اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل… هل هو بداية السلام أم بداية صراع جديد على تفسير الالتزامات؟

رئيس تحرير مجلة الحقائق علي حسني مهدي
ليس من السهل قراءة اتفاق الإطار المقترح بين لبنان وإسرائيل بوصفه مجرد تفاهم أمني أو اتفاق لوقف إطلاق النار. فالنص، كما ورد في بنوده، يتجاوز بكثير فكرة تثبيت الهدوء على الحدود، ليؤسس لمسار سياسي وأمني جديد يعيد رسم طبيعة العلاقة بين البلدين، ويعيد في الوقت نفسه صياغة التوازنات الإقليمية التي تشكلت طوال العقود الماضية.
واللافت أن الاتفاق يأتي في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها المفاوضات الأمريكية الإيرانية مع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، الأمر الذي يثير سؤالاً أساسياً: هل نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في فصل المسارين، أم أن هذا الفصل سيولد أزمة جديدة بين واشنطن وطهران قد تنعكس مباشرة على لبنان؟
الاتفاق… أكثر من وقف لإطلاق النار
القراءة المتأنية لبنود الاتفاق تكشف أنه لا يشبه اتفاقات وقف إطلاق النار التقليدية، بل يقترب من كونه خارطة طريق سياسية وأمنية تنتهي – إذا نُفذت بالكامل – بإنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، واحتكار الدولة اللبنانية للسلاح، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين.
وهنا تكمن خطورة الاتفاق،فهو لا يعالج نتائج الحرب فقط، بل يسعى إلى معالجة أسبابها وفق الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يجعل تنفيذه أكثر تعقيداً من أي اتفاق سابق.
البند الأول في اتفاق الإطار … بداية الخلاف الحقيقي
يشكل البند الأول نقطة الارتكاز في الاتفاق، لأنه لا يتحدث عن وقف الأعمال العسكرية فحسب، بل يعلن نية الطرفين إنهاء النزاع بصورة نهائية وإنهاء حالة الحرب رسمياً.
هذه الصياغة تحمل قراءتين مختلفتين تماماً.
فالولايات المتحدة وإسرائيل ستعتبران أن الاتفاق يؤسس لإنهاء الصراع بصورة دائمة، وبالتالي يفقد أي سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية مبررات وجوده العسكرية والسياسية ضاربين بعرض الحائط حق لبنان بمقاومة الإحتلال الإسرائيلي .
في المقابل، قد ترى إيران وحلفاؤها أن إنهاء النزاع لا يمكن أن يسبق تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية كاملة، وفي مقدمتها الانسحاب من الأراضي اللبنانية وإنهاء جميع الملفات العالقة. ومن هذا المنطلق، يصبح إعلان انتهاء الصراع قبل تنفيذ تلك الالتزامات أمراً سابقاً لأوانه.
ومن هنا، قد يتحول البند الأول إلى أحد أبرز نقاط الخلاف بين إتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي وبين الإتفاق الأمريكي الإيراني.
أما البند الخامس… العقدة الأخطر في الاتفاق
إذا كان البند الأول يرسم الهدف السياسي، فإن البند الخامس … أخطر بند في الاتفاق كله
برأيي الشخصي.
لأنه يقول باختصار:
وجود الجيش الإسرائيلي داخل لبنان سببه حزب الله. وبالتالي:
إذا اختفى حزب الله أو جرد من سلاحه…فلا حاجة لبقاء الجيش الإسرائيلي.
هذه الصياغة تحمل في طياتها مشكلة كبيرة وكبيرة جداً .
لأنها لا تقول:
“تلتزم إسرائيل بالانسحاب.”
بل تقول:
“لن تكون هناك حاجة للبقاء.”
وهذا فرق قانوني وسياسي ضخم.
فالانسحاب أصبح:
مشروطاً وليس ملزماً وهذا يمنح إسرائيل مساحة واسعة للمماطلة.
إن البند الخامس يحدد المنطق الأمني الذي يقوم عليه الاتفاق، فهو ينطلق من فرضية واضحة مفادها أن الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان سببه التهديد الذي يمثله حزب الله، وأن إزالة هذا التهديد ستلغي الحاجة إلى أي وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
لكن المشكلة لا تكمن في الفكرة بحد ذاتها، بل في الصياغة القانونية.
فالفقرة لا تتضمن تعهداً صريحاً بانسحاب إسرائيل ضمن مهلة زمنية محددة، بل تربط الانسحاب بتحقق شرط أمني مسبق يتمثل في نزع سلاح حزب الله والتحقق من ذلك.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين عبارة “تلتزم إسرائيل بالانسحاب” وعبارة “لن تكون هناك حاجة لوجودها”. الأولى التزام قانوني مباشر، أما الثانية فتفتح الباب أمام تفسيرات سياسية وأمنية قد تطيل أمد التنفيذ.
أين المشكلة في إتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي … مع الاتفاق الأمريكي الإيراني
هنا بيت القصيد.
بحسب ما ذكرته، فإن البند الأول من الاتفاق الأمريكي الإيراني يتضمن:
وقف الحرب.
وانسحاب إسرائيل خلال ستين يوماً.
هنا تزداد الصورة تعقيداً عند مقارنة هذا الاتفاق بما يُقال إنه التفاهم الأمريكي الإيراني، والذي ينص، وفق المعطيات المتداولة، على وقف الحرب في لبنان وانسحاب إسرائيل خلال ستين يوماً كجزء من التفاهم بين واشنطن وطهران.
إذا صح ذلك، فإننا نكون أمام مسارين مختلفين.
المسار الأمريكي الإيراني يجعل الانسحاب الإسرائيلي خطوة أولى.
أما اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي فيجعل الانسحاب نتيجة نهائية لتنفيذ شروط أمنية معقدة، وفي مقدمتها نزع سلاح حزب الله.
وهذا الاختلاف ليس تفصيلاً قانونياً، بل يمثل اختلافاً جذرياً في فلسفة الاتفاقين.
هل نجحت إسرائيل في فصل المسارين؟
وهل خسر لبنان ورقة الضغط الأمريكي؟
من الناحية التفاوضية يبدو أن إسرائيل حققت مكسباً مهماً إذا نجحت بالفعل في جعل الملف اللبناني منفصلاً عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
فبدلاً من أن يكون الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من تفاهم إقليمي أوسع، أصبح مرتبطاً مباشرة بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها الأمنية الداخلية.
وبذلك تنتقل الضغوط تدريجياً من تل أبيب إلى بيروت، ويصبح السؤال المطروح أمام المجتمع الدولي: هل نفذت الحكومة اللبنانية ما هو مطلوب منها؟
وهذا التحول يمنح إسرائيل هامشاً سياسياً وأمنياً أوسع.
ما هي المكتسبات التي حققها وسيحققها لبنان؟
لا يمكن إنكار أن الاتفاق يتضمن وعوداً كبيرة للبنان، من بينها إعادة الإعمار، واستقطاب المساعدات الدولية، ودعم الجيش اللبناني، وتحريك الاقتصاد، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.
غير أن هذه المكاسب تبقى مرتبطة بتنفيذ مراحل معقدة من الاتفاق، في حين تبدأ الالتزامات اللبنانية منذ اللحظة الأولى.
وهنا يبرز تساؤل مشروع حول مدى التوازن بين ما يلتزم به كل طرف وما يحصل عليه في المقابل.
هل تستطيع الحكومة اللبنانية تنفيذ الاتفاق؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية.
فمسألة نزع سلاح حزب الله ليست قراراً إدارياً يمكن للحكومة اتخاذه وتنفيذه بسهولة، بل ترتبط بتوازنات سياسية داخلية، وحسابات طائفية، وتعقيدات إقليمية، وعلاقات لبنان الخارجية.
ومن هنا، فإن أي محاولة لفرض التنفيذ بالقوة قد تحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الداخلي، بينما يحتاج التنفيذ بالتوافق إلى تسوية سياسية واسعة تتجاوز حدود الاتفاق نفسه.
يبقى السؤال الأكثر أهمية: من يضمن تنفيذ إسرائيل لالتزاماتها؟
فالتجارب السابقة تجعل هذا السؤال مشروعاً لدى كثير من اللبنانيين. وإذا لم يتضمن الاتفاق جدولاً زمنياً واضحاً للانسحاب، وآليات رقابة ملزمة، وضمانات دولية فعالة، فإن احتمالات الخلاف حول تفسير البنود ستظل قائمة، وقد تتحول إلى مصدر توتر دائم.
هل نحن أمام سلام أم أمام مرحلة انتقالية؟
في جوهره، لا يبدو هذا الاتفاق نهاية للصراع بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي والقانوني حول كيفية تفسير الالتزامات وتنفيذها.
فنجاحه لن يتوقف على حسن صياغة البنود فقط، بل على توافر ضمانات متبادلة، وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف، وقدرة الوسطاء الدوليين على فرض تنفيذ متوازن لا يسمح لأي طرف باستخدام النصوص لتحقيق مكاسب أحادية.
وفي المحصلة، إذا بقي الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً من دون سقف زمني واضح، بينما طُلب من لبنان تنفيذ التزامات أمنية واسعة ومعقدة، فإن الاتفاق سيظل عرضة لاتهامات بأنه يمنح إسرائيل مكاسب تفاوضية أكبر مما يمنح لبنان. أما إذا أُرفق بضمانات تنفيذية متوازنة وآليات رقابة ملزمة وجدول زمني واضح، فقد يتحول بالفعل إلى فرصة تاريخية لإخراج جنوب لبنان من دوامة الحرب المستمرة منذ عقود.
وبين هذين الاحتمالين، سيبقى مستقبل الاتفاق رهناً بما ستكشفه المفاوضات المقبلة، وبقدرة الأطراف المعنية على تحويل النصوص إلى التزامات متبادلة، لا إلى عناوين قابلة لتفسيرات متناقضة قد تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
اخيراً
ليس من باب التهويل أو إثارة المخاوف، بل انطلاقًا من قراءة أرى أنها تستند إلى مسار الأحداث وتطوراتها، أصبحت لدي قناعة راسخة بأن لبنان قد يكون أمام مرحلة شديدة الخطورة، قد تتجسد بمحاولة دفع قوات سورية مرتبطة بالسلطة الجديدة إلى التوغل داخل الأراضي اللبنانية، في ظل تفاهمات إقليمية ودولية، وبالتنسيق مع أطراف لبنانية ترى أن نزع سلاح حزب الله هو الأولوية المطلقة.
فالاتفاق الذي وقّعه لبنان مع إسرائيل، بما أثاره من جدل حول مضمونه وتداعياته، يفتح، في تقديري، الباب أمام سيناريوهات تتجاوز وقف إطلاق النار، لتطال إعادة رسم موازين القوى داخل لبنان. وإذا صحّت هذه القراءة، فإن الهدف النهائي قد يكون فرض واقع جديد تُستكمل فيه عملية تجريد حزب الله من سلاحه، ليس عبر الضغوط السياسية والدبلوماسية فحسب، بل عبر أدوات ميدانية قد تشارك فيها أطراف خارجية، وهو احتمال يستوجب أقصى درجات اليقظة والحذر، لأن أي انزلاق في هذا الاتجاه ستكون له تداعيات خطيرة على لبنان والمنطقة بأسرها.
