استفتاء تحت النار: كيف أعاد تشييع الخامنئي صياغة معادلة الردع الإيرانية؟

حسن حردان
يسود شعور متزايد، بعد مشاركة الملايين في تشييع المرشد الشهيد السيد علي الخامنئي، انّ إيران باتت أكثر تماسكاً ووحدة وتصلباً في الدفاع عن ثوابتها الوطنية والسيادية وحقوقها النووية، ورفض الإملاءات والشروط الأميركية التي تتعارض مع سيادتها واستقلالها الوطني، وأكثر استعداداً لمواجهة أيّ عدوان جديد يستهدفها، وانّ هذا التصلّب لا يقتصر على القيادة الجديدة بل أيضاً يستند الى دعم شعبي غير مسبوق…
هذا المشهد الإيراني الداخلي يغيّر الحسابات الاستراتيجية بالكامل، وهو ما بدأت تلحظه مراكز الأبحاث والصحف الغربية بالفعل خلال الأيام القليلة الماضية.
إنّ المشهد المهيب لتشييع المرشد الشهيد السيد علي خامنئي بمشاركة الملايين في طهران، وقم، وصولاً إلى النجف وكربلاء، لم يكن مجرد مناسبة عزاء، بل تحوّل عملياً إلى “استفتاء شعبي تحت النار” أعاد صياغة التوازنات السياسية داخل إيران ومنح القيادة الجديدة مظلة شرعية صلبة لا يمكن لواشنطن تجاهلها.
هذا الزخم الشعبي غير المسبوق يترك أثراً عميقاً على مسار المواجهة من خلال الأبعاد التالية:
1 ـ تفويض شعبي بالتصلّب يبدّد الرهانات
قبل الأحداث الأخيرة، كانت الرهانات الأميركية و”الإسرائيلية” تبنى على وجود فجوات واحتجاجات داخلية في الشارع الإيراني يمكن استغلالها عبر الضغط الخارجي لتفكيك الموقف من الداخل. لكن خروج الملايين غيّر هذه المعادلة؛ حيث أظهر أنّ الشعور بالاستهداف الخارجي والسيادي وحّد الشارع (بمختلف أطيافه السياسية والاجتماعية) خلف عنوان “كرامة الدولة وحق الرد”، مما يعطي القيادة الجديدة ـ التي يتصدّرها المرشد الجديد السيد مجتبى خامنئي ـ تفويضاً كاملاً لرفض الشروط الأميركية دون خوف من اهتزاز الجبهة الداخلية.
2 ـ القيادة الجديدة وإثبات “معادلة الردع”
أيّ قيادة إيرانية تتشكل في مرحلة ما بعد التشييع تجد نفسها محكومة بإرث المرشد الراحل وبشغف الجماهير المحتشدة التي رفعت شعارات واضحة تطالب بالانتقام وحفظ السيادة. وبالتالي:
استحالة التراجع: لا يمكن للقيادة الجديدة أن تفتتح عهدها بتقديم تنازلات في ملفات حساسة مثل “الإشراف على مضيق هرمز” أو “الملف النووي”، لأنّ ذلك سيُفسّر في الداخل على أنه ضعف وتفريط في دماء القيادة الراحلة.
الندية كشرط وحيد: التصلّب هنا يصبح خياراً وجودياً وسياسياً؛ فالعودة للمفاوضات لن تقبلها طهران إلا إذا كانت من موقع الندّ للندّ وبضمانات دولية قطعية، وبما يضمن إقراراً كاملاً بحقوقها السيادية.
3 ـ معضلة “سوء التقدير” الأميركي للمجتمعات الشرقية
الصحافة الأميركية (مثل بعض التقارير التحليلية في الغارديان ونيويورك تايمز) بدأت تشير إلى أنّ إدارة ترامب قد تكون وقعت مجدّداً في فخ “سوء تقدير القومية الإيرانية”. فالضغط العسكري العنيف والاغتيالات لا تؤدي إلى استسلام المجتمعات ذات الإرث العقائدي والقومي الممتدّ، بل تؤدّي إلى مفعول عكسي تماماً وهو “التفاف وطني حول العلم”.
النتيجة الميدانية والسياسية:
الضربات الأميركية الأخيرة على الساحل الإيراني ومحاولة فرض الشروط بالقوة تصطدم الآن بـ “جدار إسمنتي” من التصلّب الإيراني المستند إلى حاضنة شعبية مليونية غاضبة. هذا يعني أنّ الدبلوماسية الأميركية إذا أرادت تجنّب حرب استنزاف واسعة ومفتوحة، فستكون مجبَرة على التخلي عن لغة “الإملاءات والضربات التحذيرية” والاعتراف بأنّ معادلة القوة في المنطقة قد تغيّرت، وأنّ إفراغ التفاهمات من مضمونها السيادي بات أمراً غير قابل للصرف في طهران…

