الصحف

نتنياهو يواصل تهديد إيران لكن الخطر الحقيقي يكمن في الداخل

ران أدليست
كل تصريحٍ رنّان يصدر عن زعيمنا الآليّ، وكل يوم يمرّ في ظلّ حكومة نتنياهو وشركائه، يُعمّق غرقنا في مستنقعات المشاكل الداخلية والخارجية التي نتخبط فيها. يدفع نتنياهو الجيش الإسرائيليّ إلى ساحات المعارك، وهو نفسه يتحرّك كدُميةٍ آليةٍ بين ساحات الانتخابات، يُطلق تهديدات متكررة، ويُعلن أننا لن نسمح لإيران أبدا بامتلاك قنبلة.
في الواقع، تُشكّل القنبلة الإيرانية أكبر تهديد على الإطلاق، لكنّها لم تكن يوما ممكنة، باستثناء ما يحدث هذه الأيام ولأول مرة. بعد يونيو 2025 (حرب الأيام الاثني عشر)، أعلن دونالد ترامب للعالم أنه تم القضاء على النووي الايراني. هل هذا صحيح..؟
في الأسبوع الماضي، تلقينا بشرى سيئة بمناسبة رأس السنة العبرية، من قنبلة لم تُصنع بعد. رفعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية شكوىً إلى مجلس الأمن الدولي ضد إيران لرفضها السماح لمفتشيها بتفتيش مواقع يُشتبه في تخصيب اليورانيوم فيها. هذا لا يعني أن إيران تُسرع في إنتاج قنبلة غدا.
كما كان إلغاء الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما – وهي خطوة حمقاء حقا من ترامب وبنيامين نتنياهو – فقد كان ذلك حافزا للتقدم في التطوير. وللتذكير، كان السبب الرئيسي للحرب على ايران، هو تدمير البرنامج النووي. وكل ما عدا ذلك يُعتبر مكسبا إضافيا.
كرّس نتنياهو، ولا يزال، حياته السياسية لإنقاذنا من القنبلة. الآن، ومع تحدّي الإيرانيين للقيود، لا يزال نتنياهو على حاله، يُهدد بلا جدوى. في حرب إيران الحالية ضد وكيل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، استبعدت ايران، إسرائيل من الرد، ردا على الهجمات الأمريكية. فبدلاً من النأي بنفسها عن الصراع بين رئيس أحمق وطفولي، وقع في أزمة لا يدري كيف يخرج منها، وبين الحرس الثوري، يتربص بنتنياهو كل فرصة للتدخل وشن غارة جوية.
تشن الولايات المتحدة حربا على البنية التحتية، وإيران تهاجم القواعد الأمريكية في المنطقة وبنية النفط التابعة في ايران. من المرجح أنه لو كانت إسرائيل المجنونة، متورطة في هذه الحرب، لردت بقصف جوي مكثف على طهران، واغتيالات شخصية، وإشعال نار الفتنة في الشرق الأوسط. وهذا هو سبب “اللا” الأمريكية.
في حروبه، لا يفوّت نتنياهو، أي معركة ستنتهي في نهاية المطاف بالانسحاب، بغض النظر عن كيفية تشكيل التحالف القادم. حتى لو افترضنا وجود منطق عسكري في تدمير مقر حزب الله على مرتفعات علي الطاهر، يبقى السؤال الرئيسي قائما: ماذا بعد..؟ من وجهة نظر الجيش الإسرائيلي، لا يُعتبر القتال في لبنان سياسة، إلا في اللحظات الأخيرة. المشكلة التي تتجاهلها الحكومة الاسرائيلية هي الصلة التي ستنشأ بين حزب الله وممثليه في حكومة الرئيس اللبناني جوزيف عون، وبين السكان العائدين إلى قراهم.
كل ما وعد به نتنياهو، بشأن ترتيب دبلوماسي في المنطقة، ليس إلا وهماً ومحاولة لكسب الوقت. فبدلا من التعاون مع أوروبا والولايات المتحدة، اللتين تعملان على بناء ركيزة استراتيجية في الشرق الأوسط، نقوم ببناء مواقع عسكرية وخطوط دفاعية في مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي حالياً، مما يعرضنا لإرهاب السكان المحليين الذين يقاتلون على أرضهم.
يقول الواقع، إن التهديدات المستقبلية تأتي وستأتي من الجو. وإلى أن يحدث ذلك، يغدقون علينا بـ”انتصارات” مثل الاستيلاء على مرتفعات علي الطاهر، ويشنّون المعارك على الجمهور، لخلق جوّ من التوتر وتصوير أنفسهم كفائزين في الانتخابات المقبلة. هكذا تعمل الرؤية العمياء أو الانتقائية للواقع. نرفض التسليم بأن حماس أصبحت حليف للأمريكيين، وأنها جزء من الحل ونحن جزء من المشكلة، وأن الوضع في الضفة الغربية يثير غضب العالم أجمع. عمليا، صمت الولايات المتحدة هو بمثابة اعتراف، وأوروبا تفرض عقوبات على المستوطنين، وتنضم إلى نضال المعارضة في إسرائيل، ووسائل الإعلام الرئيسية، واحتجاجات المواطنين ضدّ إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية.
من المفترض أن تُجبر هذه العقوبات، الحكومة على التحرّك ضدّ المستوطنين في التلال والوزارات الحكومية التي تدعم إرهابهم. هذه ممارسة قديمة تعود إلى أيام الجماعات الإرهابية السرية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. ظاهريا، يُدين اليمين المتطرف هذه الجرائم. أما في الواقع، فهو يدعم تلقائيا أي قاتل عشوائي. هذه هي المفاجأة الحقيقية، وليس المفاجأة الإيرانية. وهذا ما يجعل الحملة الانتخابية الحالية اختباراً بين الأخلاق الإنسانية والقتل الأيديولوجي، واختباراً للامبالاة الإجرامية من القطاع العلماني الليبرالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى