إيجار طويل الأجل.. إسرائيل قد تتخلى عن مرتفعات الجولان وهذا هو المقابل

صحيفة معاريف:
جاكي هوجي
تصدّر بيان مُقتضب للرئيس السوري، أحمد الشرع، عناوين الصحف في إسرائيل، بعد مقابلة أجراها الشرع مع قناة الجزيرة، تحدث فيها عن علاقاته مع الأكراد، والوضع الداخلي في بلاده بعد عام ونصف من توليه السلطة، كما أشار بإسهاب إلى لبنان المجاور، الذي يرغب في التقارب معه بعد سنوات من التدخل السوري. وفي إشارة إلى إسرائيل، قال الشرع، إن الترتيب الحدودي المنشود قد يمهد الطريق لاتفاق سلام مستقبلي، دون التنازل عن حق سوريا في مرتفعات الجولان.
الحقيقة هي: لا جديد في تصريحات الرئيس السوري. فقد صرّح مرارا منذ توليه السلطة برغبته في السلام مع إسرائيل. بل إنه في بيانه هذا الأسبوع، لم يوجّه كلامه إلى الإسرائيليين بتاتا، بل وجّهه إلى السوريين، وقال: “لن نبيع مرتفعات الجولان”.
يعلم الشرع، أن غالبية الشعب السوري لا ترحب بإسرائيل. وإسرائيل، بالنسبة للمواطن السوري العادي، لم تعد وجهة جذابة هذه الأيام. إنها تحتل أراضيه، وتتسبب في سقوط ضحايا في غزة، وتدمر لبنان. مع ذلك، حين يقول إنه يريد السلام معها، فإنه صادق في كلامه. فالسلام مع إسرائيل سيؤتي ثماره من جميع النواحي، لا سيما إذا استعادت سورية الجولان. كلام الشرع يهدف أيضا إلى استمالة دونالد ترامب، الذي يُكنّ له محبة كبيرة.
فخ “الشريط الأمني”:
منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، سيطر الجيش الإسرائيلي على مساحة كبيرة من الأراضي السورية، بالإضافة إلى مرتفعات الجولان. وهذه ليست مساحة صغيرة. يبلغ طول هذا الشريط الأمني حوالي 75 كيلومتراً، وعرضه في بعض الأماكن عشرة كيلومترات أو أكثر. وقد طالب الشرع، إسرائيل بالانسحاب منه، وقال إنه في حال انسحابها، يمكن توقيع اتفاقية حدودية، ومن ثمّ يمكننا المضي قدماً. وللانسحاب من الشريط الأمني الذي تم اقتطاعه، تطالب إسرائيل سوريا بضمان الهدوء على حدودها معها. وفي محادثات مباشرة جرت العام الماضي مع وزير خارجيتها أسعد الشيباني، ادعى الإسرائيليون أن تركيا تستولي على مساحات أكبر بكثير من الأراضي السورية. لكن، اسرائيل لا ترغب في توكيل أمنها لعناصر الشرع.
سوريا بلد شاسع، بسكان متعددي الأعراق يتجاوز عددهم 20 مليون نسمة. وتنشط القبائل العربية قرب الحدود مع إسرائيل، وقد أظهرت استقلالاً كبيراً في نهاية عهد الأسد، ووسّعت نطاق استقلالها بعد ذلك. ولا شك أن سيطرة الحكومة المركزية على المحافظات النائية ليست مُطلقة.
إسرائيل أيضاً في مأزق. سيطرتها على سكان سوريين تورطها في صراعات واشتباكات، أو ما هو أسوأ – في تنامي المقاومة المحلية المسلحة، والأرض مهيأة لتطور عنف مؤسسي مع مرور الوقت. الجيش الإسرائيلي يحتفظ حالياً بثلاث مناطق عازلة: في سوريا وغزة ولبنان. وهذا قد يكون حلا جيدا لفترة محدودة، لكنه قد يتحول إلى سلاح ذي حدين. عندما تُنشئ منطقة أمنية لنفسك، فأنت تعرف كيف بدأت، لكنك لا تعرف أين ستنتهي وما الثمن الذي ستدفعه. فإذا تحولت المنطقة الأمنية إلى بؤرة للنشاط العدائي، فلن تضيع منا فرصة التوصل إلى اتفاق مع دمشق فحسب، بل سيضيع الأمن أيضاً.
هذه المناطق العازلة، مُجرد حلول ترقيعية مؤقتة، ولا يمكن أن تحل محل الجهود الدبلوماسية. بل إنها قد تجلب المشاكل أحياناً. وليس من قبيل المصادفة أن أكثر حدود دولة إسرائيل استقراراً اليوم هي الحدود المصرية والأردنية، حيث تسود اتفاقيات سلام مستقرة.
لا تزال دمشق والقدس بعيدتين عن محادثات السلام، لكن تغيير النظام في سوريا يفتح آفاقا جديدة. كانت الفكرة المطروحة سابقا، قبل التخلي عنها بسبب انعدام الثقة العميق بين الطرفين، هي عقد إيجار. تعلن اسرائيل بموجبه، هضبة الجولان أرضا سورية، وفي المقابل تحصل على إذن بالاحتفاظ بها لسنوات عديدة. هذا هو الحل الأكثر واقعية إذا كان كلا البلدين مهتما بالسلام الحقيقي، وهو ينتظر قادة يتحلون بالشجاعة من كلا الجانبين. وإذا أصرّت إسرائيل على سيطرتها على الجولان، فمن المرجح أن تواجه برفض دمشق.
حمامة أم جهادي..؟
كان أحمد الشرع، قائداً في تنظيم القاعدة، لكنه ترك هذا التنظيم. وحتى حبن كان يتولى ذلك المنصب، كان سلوكه مختلفاً عن المعتاد. فقد تعاون سراً مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وكان رجاله على اتصال بنا نحن الإسرائيليين. ومنذ أن أطاح بالأسد وأصبح رئيساً للدولة، أصبحت تحركاته أكثر وضوحاً، وتزايدت مطالب المجتمع السوري منه.
لا يقتصر دوره على الحكم فحسب، بل عليه أيضاً إعادة بناء الوطن المُدمّر، وتنمية اقتصاده، وتوحيد مختلف الجماعات العرقية في كيان واحد. والحرب مع إسرائيل، أو الاعتداء عليها، يُقوّض هذه المصالح ويُضعف نظامه. فهذه تحركات مُدمّرة، لا سيما ضد عدو يفوقه قوة بعشرات المرات.
يخضع القادة لتغييرات خلال مسيرتهم السياسية، حتى على الصعيد الأيديولوجي. يجب تقييم رئيس سوريا، بل وكل جيراننا، بناءً على حاضره لا على ماضيه. هذه ليست مهمة مُعقّدة. فهو يتخذ قرارات جديدة ويدلي بتصريحات سياسية كل يوم. أما الجهاديون، فيجدون صعوبة ولا يُخفون توجهاتهم لفترة طويلة.

