اسباب تفاقم أزمة الكهرباء في لبنان وتحدّي الضغط الاجتماعي والحلول الناجعة

حسن حردان
تُعتبر أزمة الكهرباء في لبنان العقدة المركزية التي تتفرّع منها معظم الأزمات الاقتصادية والمعيشية الراهنة. ورغم وفرة الحلول التقنية والمالية النظرية ـ وفي مقدمتها عقود الـ BOT (البناء، التشغيل، ونقل الملكية) التي تتيح للقطاع الخاص تمويل وإنشاء المعامل دون تحميل الخزينة أعباء فورية ـ إلا أنّ العتمة مستمرة. وفي ظلّ التغيّرات الإقليمية والدولية البارزة، وفي مقدّمتها الإلغاء النهائي والكامل لـ “قانون قيصر”، باتت مسألة تقييم الأزمة وتحديد مسار الخروج منها ضرورة حتمية، يتقدّمها اليوم سؤال عن دور القوى الاجتماعية وقدرتها على ممارسة الضغوط الفاعلة.
أولاً: أسباب استمرار الأزمة
وتعطيل الحلول (العقدة الداخلية)
تتداخل الأسباب السياسية والإدارية والمالية لتشكل منظومة متكاملة تعيق أي محاولة جادة للإصلاح:
التعطيل السياسي وغياب الهيئة الناظمة: رهن قطاع الطاقة للمحاصصة السياسية حال دون تشكيل أو تفعيل “الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء” المستقلة، وهي الضمانة الأساسية لأي مستثمر دولي لدخول مشاريع الـ BOT بعيداً عن المزاجية الوزارية.
اهتزاز الملاءة المالية وغياب الضمانات: تعاني مؤسسة كهرباء لبنان من إفلاس تقني وهيكلي، وعجزت الدولة عن تقديم ضمانات سيادية أو مصرفية مقنعة للشركات الكبرى لتسديد أثمان الطاقة المنتجة بانتظام وبـ “عملة صعبة”.شبكات المصالح وشلل الإدارة: تستفيد منظومة واسعة من استيراد الفيول والمولدات الخاصة من استمرار الأزمة، مما يخلق مقاومة خفية لكلّ مشاريع الإنتاج الثابت والرخيص.
ثانياً: غياب التحرك الفاعل
للقوى الاجتماعية والاقتصادية
إلى جانب العوامل السياسية والتقنية، يلعب غياب الضغط المجتمعي المنظم دوراً أساسياً في إطالة أمد الأزمة:
الخضوع لمنظومة “مافيا المولدات”: تحوّلت شبكات المولدات الخاصة من حلّ إسعافي مؤقت إلى “أمر واقع” يتحكم برقاب المواطنين، مدعومة أحياناً بغطاء سياسي أو محلي، وسط عجز أو تهاون رسمي في ضبط تسعيرتها وكيلوواطاتها، وغياب انتفاضة استهلاكية جدية ترفض هذا الابتزاز.
تشرذم الهيئات الاقتصادية والنقابية: على الرغم من الأكلاف الباهظة التي تتحمّلها المصانع والشركات والقطاعات الإنتاجية بسبب انعدام الكهرباء، جاءت ردود الفعل غالباً في قالب شكاوى فردية أو تكيّف قسري عبر رفع الأسعار، بدلاً من توحيد الصفوف لقيادة ضغط اقتصادي ونقابي ضاغط ومستدام يجبر الدولة على تحرير قطاع الطاقة وفتح الباب للمنافسة.
الاستسلام لحالة العجز العام: ساهم الانهيار المتتابع في إشاعة حالة من الإحباط وفقدان الثقة، مما أدّى إلى تراجع الاحتجاجات المطلبية المركزة التي تستهدف رأس العلة (أيّ منظومة الفساد والمستفيدين من استمرار العتمة)، مكتفية بتدبير شؤون اليوم بالحدّ الأدنى.
ثالثاً: العامل الخارجي:
سقوط القيود وانكشاف العجز المحلي
لفترة طويلة، شُكلت العقوبات الأميركية الإقليمية (وخصوصاً قانون قيصر) ذريعة لتعطيل مشاريع استجرار الطاقة والغاز الإقليمية (عبر الأردن وسورية). غير أنّ إلغاء “قانون قيصر” نهائياً وبشكل كامل بقرار من الكونغرس وتوقيع الإدارة الأميركية أسقط هذا القيد الخارجي رسمياً.
هذا التحوّل الجذري أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ العقبة الرئيسية لم تكن في الخارج، فقط، بل في البنية الداخلية للدولة اللبنانية؛ فمع زوال الموانع القانونية الإقليمية، ظلت المشاريع مكانها لافتقاد الجاهزية الإدارية والمالية والضغط الأهلي الرافض للستاتيكو القائم.
رابعاً: التداعيات الكارثية
على الاقتصاد والمواطن
تنعكس هذه الحلقة المفرغة بشكل مباشر على مستويين أساسيين:
اقتصادياً: ترتفع كلف الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري لاعتمادها الكلي على المولدات الخاصة ذات الكلفة الباهظة، مما يفقد المنتجات اللبنانية تنافسيتها ويقضي على فرص الاستثمار.
معيشياً: يرزح المواطن تحت وطأة “فاتورة مزدوجة” (كهرباء الدولة ومولدات الجيوب الخاصة) تلتهم جزءاً ضخماً من دخله، متسبّبة بتآكل حاد في القدرة الشرائية وتعميق معدلات الفقر.
خامساً: خارطة طريق
الحلول العملية الممكنة
لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا بدّ من الانتقال الفوري من سياسة الترقيع إلى مسار إصلاحي متكامل يرتكز على المحاور التالية:
بناء جبهة ضغط اجتماعي واقتصادي: توحيد جهود النقابات، الغرف الاقتصادية، وجمعيات المستهلكين لفرض أجندة إصلاحية واضحة، ورفض الخضوع للابتزاز أو الاستمرار في دفع فواتير غير مشروعة لأباطرة الطاقة البديلة.
إقرار الهيئة الناظمة فوراً: وضع قطاع الكهرباء تحت إدارة هيئة مستقلة تتمتع بالصلاحيات الكاملة للتخطيط والرقابة وفتح باب المنافسة بشفافية مطلقة.
تفعيل عقود الـ BOT وفق معايير دولية: طرح مناقصات عالمية شفافة لبناء معامل حديثة ومتطورة تعتمد الغاز الطبيعي الأرخص كلفة، مع منح الشركات العالمية ضمانات واضحة وآليات تحصيل آمنة.
تحديث شبكات النقل والجباية: وقف الهدر الفني وغير الفني والسرقات على الشبكة، وتفعيل جباية عادلة وصارمة تتناسب مع ساعات التغذية الفعلية.
التحوّل نحو الطاقات المتجدّدة: تشجيع اللامركزية في إنتاج الطاقة عبر دعم مشاريع الطاقة الشمسية للمنازل والمصانع والبلديات لتخفيف الضغط عن الشبكة العامة.
إنّ الحلول التقنية والخارجية أصبحت متاحة وواضحة، ولا يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة إلا بتكامل الإرادة السياسية الإصلاحية مع إرادة شعبية واقتصادية ضاغطة ترفع الغطاء عن المستفيدين من العتمة، وتُسقط منظومة المحاصصة والمولدات.