لبنان في قلب قمة أنقرة : ضغط سياسي أم تُفتح أبواب حرب جديدة ؟

علي حسني مهدي
رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية
لم يكن طرح ملف حزب الله خلال النقاشات الأميركية–التركية حول سوريا ولبنان تفصيلاً عابراً في مسار إقليمي مضطرب. فحين يُثار احتمال أن تلعب دمشق، برعاية تركية أو بغطاء أميركي، دوراً في “معالجة” ملف حزب الله، فإن الأمر لا يعني بالضرورة قراراً وشيكاً بإرسال قوات سورية إلى لبنان، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ترتيب موازين النفوذ والضغط على جميع الأطراف قبل الانتقال إلى مرحلة تفاوضية أكثر صرامة.
المؤشرات المتاحة لا تدعم فرضية وجود خطة جاهزة لتدخل عسكري سوري مباشر في لبنان. فمثل هذا السيناريو سيصطدم بحساسيات لبنانية عميقة، وبذاكرة تاريخية مثقلة بمرحلة الوصاية السورية، كما أنه قد يفتح الباب أمام صدام طائفي وسياسي لا تستطيع لا تركيا ولا الولايات المتحدة ضبط نتائجه. لذلك، فإن الحديث عن دور سوري يبدو أقرب إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية منه إلى مشروع ميداني قابل للتنفيذ.
في هذا السياق، لا يحتاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن يخوض أردوغان حرباً بالوكالة في لبنان. ما تحتاجه واشنطن هو دور تركي يساهم في ضبط الساحة السورية، وإغلاق المسارات اللوجستية التي يمكن أن تستخدمها إيران أو حزب الله، ومنع تحوّل الحدود السورية–اللبنانية إلى ممر مفتوح لإعادة بناء القدرات العسكرية. وفي المقابل، تستطيع أنقرة أن تستخدم هذا الدور لتعزيز موقعها في سوريا، والحصول على مساحة أكبر في ملفات إعادة الإعمار والأمن والاقتصاد، من دون أن تتحمل كلفة مواجهة مباشرة مع لبنان أو إيران.
لكن هذا لا يعني أن الهدف الأميركي–الإسرائيلي هو “إنهاء إيران” في الشرق الأوسط. فإيران ليست مجرد نفوذ عسكري في لبنان أو سوريا أو العراق واليمن، بل دولة إقليمية كبيرة تملك مؤسسات عسكرية وأمنية واقتصادية وقدرة على إدارة الصراع عبر أدوات متعددة. الهدف الأكثر واقعية هو تقليص قدرتها على استخدام الساحات العربية كمنصات عسكرية مستقلة، وإضعاف منظومة الصواريخ والتمويل والإمداد، ثم دفعها إلى تفاوض جديد يتناول البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.
من هنا، فإن أي تفاهم أميركي–إيراني أو ما يُعرف باتفاق الإطار لا يمكن اعتباره سلاماً دائماً. هو، في أفضل الأحوال، هدنة مؤقتة تمنح كل طرف فرصة لإعادة الحسابات وتقييم الخيارات. واشنطن تريد اختبار استعداد طهران لتقديم تنازلات، وطهران تريد ضمانات تمنع تكرار الضربات أو توسيعها، فيما تسعى إسرائيل إلى إبقاء حرية الحركة العسكرية مفتوحة ضد ما تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها.
وهنا تظهر هشاشة وقف إطلاق النار في لبنان. فإسرائيل قد تعتبر أي نشاط عسكري أو لوجستي لحزب الله خرقاً يبرر الضربات، بينما يرى لبنان أن استمرار الغارات والاغتيالات وبقاء الاحتلال في نقاط حدودية هو خرق صريح لأي تفاهم. وبين التفسيرين، يصبح الاتفاق عرضة للانهيار في أي لحظة، لأن كل طرف يملك تعريفاً مختلفاً لمعنى الأمن والسيادة والالتزام.
أما الحديث عن مشروع لإخراج شيعة لبنان أو ترحيلهم، فلا يستند إلى معطيات واقعية أو قانونية أو سياسية قابلة للتنفيذ. أي محاولة من هذا النوع ستكون جريمة كبرى وستؤدي إلى تفجير لبنان والمنطقة. الخطر الفعلي لا يكمن في ترحيل جماعة لبنانية، بل في استخدام الحرب والضغط الاقتصادي والعقوبات والعزل السياسي لإعادة صياغة العلاقة بين البيئة الشيعية وبين السلاح والقرار العسكري لحزب الله. وهذا فارق جوهري بين استهداف طائفة كاملة، وهو أمر لا يمكن تبريره أو تنفيذه، وبين السعي إلى تغيير موازين القوة داخل لبنان.
وفي ما يتعلق بأوروبا، لا تبدو العواصم الأوروبية مستعدة للدخول في حرب مفتوحة ضد إيران. أوروبا تخشى انهيار أمن الطاقة، وتوسع موجات النزوح، واضطراب الملاحة والتجارة، وتراجع أي فرصة للتفاوض. لذلك، قد تقدم دعماً دفاعياً أو لوجستياً أو استخباراتياً للولايات المتحدة وحلفائها، لكنها ستبقى مترددة في الانخراط في حرب طويلة أو مشروع لتغيير النظام في طهران، ما لم تتعرض مصالحها أو منشآتها لهجوم مباشر واسع.
الأيام المقبلة مرشحة لمرحلة من الضغط المتدرج أكثر من كونها مقدمة لحرب شاملة فورية. قد تتواصل الضربات الإسرائيلية المحدودة، وقد يتصاعد الضغط الأميركي على لبنان في ملف السلاح والسيادة، وقد تحاول تركيا منع انفجار جديد على الحدود السورية–اللبنانية. وفي المقابل، ستبقى المفاوضات الأميركية–الإيرانية قائمة، لكنها هشة ومفتوحة على الانتكاس في أي لحظة.
الحرب الكبرى لن تصبح حتمية إلا إذا تزامن فشل التفاوض مع ضربة كبيرة توقع خسائر أميركية أو إسرائيلية، ومع قرار إيراني بالرد عبر فتح أكثر من جبهة في المنطقة. أما إذا بقية المواجهة تحت سقف الضربات المحدودة والرسائل المتبادلة، فإن الهدف سيكون فرض تفاوض بالقوة، لا الذهاب إلى حرب مفتوحة لا يعرف أحد أين تنتهي.
لبنان، في هذه المعادلة، ليس ساحة جانبية. إنه أحد مفاتيح الصراع بين واشنطن وطهران وتل أبيب، وأحد مسارات اختبار التوازن الجديد في المنطقة. لكن استخدام سوريا كأداة عسكرية داخل لبنان يبقى أقل احتمالاً من استخدام هذا الاحتمال كورقة ضغط. المعركة الحقيقية ليست فقط على الحدود أو في السماء، بل على شكل الدولة اللبنانية، وعلى من يملك قرار الحرب والسلم، وعلى حدود النفوذ الإيراني من دون إشعال حريق إقليمي قد يتجاوز قدرة الجميع على احتوائه.
