بين الضجيج الإعلامي وحسابات المصالح… هل ينجو الاتفاق الأمريكي الإيراني من اختبار الأسابيع المقبلة؟

علي حسني مهدي
رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية
في كل مرة تقترب فيها المنطقة من لحظة تهدئة، ترتفع في المقابل أصوات تتحدث عن حرب وشيكة، وانهيار الاتفاقات، وعودة المواجهة إلى نقطة الصفر. وهذا ما تعكسه بوضوح القراءة الإسرائيلية الأخيرة التي تتوقع انفجار الاتفاق الأمريكي الإيراني خلال أسابيع، وتؤكد أن بنك الأهداف في إيران ولبنان بات جاهزاً بانتظار قرار سياسي يطلق شرارة الجولة المقبلة.
غير أن قراءة المشهد بمنطق المصالح الاستراتيجية، بعيداً عن لغة التهويل والدعاية النفسية، تقود إلى استنتاج مختلف تماماً.
فالسياسة لا تُدار بالرغبات، بل بتوازنات القوة وكلفة الخيارات. ومن هذه الزاوية، يبدو أن الاتفاق الأمريكي الإيراني، إن كان قد وُلد نتيجة تقاطع مصالح حقيقية، يمتلك من عناصر البقاء أكثر مما يمتلك خصومه من أدوات إسقاطه.
فالولايات المتحدة التي استثمرت جهداً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً للوصول إلى تفاهم مع طهران، تدرك أن انهيار الاتفاق يعني العودة إلى دوامة الاستنزاف العسكري، وارتفاع منسوب التوتر في الشرق الأوسط، وما يرافق ذلك من تداعيات على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والمصالح الأمريكية المنتشرة في المنطقة. لذلك تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع واحتوائه، لا إلى إعادة إشعاله.
وفي المقابل، لا تبدو إيران في موقع يسمح لها بالدخول في مواجهة مفتوحة جديدة. فهي تحتاج إلى تثبيت مكاسبها السياسية، وإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والعسكرية، والاستفادة من أي مساحة تهدئة تمنحها فرصة لترميم ما استنزفته سنوات المواجهة والعقوبات. ومن هنا، فإن مصلحتها الحالية تلتقي مع المصلحة الأمريكية في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
لكن العقدة الأساسية تبقى في إسرائيل.
فمن الواضح أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر بقلق إلى أي تفاهم يخفف من مستوى المواجهة مع إيران، لأنه يفرض قيوداً جديدة على حرية الحركة العسكرية ويعيد رسم قواعد الاشتباك الإقليمية. ولذلك تبدو التسريبات الإعلامية والتقديرات الأمنية التي تتحدث عن قرب انهيار الاتفاق جزءاً من محاولة الضغط على صناع القرار في واشنطن، كما أنها رسالة موجهة إلى الداخل الإسرائيلي بأن المؤسسة العسكرية لا تزال مستعدة لكل الاحتمالات.
غير أن وجود بنك أهداف في إيران أو لبنان ليس دليلاً على قرار بالحرب، بل هو جزء طبيعي من العقيدة العسكرية لأي جيش. فالمؤسسات العسكرية تبني خططها بشكل دائم، سواء في أوقات السلم أو في أوقات التوتر، بينما يبقى القرار السياسي هو العامل الحاسم في الانتقال من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة التنفيذ.
أما على الساحة اللبنانية، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً. فمن المتوقع أن يستمر الضغط العسكري والأمني والإعلامي، وأن تبقى الحدود الجنوبية مسرحاً لحالة من الردع المتبادل والاختبارات المحدودة، إلا أن الانتقال إلى حرب واسعة لا يزال يحمل كلفة مرتفعة على جميع الأطراف، وهو ما يجعل خيار الاحتواء أكثر ترجيحاً من خيار الانفجار.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن هناك قوى إقليمية وداخلية ترى في أي تقارب أمريكي إيراني تهديداً لمصالحها ونفوذها، وتسعى إلى إضعافه عبر التصعيد الإعلامي أو الأمني أو السياسي. لكن الرغبة في إفشال الاتفاق لا تعني بالضرورة القدرة على إسقاطه، طالما أن الطرفين الرئيسيين يعتبران أن استمرار التفاهم يحقق لهما مكاسب أكبر من العودة إلى المواجهة.
ومن هنا، فإن الأسابيع المقبلة لن تكون اختباراً لقدرة إسرائيل على إشعال المنطقة بقدر ما ستكون اختباراً لقدرة واشنطن وطهران على حماية التفاهم الذي توصّلتا إليه، ومنع أي حادث أمني أو ميداني من التحول إلى مواجهة إقليمية شاملة.
إن المنطقة، في هذه المرحلة، لا تبدو متجهة نحو سلام كامل ولا نحو حرب مفتوحة، بل نحو نموذج جديد يقوم على إدارة الصراع، وضبط إيقاعه، والحفاظ على خطوط حمراء تمنع الانزلاق إلى مواجهة لا يرغب أي طرف في تحمل كلفتها.
وبين الضجيج الإعلامي وحسابات المصالح، تبقى الحقيقة الأكثر ثباتاً أن ميزان القوى الحالي يدفع الجميع إلى تثبيت التهدئة أكثر مما يدفعهم إلى كسرها، وأن مستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني سيُحسم في غرف السياسة والمفاوضات أكثر مما سيُحسم في عناوين الصحف أو في التصريحات المتشددة.

