كلمة الحقائق

هل تغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط فعلاً؟

 

علي حسني مهدي
رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تتزايد التحليلات التي تتحدث عن ولادة نظام إقليمي جديد وانقلاب جذري في موازين القوى التقليدية. وبين من يرى أن إيران خرجت من المواجهات الأخيرة قوةً إقليمية منتصرة، ومن يعتقد أن الولايات المتحدة وإسرائيل ما زالتا تحتفظان بعناصر التفوق الاستراتيجي، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة تستند إلى الوقائع أكثر مما تستند إلى الانفعالات السياسية.
لا شك أن السنوات الأخيرة أظهرت تطوراً ملحوظاً في القدرات العسكرية الإيرانية، سواء على مستوى الصناعات الصاروخية أو الطائرات المسيّرة أو شبكات النفوذ الإقليمي. كما أثبتت الأحداث أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لم تعد خياراً سهلاً أو منخفض الكلفة، وهو ما فرض معادلات ردع جديدة لم تكن قائمة قبل عقدين من الزمن.
لكن في المقابل، فإن توصيف إيران بأنها أصبحت “قوة عظمى عالمية” يفتقر إلى الدقة العلمية. فالقوة العظمى لا تُقاس بالقدرات العسكرية وحدها، بل بمجموعة متكاملة من العناصر تشمل حجم الاقتصاد، والنفوذ المالي، والتأثير التكنولوجي، والقدرة على قيادة النظام الدولي. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن إيران نجحت في ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة، لكنها لا تزال بعيدة عن مرتبة القوى العظمى بالمعنى الاستراتيجي الشامل.
أما على صعيد الولايات المتحدة، فإن ما يجري لا يعكس بالضرورة حالة هزيمة أو تراجع كامل، بقدر ما يعكس تحوّلاً في أدوات إدارة الصراع. فالسياسة الأمريكية خلال العقد الأخير اتجهت بصورة متزايدة نحو تقليل الانخراط العسكري المباشر وتفضيل أدوات الردع والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية. ومن الطبيعي أن يُفسّر هذا التحول من قبل خصوم واشنطن على أنه تراجع، بينما يراه مؤيدوها إعادة تموضع تتناسب مع أولوياتها العالمية الجديدة.
وفيما يتعلق بإسرائيل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فرغم احتفاظها بتفوق عسكري وتقني واضح، إلا أن قدرتها على فرض إرادتها العسكرية بصورة مطلقة أصبحت أكثر تحدياً من السابق. فبيئة الصراع الحالية تختلف جذرياً عما كانت عليه قبل سنوات، وأي عملية عسكرية واسعة باتت تحمل مخاطر ردود فعل متعددة الجبهات، الأمر الذي يفرض حسابات أكثر حذراً على صانع القرار الإسرائيلي.
كذلك فإن الحديث عن انهيار مشروع “اتفاقيات أبراهام” قد يكون مبالغاً فيه. صحيح أن الحرب والتوترات الإقليمية أبطأت مسار التطبيع وأثرت في زخمه السياسي، إلا أن الاتفاقيات ما زالت قائمة من الناحية العملية، وما زالت المصالح الاقتصادية والأمنية التي دفعت إليها موجودة بدرجات متفاوتة. ولذلك فإن الأدق هو الحديث عن مرحلة تباطؤ وإعادة تقييم، لا عن نهاية كاملة للمشروع.
أما دول الخليج العربي، فقد وجدت نفسها أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيداً مما كان عليه الحال في العقود السابقة. فهي تدرك أهمية الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر حرصاً على تجنب التحول إلى ساحات مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى في المنطقة. ومن هنا يمكن فهم سعي العديد من هذه الدول إلى تنويع علاقاتها الدولية وتعزيز سياسات التوازن والانفتاح على مختلف الأطراف.
إذا أردنا تلخيص المشهد الراهن، فإن الشرق الأوسط لا يشهد انتصاراً مطلقاً لطرف أو هزيمة كاملة لطرف آخر، بل يشهد انتقالاً تدريجياً نحو مرحلة جديدة من توازن القوى. فإيران أثبتت قدرتها على فرض كلفة مرتفعة على خصومها، والولايات المتحدة ما زالت تمتلك أدوات نفوذ هائلة، وإسرائيل لا تزال قوة عسكرية رئيسية، فيما تسعى الدول العربية إلى توسيع هامش استقلال قرارها السياسي والأمني.
إن القراءة الواقعية للمشهد تشير إلى أن المستقبل القريب لن يكون عنوانه الحسم العسكري الشامل، بل الردع المتبادل وإدارة الأزمات والتفاوض غير المباشر. فالجميع يدرك أن كلفة الحرب الكبرى أصبحت أعلى من قدرة المنطقة على تحملها، وأن ميزان المصالح بات يدفع نحو احتواء الصراعات أكثر مما يدفع نحو توسيعها.
وعليه، فإن التحول الحقيقي الذي تشهده المنطقة لا يكمن في صعود قوة واحدة لتحكم الشرق الأوسط، بل في نشوء توازنات أكثر تعقيداً تجعل من الصعب على أي طرف أن يفرض إرادته منفرداً. وهذه ربما تكون السمة الأبرز للمرحلة المقبلة: شرق أوسط متعدد مراكز القوة، تحكمه معادلات الردع والمصالح المتبادلة أكثر مما تحكمه معادلات الهيمنة المطلقة.

زر الذهاب إلى الأعلى