كلمة الحقائق

صفقة ترمب الكبرى… هل يرسم الشرق الأوسط توازناته الجديدة؟

 

علي حسني مهدي رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية

في السياسة، لا تُقاس الانتصارات بما يُقال أمام عدسات الكاميرات، بل بما يُكتب في بنود الاتفاقات وما تفرضه موازين القوى على أرض الواقع. ومن هنا، تبدو المنطقة اليوم أمام لحظة مفصلية قد تكون الأكثر أهمية منذ سنوات طويلة، بعدما تحولت المواجهة العسكرية إلى مفاوضات غير معلنة، وأصبحت الدبلوماسية امتداداً للحرب بوسائل مختلفة.
إلغاء جولة المباحثات التي كانت مقررة بين واشنطن وطهران لم يكن مؤشراً على انهيار المسار السياسي، بقدر ما كان رسالة واضحة بأن إيران تربط العودة إلى طاولة التفاوض بتحقيق شرط أساسي يتمثل في وقف الحرب وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها، وفي مقدمتها الأراضي اللبنانية. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تستطيع الولايات المتحدة فرض هذا المسار على إسرائيل، أم أن الضغوط الإسرائيلية ستدفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تعديل أو التراجع عن التفاهمات التي يسعى إلى تثبيتها؟
واشنطن… إدارة الصراع لا توسيعه
تدرك الإدارة الأمريكية أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل حرباً إقليمية مفتوحة، وأن أي مواجهة واسعة ستنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والاستقرار المالي، كما ستفرض على الولايات المتحدة استنزافاً عسكرياً وسياسياً يتعارض مع أولوياتها الاستراتيجية في مواجهة القوى الدولية الصاعدة.
لهذا السبب، يبدو أن الهدف الأمريكي لم يعد تحقيق انتصار عسكري كامل لأي طرف، بل صناعة توازن جديد يمنع الانفجار ويحافظ على المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق مع إيران سيكون مبنياً على مبدأ “خفض التصعيد مقابل ضمان الاستقرار”، وهو ما يمنح واشنطن فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن ساحات الاستنزاف المستمرة.
إيران… تثبيت النفوذ لا البحث عن الحرب
في المقابل، لا تبدو إيران معنية بالدخول في مواجهة مفتوحة بقدر اهتمامها بتثبيت موقعها لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية.
فالقيادة الإيرانية تدرك أن الاحتفاظ بأوراق القوة الإقليمية، وفي مقدمتها محور المقاومة، يشكل ضمانة استراتيجية لأي اتفاق مع الولايات المتحدة، ولذلك فإنها تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة تقوم على الاعتراف بنفوذها السياسي والأمني مقابل ضبط إيقاع التصعيد العسكري.
وتأجيل المفاوضات إلى ما بعد وقف الحرب يحمل رسالة واضحة مفادها أن طهران تريد ترجمة أي تفاهم سياسي إلى وقائع ميدانية ملموسة قبل العودة إلى طاولة الحوار.
إسرائيل… بين رفض الاتفاق والقبول بالأمر الواقع
تبقى إسرائيل الحلقة الأكثر تعقيداً في هذه المعادلة.
فأي اتفاق يفرض عليها وقف العمليات العسكرية أو الانسحاب من الأراضي اللبنانية قد يُفسر داخلياً على أنه تراجع أمام الضغوط الأمريكية والإيرانية، وهو ما قد يواجه اعتراضات سياسية وأمنية واسعة داخل المؤسسة الإسرائيلية.
لكن في المقابل، فإن تجاهل الرغبة الأمريكية والمضي في حرب مفتوحة يحمل مخاطر كبيرة، أبرزها الدخول في مواجهة إقليمية يصعب السيطرة عليها، فضلاً عن احتمال حدوث توتر غير مسبوق في العلاقات مع واشنطن.
ومن هنا، يبدو السيناريو الأكثر واقعية هو لجوء إسرائيل إلى إعلان أنها حققت أهدافها العسكرية، ثم تنفيذ انسحاب تدريجي يحفظ لها هامشاً سياسياً داخلياً، مع الاحتفاظ بحق الرد على أي تطورات مستقبلية.
لبنان… المستفيد الأول إذا نجحت التسوية
إذا نجحت التفاهمات الأمريكية الإيرانية في فرض وقف شامل للحرب، فإن لبنان سيكون أمام مرحلة مختلفة كلياً.
فمن المتوقع أن يبدأ انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي دخلتها، بالتزامن مع إطلاق مسار تفاوضي غير مباشر برعاية أمريكية ودولية لتثبيت الحدود والضمانات الأمنية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام عودة الاستقرار السياسي والاقتصادي، ويعيد تحريك مشاريع الدعم وإعادة الإعمار.
أما إذا أصرت إسرائيل على البقاء في الأراضي اللبنانية ورفضت تنفيذ أي انسحاب، فإن ذلك سيضع الاتفاق الأمريكي الإيراني أمام اختبار حقيقي، لأن طهران ربطت بشكل غير مباشر استمرار المسار السياسي بوقف العمليات العسكرية وإنهاء الاحتلال.
هل يخضع ترمب للضغوط الإسرائيلية؟
القراءة الواقعية تشير إلى أن ترمب، المعروف بعقلية “رجل الصفقات”، سيحاول الحفاظ على أي اتفاق يستطيع تقديمه باعتباره إنجازاً سياسياً واستراتيجياً.
وقد يقدم تعديلات على آليات التنفيذ أو يمنح إسرائيل ضمانات أمنية إضافية، لكنه لن يكون متحمساً لإسقاط اتفاق يمنحه فرصة إعلان نجاح دبلوماسي كبير ويجنب الولايات المتحدة الانخراط في حرب جديدة.
فالتراجع الكامل سيعني خسارة واشنطن لمسار تفاوضي طويل، وعودة المنطقة إلى مربع التصعيد، وهو خيار لا يخدم المصالح الأمريكية في المرحلة الحالية.
توازن جديد لا سلام شامل
المؤشرات الحالية لا تدل على ولادة سلام تاريخي بقدر ما تشير إلى نشوء توازن ردع جديد، يقوم على إدارة الخلافات بدلاً من حسمها عسكرياً.
الولايات المتحدة تريد الاستقرار، وإيران تريد الاعتراف بنفوذها، وإسرائيل تريد الحفاظ على تفوقها الأمني، ولبنان يبحث عن إنهاء الحرب واستعادة سيادته على كامل أراضيه.
وهذه المصالح المتقاطعة تجعل فرص التوصل إلى تفاهمات أكبر من فرص الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وإن كانت لا تلغي إمكانية حدوث توترات محدودة أو أزمات ميدانية تعيد خلط الأوراق.
اخيراً
يدخل الشرق الأوسط مرحلة دقيقة تتجاوز منطق المنتصر والمهزوم إلى منطق إعادة توزيع النفوذ والمصالح. فالصفقة المحتملة بين واشنطن وطهران، إذا اكتملت، لن تكون مجرد اتفاق ثنائي، بل ستكون إطاراً جديداً لإدارة التوازنات الإقليمية، يحدد مستقبل الخليج وإيران وإسرائيل ولبنان لسنوات مقبلة.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الحرب الشاملة خياراً مكلفاً للجميع، فيما يبرز التفاوض باعتباره الأداة الأكثر قدرة على إنتاج توازن جديد يحفظ المصالح المتعارضة دون أن يلغي أسباب الصراع، لتبقى المنطقة أمام مرحلة عنوانها الأبرز: هدوء حذر تحكمه قوة الردع، وصفقات السياسة أكثر مما تحكمه أصوات المدافع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى