كلمة الحقائق

الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني: من زمن الحروب المفتوحة إلى هندسة التوازنات الجديدة

كلمة الحقائق

علي حسني مهدي
رئيس تحرير مجلة الحقائق

ليس من المبالغة القول إن الاتفاق الأميركي – الإيراني، إذا كُتب له الثبات والاستمرار، لن يكون مجرد تفاهم عابر بين خصمين تاريخيين، بل محطة مفصلية قد تعيد رسم الخريطة السياسية والأمنية للشرق الأوسط بأسره. فالاتفاق لا يعكس انتصار طرف على آخر بقدر ما يؤكد حقيقة راسخة في السياسة الدولية: عندما تبلغ الحروب حدودها القصوى، تبدأ الدبلوماسية في رسم ملامح المرحلة التالية.
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لم تعد قادرة وحدها على فرض الوقائع النهائية. فإيران، التي دخلت المواجهة وهي تدرك حجم المخاطر، نجحت في الحفاظ على أوراق نفوذها الإقليمية، فيما وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام ضرورة البحث عن تسوية تمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة تهدد مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية وحلفاءها في آن واحد.
وفي قلب هذه التحولات يقف لبنان، الذي لم يعد مجرد ساحة مواجهة حدودية، بل تحول إلى عقدة سياسية وأمنية تتقاطع عندها المصالح الدولية والإقليمية. فالمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن لم تعد محصورة بترسيم خطوط أو معالجة نقاط خلافية، بل أصبحت جزءاً من تفاهم أكبر يرسم قواعد الاشتباك الجديدة في المنطقة.
وإذا انتهت هذه المفاوضات إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من القرى والبلدات الجنوبية التي دخلتها خلال الحرب، فإن ذلك لن يُقرأ باعتباره مجرد إجراء عسكري، بل باعتباره نتيجة مباشرة لتوازنات فرضتها الوقائع الميدانية والضغوط السياسية الدولية، وهو ما سيترك آثاراً عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
أما رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، فيدخل مرحلة هي الأكثر حساسية في مسيرته السياسية. فالرجل الذي رفع شعار الحسم العسكري سيجد نفسه أمام معارضة داخلية ستسأل عن جدوى الحرب إذا كانت نهايتها العودة إلى طاولة التفاوض والانسحاب من الأراضي التي دخلها الجيش الإسرائيلي. وسيزداد الانقسام داخل إسرائيل بين تيار يرى في الاتفاق ضرورة استراتيجية، وآخر يعتبره تراجعاً أمام الضغوط الإقليمية والدولية، ما يجعل مستقبل الحكومة الإسرائيلية مفتوحاً على احتمالات عديدة، قد تعيد رسم الخريطة السياسية في الداخل الإسرائيلي.
وفي المقابل، تبدو غزة الحلقة الأكثر تعقيداً في المشهد الجديد. فالقطاع الذي دفع أثماناً إنسانية باهظة لن يكون من السهل فصله عن أي تسوية إقليمية شاملة. وستبقى إعادة الإعمار، وإدارة القطاع، ومستقبل المقاومة الفلسطينية، والعلاقة مع إسرائيل، ملفات مفتوحة تحتاج إلى توافقات أكبر من مجرد وقف لإطلاق النار.
أما سوريا، فإنها تدخل مرحلة دقيقة عنوانها إعادة توزيع النفوذ لا إنهاء الصراع. فإيران ستسعى إلى تثبيت حضورها الاستراتيجي، وتركيا ستواصل حماية مصالحها الأمنية على حدودها الجنوبية، فيما ستراقب إسرائيل أي تحرك تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها. ولذلك، فإن الساحة السورية مرشحة لأن تبقى ميداناً للتنافس السياسي والاستخباراتي والعسكري المحدود، أكثر منها ساحة لحرب إقليمية مفتوحة.
ويبرز هنا سؤال جوهري: هل يمكن أن تتحول المنافسة التركية – الإسرائيلية إلى مواجهة مباشرة؟
الواقع أن مصالح الطرفين وتشابك الحسابات الدولية يجعل من هذا السيناريو احتمالاً ضعيفاً، لأن كلفته ستكون مرتفعة على الجميع. والأرجح أن يستمر الصراع في إطار النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي داخل الساحة السورية وشرق المتوسط، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل خرج لبنان من دائرة الخطر؟
الجواب الواقعي أن لبنان سيظل في قلب المعادلة الإقليمية، لأنه يشكل نقطة التقاء المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية والعربية. غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة إدارة للتوازنات بدلاً من إدارة للحروب، ما يفتح نافذة نادرة أمام اللبنانيين لاستعادة مؤسساتهم وإنقاذ اقتصادهم إذا أحسنوا استثمار اللحظة السياسية.
فالشرق الأوسط لا يدخل عصر السلام الكامل، كما أنه لا يعيش هزيمة لأي محور. إنه ينتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها إعادة هندسة النفوذ، حيث تحل طاولات التفاوض محل ساحات القتال، وتصبح السياسة امتداداً للحرب ولكن بأدوات مختلفة.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، يبقى الثابت الوحيد أن الدول التي تملك القدرة على قراءة التحولات واستثمارها هي التي تصنع مستقبلها، أما الدول التي تبقى رهينة صراعات الآخرين فستظل تدور في فلك الأزمات مهما تبدلت الاتفاقات والخرائط.
ولعل المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة نهاية الصراع في الشرق الأوسط، بل بداية نظام إقليمي جديد، تتراجع فيه لغة المدافع قليلاً لتتقدم لغة المصالح، ويبقى ميزان القوة هو الحاكم الحقيقي لكل اتفاق، والضامن الوحيد لاستمراره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى