إتفاق مكة: هل نحن أمام «الناتو الإسلامي» الذي ولد من رحم الحرب؟

علي حسني مهدي رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية
السؤال لم يعد من يحمي الخليج؟ بل من سيصوغ نظام أمن المنطقة بعد الحرب؟
توقيع الإتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان قد يبدو للوهلة الأولى اتفاقاً عسكرياً جديداً، لكنه في توقيته ومضمونه قد يكون أكبر من ذلك بكثير. فهو يأتي بينما تتهاوى قواعد أمنية قديمة تحت وطأة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتجد دول المنطقة نفسها أمام سؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: هل يبقى أمنها مرهوناً بمظلة قوة خارجية واحدة؟
السعودية تمتلك المال والموقع والطاقة، تركيا تمتلك القوة العسكرية والصناعات الدفاعية، وباكستان تمتلك جيشاً كبيراً وعمقاً استراتيجياً وقدرات نووية. إنها، بهذا المعنى، ليست شراكة بين دول متشابهة، بل تجميع لعناصر قوة متكاملة.
لكن القنبلة السياسية الحقيقية ليست في الاتفاق نفسه، بل في الباب الذي تُرك مفتوحاً أمام انضمام دول أخرى.
إذا كان الهدف إنشاء جبهة ضد إيران، فلماذا لم يُغلق الباب أمامها؟ ولماذا لم تُسمَّ باعتبارها الخصم؟
ربما لا يكون اتفاق مكة مشروعاً لمحاصرة إيران، بل محاولة لبناء منظومة أمن إقليمية تستطيع ردع إيران اليوم، واحتواءها غداً، وربما إدماجها في ترتيبات أمنية جديدة إذا تغيرت موازين السياسة.
وهذا لا يعني أن إنضمام طهران قريب أو حتى مطروح فعلياً. لكنه يعني أن الاتفاق لا يغلق الباب أمام فكرة مختلفة تماماً الانتقال من شرق أوسط تحكمه المحاور إلى شرق أوسط تحكمه ترتيبات أمنية متعددة الأطراف.
أما إسرائيل، فليست هدفاً معلناً للاتفاق، لكنها بالتأكيد ليست خارج حساباته الاستراتيجية. فكل منظومة ردع إقليمية مستقلة تعني تراجعاً نسبياً في احتكار القوة التي تمتعت بها إسرائيل، وتقلصاً في الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية.
أما واشنطن، فالمسألة أكثر تعقيداً. لا توجد أدلة كافية للقول إنها صنعت الاتفاق، لكنها قد لا تكون معنية بإفشاله ما دام يعزز قدرة حلفائها على الدفاع عن أنفسهم. غير أن اتفاقاً يتحول لاحقاً إلى منظومة مستقلة عن الولايات المتحدة قد يصبح قصة مختلفة تماماً.
لهذا، فإن اتفاق مكة قد يكون أخطر من مجرد تحالف دفاعي.
فإذا بقي ثلاثياً، فهو إتفاق ردع مهم.
أما إذا توسع ليضم مصر وقطر ودولاً عربية وإسلامية أخرى، ثم استطاع في مرحلة لاحقة فتح طريق للتفاهم مع إيران، فإننا لن نكون أمام «ناتو إسلامي» بالمعنى التقليدي، بل أمام شيء أكثر أهمية:
بداية إعادة هندسة النظام الأمني في الشرق الأوسط.
والسؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس من وقّع اتفاق مكة؟
بل من سيدخل إليه غداً… ومن سيُطلب منه أن يخرج من معادلة الأمن الإقليمي؟
