، بل يحتاج إلى بيئة آمنة تمنحه الحد الأدنى من الاستقرار النفسي الذي يسمح له بإثبات قدراته الحقيقية.
لقد تحولت الامتحانات من استحقاق أكاديمي إلى عبء نفسي إضافي يُفرض على جيل أنهكته الحرب والأزمات والانهيار الاقتصادي. وإن أي نجاح يُبنى على تجاهل هذه الحقائق هو نجاح شكلي لا يعكس جوهر العدالة التعليمية.
إننا، كأهالٍ وأولياء أمور، نطالبكم بتحمل مسؤولياتكم الوطنية والإنسانية، وإصدار قرار عاجل يعيد النظر بهذا الاستحقاق بما يحفظ حقوق الطلاب وكرامتهم ومستقبلهم. فالمطلوب اليوم ليس التمسك الأعمى بالإجراءات، بل اتخاذ قرار شجاع يراعي الواقع الاستثنائي الذي يعيشه لبنان.
إن التاريخ لا يتذكر عدد التعاميم التي صدرت، بل يتذكر من وقف إلى جانب الناس في أوقات المحن. والطلاب الذين دفعتهم الظروف القاسية إلى مواجهة الخوف والنزوح يستحقون من وزارتهم أن تنصفهم، لا أن تضيف إلى معاناتهم معاناة جديدة.
لقد توجه نواب الأمة ولجنة التربية النيابة وجميع الأهالي والهيئات التربوية والطلابية برفع الصوت دفاعًا عن حق أبنائنا في العدالة التعليمية، لأن كرامة الطالب اللبناني ومستقبله يجب أن يبقيا فوق أي اعتبار إداري أو سياسي.
فالأوطان تُبنى بالعلم، لكن العلم لا يزدهر إلا في ظل العدالة والإنصاف والإنسانية.
إن الطلاب الذين نجوا من الحرب لا يجوز أن يُعاقَبوا بنتائجها، والذين واجهوا النزوح والخوف وفقدان الاستقرار لا يجوز أن يُطالَبوا بإثبات قدراتهم في ظروف استثنائية لم يختاروها. إن العدالة لا تكون بإخضاع الجميع للامتحان نفسه، بل بتأمين الفرصة العادلة للجميع للوصول إليه. واليوم، تقف وزارة التربية أمام امتحان وطني وأخلاقي حقيقي؛ فإما أن تنحاز إلى الإنسان والطالب والعدالة، وإما أن تسجل على نفسها قرارًا سيبقى شاهدًا على مرحلة غابت فيها الرحمة عن القرار التربوي.
وإن الإصرار على المضي في هذا القرار، رغم صرخات الأهالي ومعاناة الطلاب ووقائع الحرب الماثلة أمام الجميع، لم يعد يُفسَّر على أنه تمسك بالنظام التربوي، بل أصبح يُنظر إليه على أنه تجاهل مؤلم لوجع جيل كامل يدفع ثمن أزمات لم يكن مسؤولًا عنها. ومن لا يسمع أصوات الطلاب في زمن المحنة، لا يحق له أن يتحدث باسم مستقبلهم.

