إسرائيل تنتظر أن يأتي الشرق الأوسط إليها..

البروفيسور عودي زومر: أستاذ للعلوم السياسية ورئيس مركز باراك للقيادة في جامعة تل أبيب.
انهار ركن أساسي من أركان مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي. فقد ثبت خطأ فكرة أن حربا في إيران، بدعم من الجيش الأمريكي ورئيس متعاطف في البيت الأبيض، ستقضي على نظام آيات الله. وبينما نتعافى من تبعات انهيار هذا المفهوم، لا تزال إسرائيل أسيرة مفهوم آخر لا يقلّ خطورة، ألا وهو المفهوم السياسي.
قال البعض – بشيء من الدعابة – إنه ليس لدى إسرائيل سياسة خارجية، بل سياسة داخلية فقط. ولكن منذ اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر على الأقل، أصبح يوجد لإسرائيل ذراع سياسي يتطور ويتغير على مر السنين. يقوم المفهوم السياسي الإسرائيلي الحالي على ثلاثة أركان، تستحق التأمل، والتحفظ، عند الضرورة.
مفهوم “اتفاقيات أبراهام”:
يتناول الركن الأول، أولوية الأمن على الدبلوماسي: عسكريا، إسرائيل هي أقوى دولة في المنطقة، وثقافيا نحن “دولة في غابة.” لذا، فإن أي عملية سياسية يجب أن تكون وفقا لشروطنا وبوتيرة محددة. أما جيراننا، وهم دول في منطقة ضعيفة ومنقسمة ومُمزقة، فسوف يدركون التفوق الإسرائيلي ويرغبون في الاستفادة منه. وحينها، سنقرر ما إذا كنا سنمضي قدما ومتى. كل هذا على افتراض أن زمام المبادرة دائما في أيدينا. والولايات المتحدة، راعية الدبلوماسية الإقليمية، تقف إلى جانبنا بقوة.
الركن الثاني يتعلق بالقضية الفلسطينية: لقد أثبتت “اتفاقيات أبراهام” أنه من الممكن تطبيع العلاقات مع الدول العربية دون موافقة الفلسطينيين. ومع ذلك، فإن القضية الفلسطينية تُشكل عائقا كبيرا للأمريكيين والأوروبيين، ولعدد من الجهات المعتدلة في المنطقة، بحيث لن يكون من الممكن إحراز تقدم على مستويات أخرى دون إحراز تقدم هناك، حتى لو كان رمزيا.
الركن الثالث يُتوّج السعودية ككرة مقدسة: تُشكّل “اتفاقيات أبراهام” التوجه المركزي الذي تُصاغ بموجبه العمليات السياسية في المنطقة، وأي تقدم سياسي مستقبلي لا بد أن يمر عبر توسيع نطاقها، والأهم ضم الرياض إلى هذه الاتفاقات.
لكن، بينما تنتظر إسرائيل في الفيلا الخاصة بها أن تتهيأ الظروف وفقا لتوقعاتها، تُشير الأحداث على أرض الواقع إلى واقع مختلف. فالاتجاهات السائدة في الأشهر الأخيرة تُناقض هذا المفهوم. الحرب في إيران خلطت كل الأوراق. فعلى سبيل المثال، دفعت الحرب بعض الجهات في المنطقة، التي كانت تعتمد كليا على الحماية الأمريكية، إلى إعادة النظر في خطواتها. تدرك دول الخليج وجود ثغرات في مظلة واشنطن الأمنية، مما يُفضي إلى تعاون إقليمي يهدف، من بين أمور أخرى، إلى استعادة الاستقرار، كما هو الحال في “تحالف مكة.” تُجري دول الخليج أيضا اتصالات مباشرة مع الإيرانيين. وهي ليست بالضرورة مهتمة باتفاق استسلام، لكن تحركاتها ضد طهران مدفوعة بلا شك بدوافع براغماتية للبقاء.
في المقابل، فإن المفهوم القائل إن المنطقة ممزقة وتفتقر للشجاعة، دون توجيهات من واشنطن، ينهار تدريجيا أمام واقع التكامل الاقتصادي القسري، بالغ الأهمية. فقد جعلت الحصارات المفروضة على مضيقي هرمز وباب المندب، والهجوم على خط أنابيب النفط السعودي الذي ينقل النفط إلى ميناء على البحر الأحمر، النقل البحري، الذي تفضله جميع الأطراف في سوق الطاقة، محفوفا بالمخاطر. والنتيجة هي ازدياد حركة النقل البري بشكل غير مسبوق. ينقل العراق النفط بالشاحنات إلى الدول المجاورة، للحفاظ على شريان تصدير لقطاع الطاقة لديه. وتشهد طرق النقل التي تربط السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى في المنطقة ازدحاما خانقا.
الغابة لم تعد كما كانت: لا تقتصر هذه الروابط على حركة الشاحنات فحسب، بل تشمل أيضا خططا قيد الدراسة، وبعضها في مراحل التنفيذ، لبناء بنية تحتية عابرة للحدود: سكك حديدية، وشبكات طرق، وموانئ، وقبل كل شيء، خطوط أنابيب نفط، وبنية تحتية أخرى للطاقة. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، وإذا تحققت هذه الخطط ولو جزئيا، فسيتعمق الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة. وستكون النتيجة تغييرا في الواقع السياسي المحيط بنا. والآن، كل هذا الخير يحدث دون مشاركتنا.
لا ترغب الغالبية العظمى من الإسرائيليين في العيش في إسبرطة حديثة، ويتوقعون رؤية مختلفة من قيادتنا الوطنية. نحن نقف عند مفترق طرق تاريخي. تتغير السياسة العالمية والجغرافيا السياسية الإقليمية أمام أعيننا. وإذا استمرينا في تجاهل هذه العمليات والتشبث بتصورات غير ذات صلة، فهناك خطر حقيقي من أن يصبح المشروع الصهيوني معزولا. ليس لدينا الحق الأخلاقي في أن نقرر أن يكون مستقبل أبنائنا إسبرطيا.
ستواجه الحكومة التي ستُشكل هذا الخريف، مهمة بالغة الأهمية تتمثل في التحرر من المفاهيم السياسية الخاطئة. وسيتعين عليها أخذ زمام المبادرة وصياغة خطة سياسية تُدرك بوضوح العمليات التي نشأت نتيجة الحرب مع إيران، وتتعامل مع الواقع الجيوسياسي الجديد. خطةٌ تُراعي حقيقة أن العالم قد تغيّر، وأنّ الغابة لم تعد كما كانت.
“اتفاقيات أبراهام” ليست المسار الوحيد الذي تتقدّم فيه العمليات السياسية في المنطقة. يقود الأمريكيون حركة تهدف في نهاية المطاف إلى تقليص تدخّلهم في المنطقة. وإذا حدث ذلك، فسيدخل الصينيون، الذين يُهيّئون أنفسهم منذ سنوات، إلى الساحة. ينظر السعوديون والفلسطينيون، وكذلك المصريون والأردنيون والسوريون والأتراك، إلى إسرائيل، ليروا إن كانت قادرةً على أن تكون بنفس القدر من الريادة والابتكار في الساحة السياسية، كما هي في ساحة المعركة. وحدها خطةٌ سياسيةٌ تُراعي كل هذا بواقعية قادرة على إعادة بناء الأسس المتينة اللازمة لأمنٍ حقيقي لدولة إسرائيل.




