كلمة الحقائق

هل يشكل فتح مضيق هرمز بداية لنظام إقليمي جديد؟ قراءة في مستقبل الشرق الأوسط بعد التفاهم الأمريكي–الإيراني المحتمل

 

علي حسني مهدي رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية

قد يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى أي تفاهم محتمل حول مضيق هرمز باعتباره اتفاقاً تقنياً يهدف فقط إلى تأمين حرية الملاحة أو حماية تدفق النفط. فالتاريخ يعلمنا أن الممرات البحرية الكبرى لم تكن يوماً مجرد قضايا اقتصادية، بل كانت دائماً مدخلاً لإعادة ترتيب موازين القوى وصياغة التفاهمات السياسية والأمنية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق أمريكي–إيراني، إذا تحقق، ينبغي قراءته ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة هندسة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وليس باعتباره نهاية للصراع بين الطرفين. فالخلافات المرتبطة بالبرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، والعقوبات، والعلاقة مع الحلفاء، لا يمكن أن تزول بتفاهم واحد، لكنها قد تدخل مرحلة جديدة تُدار فيها المنافسة بأدوات مختلفة.
الولايات المتحدة تبدو اليوم أمام معادلة استراتيجية معقدة. فهي تسعى إلى ضمان أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تحاول تقليص انخراطها العسكري المباشر في الشرق الأوسط، وتوجيه مواردها نحو أولويات تعتبرها أكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها التنافس مع الصين، واستمرار المواجهة مع روسيا في الساحة الأوروبية. ومن هنا، قد يصبح احتواء التوتر مع إيران خياراً عملياً، حتى وإن بقيت الخلافات الجوهرية قائمة.
في المقابل، تدرك إيران أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات الطويلة أثقلت اقتصادها، وأن تخفيف حدة المواجهة قد يمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس وتحسين موقعها التفاوضي. لذلك، فإن أي تفاهم محتمل لن يكون تعبيراً عن انتصار كامل لأي طرف، بل نتيجة لتقاطع مصالح مؤقتة فرضتها كلفة الاستمرار في التصعيد.
لكن السؤال الأهم هو: كيف سينعكس ذلك على الإقليم؟
إسرائيل ستكون من أكثر الأطراف متابعة لأي تفاهم أمريكي–إيراني. فمن منظورها، يكمن التحدي في ألا يتحول تخفيف التوتر إلى مساحة تمنح إيران قدرة أكبر على إعادة بناء قدراتها الاقتصادية أو تعزيز نفوذها الإقليمي. وفي المقابل، قد ترى واشنطن أن إدارة الخلاف مع طهران، إذا خفضت احتمالات الحرب الواسعة، لا تتعارض بالضرورة مع استمرار دعمها الأمني لإسرائيل. وبالتالي، قد يظهر تباين في أساليب إدارة الملف الإيراني، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث شرخ استراتيجي بين الحليفين.
أما لبنان، فقد يكون من أكثر الساحات تأثراً بأي تحول في العلاقة الأمريكية–الإيرانية. فإذا اتجه الطرفان إلى تخفيف التوتر، فقد تتزايد الضغوط الدولية لدفع الدولة اللبنانية نحو تثبيت الاستقرار الداخلي، وتسريع الإصلاحات، وتعزيز دور المؤسسات الرسمية. وفي المقابل، إذا بقيت ملفات النفوذ الإقليمي خارج أي تفاهم، فإن الساحة اللبنانية قد تستمر في التأثر بالتجاذبات الإقليمية، وإن بوتيرة أقل من مراحل التصعيد المفتوح.
وفي سوريا، قد يفتح أي تفاهم محدود الباب أمام تفاهمات موضعية تتعلق بالوجود العسكري، أو بإدارة مناطق النفوذ، أو بخفض الاحتكاك بين القوى الفاعلة. غير أن التوصل إلى تسوية شاملة يظل رهناً بتشابك مصالح أطراف متعددة، منها روسيا وتركيا والولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجعل أي تغيير هناك تدريجياً أكثر منه جذرياً.
أما العراق، فيبقى مرشحاً للاستفادة من أي تهدئة أمريكية–إيرانية، بحكم موقعه كحلقة وصل بين الطرفين. فخفض التوتر قد يمنح بغداد هامشاً أوسع لتعزيز الاستقرار الداخلي، وتخفيف الضغوط الناتجة عن تحول أراضيها إلى ساحة للتنافس الإقليمي. ومع ذلك، سيظل نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الدولة العراقية على ترسيخ مؤسساتها وتحقيق توازن في علاقاتها الخارجية.
لكن القراءة الأشمل تشير إلى أن المنطقة قد تكون أمام انتقال من نظام قائم على إدارة الأزمات عبر المواجهات المباشرة، إلى نظام يعتمد بصورة أكبر على التفاهمات المرحلية، وردع الخصوم، وتقاسم النفوذ بصورة غير معلنة. وهذا لا يعني نهاية الصراع، بل تغير أدواته وأولوياته.
فبدلاً من الحروب الواسعة، قد تتقدم أدوات المنافسة الاقتصادية، والتكنولوجيا، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والممرات التجارية، لتصبح ساحات الصراع الرئيسية بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يغدو الشرق الأوسط جزءاً من تنافس عالمي أوسع، لا مجرد ساحة نزاعات محلية.
ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة: هل يشكل فتح مضيق هرمز بداية لمسار تفاوضي أشمل يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، أم أنه مجرد هدنة تكتيكية فرضتها الظروف وستبقى قابلة للانهيار عند أول اختبار؟
حتى الآن، لا توجد معطيات كافية للجزم بأي من الاحتمالين. غير أن المؤكد هو أن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنجح القوى الإقليمية والدولية في تحويل التهدئة إلى مسار أكثر استقراراً، وإما أن تبقى التفاهمات محدودة وهشة، بحيث تعود المنطقة إلى دوامة التصعيد كلما اصطدمت المصالح الكبرى.
لذلك، فإن فتح مضيق هرمز – إذا تحقق – قد يكون أقل أهمية من السؤال الذي يليه: أي شرق أوسط تريد القوى الكبرى أن تبنيه بعده؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل إسرائيل ولبنان وسوريا والعراق، كما ستكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو نظام إقليمي أكثر استقراراً، أم إلى مرحلة جديدة من التنافس تُدار بوسائل مختلفة، بينما يبقى جوهر الصراع قائماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى